آخر تحديث :الأربعاء-16 أكتوبر 2024-11:42ص

اليمن التي لم تفهمها نخبها بعد!

الأربعاء - 24 أغسطس 2022 - الساعة 10:58 م
د. قاسم المحبشي

بقلم: د. قاسم المحبشي
- ارشيف الكاتب


 

اليمن مجتمع انقسامي بطبيعته الجغرافية السكانية المتنوعة المتذررة بطول وعرض مساحتها إذ يوجد فيها أكثر من مئة وخمسين الف تجمع سكاني محلي تقطن في المدن الساحلية والصحاري والبوادي والهضاب وبطون الوديان والشعاب وقمم الجبال منذ الألف السنين وهذه التركيبة الجغرافية المعقدة افضت إلى تنميط المجتمعات المحلية بأنماط ثقافية متنوعة في العادات والتقاليد وطرق الانتاج واللهجات والزي والعلاقات والقيم والمواقف والاتجاهات فسكان المدن الساحلية يختلفون عن سكان القرى والأرياف وسكان المدن الجبلية القاحلة يختلفون عن سكان الهضاب الزراعية المنتجة. تلك الطبيعة الجيوبوليتيكية هي ما يفسر تنوع الأنماط الحضارية العديدة التي شهدتها اليمن القديمة (حمير وحضرموت ومعين وريدان وقتبان واوسان وسبا) وفي اليمن خمسة مراكز ثقافية تليدة هي( حضرموت وزبيد وعدن وصنعاء وتعز) وفي اليمن خمسة الألوان غنائية هي (اللون الصنعاني واللون اللحجي واللون الحضرمي واللوان اليافعي والألوان التهامي) وفي اليمن أنماط متعددة من الفن المعماري الفريد في العالم منها النمط اليافعي والنمط الحضرمي والنمط الصنعاني ، وفي اليمن أساليب متنوعة من الفنون الشعبية والأزياء والأطعمة واللهجات والحكم والأمثال الشعبية وتمثل الصناعات الحرفية والمشغولات اليدوية والصناعية الصغيرة في اليمن رافداً حيوياً للشعب اليمني ,منها: الفخار، البخور، الزباد، الحصير، الجنابي، آلات العزف، المشغولات الفضية، والعقيق اليماني، والمشغولات الجلدية، والنسيج، والنحت على الخشب الذي يتضمن زخرفة، ونحت اللوحات، والأبواب، والشبابيك الخشبية، والكراسي، وبعض الطاولات بتصميمات يمنية ذات طابع تراثي وتاريخي ومعماري أصيل، وعمل الجصيات، غيرها هذا التنوع الطبيعي والتاريخي والثقافي فضلا عن الثروة البشرية التي تتميز بها اليمن.
إذ تعد اليمن من أكثر الدول كثافة بالسكان في شبه الجزيرة العربية وبمعدل نمو سنوي يبلغ 5.3 ، %وفي حالة بقاء معدل النمو على حاله فإن عدد السكان سيبلغ 000.844.37 نسمة بحلول عام 2026م، فضلا عن ما تمتلكه من تنوع طبيعي مناخي  فريد وغنى زاخر بالموارد النباتية والحيوانية والكائنات الدقيقة المفيدة والتي تقوم بوظائف حيوية مفيدة، فالتنوع الطبوغرافي أسهم في وجود تنوع حيوي ومناخي ساعد في ظهور بيئات متنوعة لعبة دورا هام في التنوع الحيوي الزراعي والاستقرار البشري و الحفاظ على نوعية الهواء وضمان بيئة صحية للسكان، آما أن غنى التنوع الحيوي وآثافة الغطاء النباتي ساعد على حماية التربة من الانجراف. ووفقاً للمعهد الدولي للموارد فإن الأنظمة البيئية تعتبر "آليات الإنتاج للكون" حيث توفر الغذاء والماء والمواد المستخدمة في الملابس والورق والخشب للبناء (عام 2000 .(وقد مارس السكان اليمنيين ومنذ فجر التاريخ مهنة اصطياد الحيوانات وصيد الأسماك وبرعوا في استخدام المنتجات النباتية والحيوانية لسد حاجاته اليومية من الغذاء والملبس والبناء وغيرها من الاستخدامات المختلفة والتي لازالت تمارس حتى اليوم. 
هذا التنوع الطبيعي والتاريخي والثقافي فضلا عن الثروة البشرية التي تتميز بها اليمن تعد من مقومات التنمية المستدامة لو صلحت السياسية التي بدون صلاحها يصعب الحديث عن أي شئ ممكن. إذ أن لتنمية المستدامة تنمية طويلة الأمد، حيث تأخذ بعين الاعتبار حقوق الأجيال القادمة في موارد الأرض وتسعى إلى حمايتها. تلبّي احتياجات الفرد الأساسيّة والضروريّة من الغذاء، والكساء، والحاجات الصحيّة والتعليمية التي تؤدّي إلى تحسين الأوضاع الماديّة والاجتماعيّة للبشر دون الإضرار بالتنوّع الحيويّ، وهذا من أولويّاتها فعناصر البيئة منظومةٌ متكاملةٌ والحفاظ على التوازن ما بين هذه العناصر يوّفر بيئةً صحيةً للإنسان. تحافظ على عناصر المحيط الحيوي ومركباته الأساسيّة، مثل: الهواء والماء؛ حيث تشترط الخطط عدم استنزاف الموارد الطبيعيّة في المحيط الحيويّ، وذلك برسم الخطط والاستراتيجيات التي تحدّد طرق استخدام هذه الموارد مع المحافظة على قدرتها على العطاء. تعتمد على التنسيق بين سلبيّات استخدام الموارد واتجاهات الاستثمارات؛ حيث تعمل جميعها بانسجامٍ داخل منظومة البيئة، بما يحقّق التنمية المتواصلة المنشودة وقد أكدت نظرية الثقافة على أهمية التعددية الثقافية كمعطى جوهري وحيوي للحياة الإنسانية والتنمية المستدامة لأن الأمة التي تتعدد فيها وتتوازن أنماط الحياة تصبح اقل تعرضاً للمفاجآت وأكثر قدرة على الاستجابة للمواقف الجديدة، ومن ثم فان النظم السياسية التي تشجع تنوع أنماط الحياة المتعددة اقرب للنجاح من تلك التي تقمع التنوع الضروري. وتؤكد النظرية أن التعددية جوهرية، لان اختلاف الناس في هذا العالم هو الذي يمكـَّن أنصار كل نمط حياة من أن يعيشوا بطريقتهم بحيث تصبح معيشة الناس في نمط واحد نوعاً من (اليوتوبيا) المهلكة، لأن أنصار كل نمط حياة يحتاجون للأنماط المنافسة، سواء للتحالف معها، أو الشعور بالذات في مقابلها أو حتى لاستغلالها لمصلحتهم. تؤكد نظرية الثقافة على أهمية التعددية الثقافية كمعطى جوهري وحيوي للحياة الإنسانية، وحينما ننظر نظرة سريعة إلى شكل المجتمع الإنساني نرى أن الفرد في المجتمع يتفق مع بعض الناس في كل النواحي كما يتفق مع بعض الناس في نواح أخرى، ولا يتفق مع أي من الناس في نواح ثالثة. وإذا ما انطلقنا من تعريف الأمريكي (روبرت بيرستد) للثقافة بأنها « ذلك المركب الذي يتألف من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نمتلكه كأعضاء في المجتمع» ومن ثم فان النظم السياسية التي تشجع تنوع أنماط الحياة المتعددة اقرب للنجاح من تلك التي تقمع التنوع الضروري.وتؤكد النظرية أن التعددية جوهرية، لان اختلاف الناس في هذا العالم هو الذي يمكـَّن أنصار كل نمط حياة من أن يعيشوا بطريقتهم بحيث تصبح معيشة الناس في نمط واحد نوعاً من (اليوتوبيا) المهلكة.

المتتبع للتاريخ اليمني سوف يجد أن الصراع على السلطة والثروة قد شكلا العامل الأساسي في الصراع بين العصبيات والقوى التقليدية المتنازعة على الاستئثار بعناصر وأدوات القوة ، السلطة والحكم والثروة والأرض والعقيدة والهوية وكل فرص العيش الممكنة، وفي سياق ذلك المحور الملتهب للعصبية بمعناه الخلدوني كان ومازال يجري توظيف الدين والطائفية لاسيما في الشمال ولأن اليمن بلد فقير وإمكانياته محدودة جدا  فإن الحصول على الثروة قد تطلب أن يقوم على قهر وسلب الفئات المنتجة وحرمان الفئات الضعيفة ولمهمشة، وبهذا أصبحت (السلطة) تسلطية عنفية تستخدم أداة للقهر والظلم والحرمان وبؤرة للصراع الدائم غير أن بناء وتأسيس الدول لا يقوم ولا يدوم إلا على أساس الشراكة المجتمعية التي تقوم على قوة الحق؛ حق كل مواطن في أرضه ووطنه بغض النظر عن مواقفه واتجاهاته السياسية والأيديولوجية، والدين لله والوطن للجميع! وسبب خراب اليمن يكمن في أن النخب السياسية الغبية جعلت من حق القوة قاعدتها الأساسية، إذ أن كل من استولى على السلطة أقصى الآخرين منذ ١٩٦٢ في صنعاء وعدن بنِسَب متفاوتة من العنف والقسوة إلى أن جاء من يقصي جميع الإقصائيين، جاء من غياهب التاريخ وأعلن نفسه مالك اليمن وما عليها تحت راية طائفية من خارج التاريخ،. اسمها ( أنصار الله) والحق اللهي والبطنيين والمسيرة القرآنية.

يصف برايان وينكر اليمن-في كتابه The Birth of modern yemen (ميلاد اليمن الحديث)- بأنه بلد ذو تاريخ طويل للأرض وقصير للدولة. وليس في توصيف كهذا مبالغة، فالتاريخ السياسي للبلاد تأريخ جهوي تمحور حول الجغرافيا، فهذه-من خلال ما فرضته من موقع معزول وتضاريس متنوعة وصعبة وبما منحته من موارد شحيحة- ظلت وما زالت تتمتع بسطوة على الحقل السياسي، وكانت قادرة دوما على التدخل فيه والتأثير عليه، واستطاعت ان تكون الطرف الأقوى في العلاقة التي جمعتها بالحياة السياسية وبالدولة، وان تكون البوابة التي تمر عبرها علاقة الأفراد والمجتمع بهما. فبسبب موقعه القصي، وما يوفره هذا الموقع من منعة، أصبح اليمن فردوسا مرغوبا للمتمردين والخارجين على دولهم، ومقصدا مفضلا للدعوات الدينية المتسيسة منذ القرن منذ قدوم ابرهه الحبشي وجيشه مرورا بسيف بن ذي يزن إلى الإمام الزيدي الهادي الرسي واخيرا اسامة بن لإذن.

اكرر أن الدولة بوصفها مؤسسة المؤسسات الوطنية الجامعة هي البيت السياسي المشترك للموطنين القاطنين في مكان وزمان متعينيين بينما السياسية هي اللعبة التي يمارسها سكان البيت في الصراع على عناصر القوة؛ السطلة والثروة والوظيفة العامة والجاه والتمثيل . الخ. فاذا لم تأسس الدولة على أساس تعاقدي دستوري مدني يكفل حق متساوي لجميع المتعاقدين في العيش الكريم والوصول والحصول على الفرص فمن العبث الحديث عن السياسة ونتائجها.
اليمنيون عجزوا عن تأسيس بيتهم السياسي المشترك (الدولة)فصاروا يتصارعون في الشارع على الجثة المتعفنة. وصراع الشوارع لا حكم عليه ولا معيار له. حرب الجميع ضد الجميع!