أبعاد اقتصادية وأمنية في حرب الاتصالات اليمنية

تحرير الاتصالات من قبضة الميليشيات الحوثية يقلب الدفة لصالح الحكومة الشرعية.

حفظ الصورة
تقرير/ صالح البيضاني:

أكدت مصادر مطلعة في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن قيام السلطات الأمنية بتعطيل خدمة الاتصالات التابعة للشركة اليمنية العمانية للاتصالات “يو” وإغلاق مكاتبها، في الوقت الذي كشفت مصادر محلية في محافظة مأرب عن قيام الأجهزة الأمنية بإغلاق عدد من مكاتب الشركة ذاتها بأمر من النيابة العامة بسبب اتهامها بالارتباط بالأجهزة الاستخباراتية الحوثية في صنعاء.

 

وتسببت الخطوة وفقا لشهود عيان في عدن ومأرب في تعطل قسم كبير من خدمة الاتصالات والإنترنت، في ظل غياب الشركات البديلة لتغطية العجز الذي تسبب به وقف خدمات شركات الاتصالات التي يهيمن عليها الحوثيون.

 

وسارع مسؤولون في الحكومة اليمنية من بينهم وزير الاتصالات إلى نفي صلتهم بقرار إغلاق خدمات شركة “يو” وفقا لما تناقلته وسائل إعلام يمنية، في محاولة للحد من أي عواقب قد يتخذها الحوثيون ردا على هذا القرار، في إشارة كما يقول مراقبون إلى تواطؤ قيادات في الحكومة الشرعية مع الأنشطة الاقتصادية الحوثية في المحافظات المحرّرة.

 

وأعلنت شركة الزمرد الدولية الاستثمارية العمانية مطلع يناير الماضي عن استحواذها على معظم أسهم شركة “إم.تي.إن” للهاتف المحمول في اليمن بالشراكة مع وزارة الاتصالات التابعة للحوثيين في صنعاء وهي الخطوة التي رفضتها وزارة الاتصالات في الحكومة الشرعية حينها واعتبرتها غير قانونية وتندرج في سياق الحملة التي تقودها جماعة الحوثي للسيطرة على الشركات العاملة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وهددت الحكومة بأنها ستتخذ “الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على الحقوق القانونية لها وحماية المستهلك اليمني والمستخدم للشبكة، وحق الحكومة في ملاحقة الحوثي وفقا للقوانين اليمنية والدولية”.

 

وكان نجيب العوج وزير الاتصالات وتقنية المعلومات في الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا قال في الثاني عشر من فبراير الماضي إن اللجنة الوزارية التي شكلتها الحكومة بهذا الشأن وجهت باتخاذ الإجراءات القانونية والفنية ضد “إم.تي.إن” لمخالفتها القانون والترخيص الممنوح لها.

 

وأثيرت موجة من الانتقادات على وسائل الإعلام اليمنية التابعة للشرعية نتيجة شروع شركة الاتصالات العمانية اليمنية في إطلاق خدمات “فور جي” للإنترنت في عدن والمحافظات المحررة دون أي تحرك رسمي من قبل الحكومة، في وقت وجهت فيه أصابع الاتهام للحوثيين باستخدام شبكات الاتصالات في التجسس ورصد تحركات قيادات عسكرية وأمنية مناهضة لهم.

 

ويؤكد خبراء يمنيون وجود أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة فيما يمكن وصفها بمعركة الاتصالات في اليمن التي يتقدم فيها الحوثيون بمراحل أمام الحكومة الشرعية.

 

مبررات أمنية واقتصادية

يشير الباحث اليمني ورئيس مركز فنار لبحوث السياسيات عزت مصطفى في تصريح لـ”العرب” إلى أن انتزاع قطاع الاتصالات من تحت سيطرة ميليشيا الحوثي خطوة كان يجب اتخاذها منذ تحرير العاصمة عدن قبل نحو سبع سنوات، لافتا إلى أن التأخر باتخاذ هذه الإجراءات ذات الأبعاد الأمنية والسياسية والاقتصادية فاقم المأساة اليمنية.

 

ويضيف “إلا أن المضي في تصحيح الوضع بات ملحاً ويلزمه سرعة إيجاد بدائل للمواطنين في المناطق المحررة توفر لهم شبكة ‘فور جي’ حديثة بتغطية كاملة في المدن والتجمعات السكانية وهذه الخطوة المهمة ستنعكس سلبا بالسخط الشعبي الذي يتزايد جراء البطء في حل مشكلة الخدمات”.

 

ويوضح مصطفى أن “ميليشيا الحوثي استفادت في السنوات الماضية من الإيرادات الضخمة لقطاع الاتصالات الذي وفر لها عائدات مكنتها من تغذية حربها العبثية ولم تكتف بإيرادات الاتصالات بل تمادت أكثر في التضييق على الشركات التي تدير أعمالها من صنعاء للسيطرة والاستحواذ عليها كما حصل مع شركة ‘أم.تي.أن’ الجنوب أفريقية التي خرجت من السوق اليمنية لصالح شخصيات حوثية تحت غطاء شركة أجنبية”.

 

وأشار الباحث اليمني إلى أن “المبررات الأمنية في المناطق المحررة تزايدت لإيقاف عمل الشركات التي مازالت تدير عملياتها الفنية من صنعاء مع تزايد عمليات الاغتيال التي طالت شخصيات عسكرية وإعلامية ومعارضين لميليشيا الحوثي خاصة وأن التحقيقات في هذه العمليات كشفت عن استخدام ميليشيا الحوثي لشركات الاتصالات في عمليات التجسس ومراقبة الضحايا في تنفيذها لعمليات الاغتيال أو تخادمها مع تنظيمات إرهابية أخرى تقوم بتنفيذ العمليات وفق المعلومات التي يقدمها الحوثيون من قواعد بيانات الاتصالات”.

 

وتابع “مع سقوط الأعذار التي كان يتحجج بها بعض مسؤولي الشرعية سابقا في تسويفهم تنفيذ المطالبات بنقل شركات الاتصالات إلى العاصمة عدن فإن استحواذ الحوثيين على شركة ‘أم.تي.أن’ وتحولها إلى ‘يو’ دون الرجوع إلى الحكومة الشرعية مانحة الترخيص يعد مساً خطيراً بسيادتها وأمنها، إلا أن هذا الإجراء يلزمه اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة آثاره أهمها صدور قرارات رئاسية بتعيين مجلس إدارة جديد لشركة ‘يمن موبايل’ على اعتبار أنها شركة قطاع مختلط يصدر بالتعيين فيها قرارات جمهورية، وكذلك التصريح لاستثمارات جديدة بشكل عاجل تتمتع بالكفاءة لتغطية سوق الاتصالات في المناطق المحررة”.

 

استحواذ حوثي مبكر

حول الأبعاد الاستراتيجية في حرب الاتصالات اليمنية، يرى عبدالحميد المساجدي رئيس منتدى الإعلام والبحوث الاقتصادية أن استمرار سيطرة الحوثيين على قطاع الاتصالات في اليمن أحد الأسباب الرئيسية التي أعطتهم تفوقا ميدانيا ولوجستيا وعسكريا وماليا في الصراع الدائر في اليمن منذ بداية الحرب.

 

ويقول المساجدي في تصريح لـ”العرب” إن “الجماعة الحوثية بعد سيطرتها على صنعاء ومؤسسات الدولة، قامت بالسيطرة على جميع المؤسسات الحكومية في قطاع الاتصالات مثل المؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية و’تيليمن’ و’يمن نت’، و’يمن موبايل’ وعينت لها إدارات تنفيذية وحتى على مستوى القيادات الوسطى والإدارات الفنية قامت الجماعة بتغييرهم واستبدالهم بآخرين من الموالين لها، لضمان الحصول على الموارد واستغلالها عسكريا وأمنيا”.

 

ويشير المساجدي إلى أن سياسة الاستحواذ الحوثية لم تستثن حتى الشركات الخاصة التي سيطرت عليها الجماعة الحوثية واحدة تلو الأخرى، فالبداية كانت من شركتي “واي” و”سبأفون” والتي تم وضعها تحت تصرف الحارس القضائي ومصادرة أصولها وممتلكاتها والحجز على أرصدتها وتغيير إداراتها التنفيذية وصولا إلى نهبها بشكل كامل ونقل ملكيتها إلى شخصيات حوثية، حيث تم ضم شركة “واي” إلى مؤسسة “شبام” القابضة الحكومية قبل تحويل اسمها إلى شركة “هدهد” للاتصالات ومن ثم شركة “سبأفون” والتي عقدت ما أسمتها بالجمعية العمومية للمساهمين وانتخبت مجلس إدارة جديدا واستصدرت سجلات تجارية جديدة باسم عبدالله مسفر الشاعر شقيق الحارس القضائي.

 

وجاء الدور بعد ذلك على شركة “إم.تي.أن” يمن والتي تمت مضايقتها وفرض رسوم خيالية على الترخيص للانتقال إلى الجيل الرابع، ورسوم ضريبية، وأخرى تتعلق بجبايات وأتاوات مختلفة ليتم إجبار الشركة على الانسحاب من السوق اليمنية والتخلي عن فرعها في اليمن لصالح جماعة الحوثي تحت غطاء عماني وتحويل اسمها إلى شركة “يو  تيليكوم”.

 

وعن ردة الفعل في الحكومة الشرعية على سياسة الحوثيين في قطاع الاتصالات، يؤكد المساجدي أن “كل هذه التصرفات الحوثية قابلها شلل وعجز من جانب الحكومة اليمنية التي تركت للحوثي زمام المبادرة واكتفت بتجربة يتيمة لا يزال الفشل هو عنوانها، والمتمثل في إنشاء شركة ‘عدن نت’ لتزويد المناطق المحررة بخدمة الإنترنت والتي لا تزال عاجزة عن الانتشار في كافة المناطق المحررة إضافة إلى الرسوم الباهظة للحصول على الخدمة”.

 

وتابع “بعد السيطرة على شركة ‘أم.تي.أن’ وتغيير علامتها التجارية بدأت الإدارة الحوثية الجديدة بتركيب الانتينات وشبكات التقوية واللوحات الإعلانية للشركة الجديدة في عدد من المناطق منها ما هو تحت سيطرة الحكومة الشرعية، والخطوة الحوثية الأخيرة نقلت مسألة المبادرة في اتخاذ خطوة مماثلة إلى السلطات المحلية والجهات القضائية في ظل جمود الحكومة، حيث اتخذت النيابة العامة في مأرب قرارا بالإغلاق ومثله في عدن، حيث تم إيقاف وإغلاق مكاتب الشركة، وهي خطوة بالرغم من تأثيراتها على المستخدمين في المناطق المحررة إلا أنها تعبّر عن ضرورة تحرك الحكومة الشرعية في اتجاه تحرير قطاع الاتصالات وإنشاء شركات بديلة بعيدا عن السيطرة المالية والأمنية للحوثيين على الشركات الموجودة”.

 

ومن جهته، يرى منصور صالح نائب رئيس الدائرة الإعلامية في المجلس الانتقالي الجنوبي الذي سبق وأصدر بيانا عبّر فيه عن رفضه لعمل شركات الاتصالات الحوثية في المناطق المحرّرة، أن قطاع الاتصالات أصبح جزءاً من المعركة، لافتا إلى أنه “بسبب فشل الحكومات السابقة في إدارة هذا القطاع تمكنت الميليشيات الحوثية من استثماره لمصلحة معركتها ضد الجميع”.

 

ويضيف “لاعتبارات اقتصادية وأمنية وعسكرية كان يفترض منذ بدء المعركة وإعلان عدن عاصمة أن يتم نقل مركز التحكم بمنظومة الاتصالات بحيث يكون تحت سيطرة الشرعية لحرمان الميليشيات من المورد الاقتصادي من هذا القطاع ولعدم تمكينها من استخدامه في عمليات المراقبة والتنصت والترصد”.

 

ويؤكد صالح في تصريحه لـ”العرب” أن الحديث عن عدم وجود بنية تحتية في عدن مجرد مبرّرات واهية لتغطية الفشل أولا، وثانيا لتبرير عدم وجود إرادة سياسية لتمكين عدن والجنوب من لعب دورها كعاصمة واستعادة مؤسساتها التي تم تدميرها عمدا منذ يوليو 1994.

 

ويردف “الفساد المستشري في وزارة الاتصالات ووجود أجندة سياسية حريصة على عدم تنمية عدن كلها صبّا في خدمة ميليشيات الحوثي ومكناها من مليارات من الدولارات من إيرادات هذا القطاع، كما مكناها أمنيا من فرصة تتبع وترصد تحركات القيادات المناوئة للميليشيات وتصفية بعضها بعمليات إرهابية دقيقة ولذلك كنا نتمنى فتح ملف هذا القطاع والتحقيق في أسباب الفشل فيه. وفي حال ثبت تورط أو تراخي قيادات محسوبة على الشرعية في هذا الفشل فيجب تقديمها للمحاكمة في كل الجرائم التي استخدمت فيها الاتصالات كأداة فاعلة سهلت تنفيذها”.

 

نقطة ضعف

شركات الاتصالات شركات إيرادية ودخلها المادي بالمليارات وجميع هذه المبالغ تذهب إلى حسابات الميليشيا الحوثية

 

يشير كل ما سبق إلى أن الاتصالات باتت سلاح قوة بيد الحوثي وعلى الحكومة الشرعية، وفي تصريح لـ”العرب” يشدد رماح الجبري مدير المرصد الإعلامي اليمني على أن الاتصالات لا تزال نقطة ضعف الحكومة الشرعية في الوقت الذي استفادت فيه الميليشيا الحوثية من قطاع الاتصالات اقتصاديا وأمنياً وحققت كثيرا من أهدافها، وهي واحدة من أهم وسائل الحرب في اليمن.

 

ويشدد الجبري على أن بقاء شركات الاتصالات ولاسيما في المناطق المحررة تحت السيطرة الحوثية يجعل الحكومة الشرعية مكشوفه أمام العدو الحوثي ويستطيع من خلالها معرفة تفاصيل وتحركات الحكومة ناهيك أن هذا القطاع سيادي ويجب أن يكون خاضعا للحكومة.

 

ويضيف “أمنيا ومن خلال شركات الاتصالات استطاعت الميليشيا الحوثية تنفيذ العشرات من العمليات الإرهابية سواء عمليات اغتيال أو قصف واستهداف مواقع وقيادات عسكرية ولذلك لا تزال الاتصالات ثغرة كبيرة تتطلب جرأة في اتخاذ القرار وتوفير البدائل من الحكومة الشرعية، وفي الجانب الاقتصادي تعد شركات الاتصالات شركات إيرادية ودخلها المادي بالمليارات وجميع هذه المبالغ بلا شك تذهب إلى حسابات الميليشيا الحوثية، والاتصالات واحدة من أهم المؤسسات التي تمول العمليات الحربية الحوثية”.