الراعي الذي أصبح رئيساً لليمن  (1)

(عدن الغد)خاص.

إعداد/ د. الخضر عبدالله : 

من هو علي صالح وأين كانت نشأته ؟

ولد علي عبد الله صالح في 21 مارس 1942م في قرية الأحمر  مديرية سنحان في محافظة صنعاء .

نشأ في منزل والده الصغير الذي لا تتعدى مساحته 10×8 م, كان بيتا لأسرة ريفية فقيرة اقتصادها الزراعة والرعي وهما المهنتان الوحيدتان لعمالة الأطفال وكان الطفل علي منذ سن مبكرة يذهب إلى رعي الاغنام ومساعدة أسرته في الزراعة والعمل في الأرض ولاسيما بعد توفي والده وهو لم يبلغ السابعة من عمره وتكفل عمه صالح علي عبد الله برعايته وفي سن العاشرة انتقل إلى كنف شقيقه محمد عبد الله صالح للعيش مع أخيه صالح عبد الله صالح والتحق بالكتاب (المعلامة) لدراسة القرآن الكريم في مسجد قرية بيت الأحمر لكن فترة مكوثه في (المعلامة) لم تتجاوز العامين ومع ذلك استطاع فيها ان يتقن القراءة والكتابة بذكاء ابن الفلاح "

توليه مسؤولية أسرته

كان علي عبد الله صالح تلميذا نجيبا ومثابرا محل اعجاب فقهاء القرية وكان أبوه رحمة الله عليه يرى فيه امله وحلمه لما توسم فيه من النباهة فأخذ يركن اليه في بعض شؤون الاسرة وهو مازال دون الثامنة من عمره وكأنه اراد بذلك تأهيله واعداده لتولي المسؤولية وكان العلي عند مستوى المسؤولية في كل ما اسند اليه من مهام في اطار الاسرة وهو ما جعل الاب يطمئن لحقيقة فراسته في نجله وانتقل إلى الرفيق الاعلى وهو مطمئن على ولده علي وبقية أولاده، لم يستسلم علي واخوته لحزن وفاة ابيهم فقد وجد علي ان من واجبه ألا يركن برعاية أسرته على أعمامه واخواله حتى لا يكونوا عبئا اضافيا عليهم في ظل ظروف بالغة القسوة والصعوبة وبمسؤولية الرجل اخذ علي يفكر ضاربا اخماسا في أسداس في محاولة من للبحث عن مخرج لما هو فيه فاهتدى إلى ضرورة الالتحاق بالجيش وكان ذلك عند منتصف عام 1958م وعمره لم يبلغ بعد السادسة عشرة وبدلا من ان يعيش الطفل علي عبد الله صالح طفولته اسوة بأقرانه من اطفال القرية ويمارس ألعابه وهواياته بجوار منازل القرية وساحتها وروابيها مشاركا ابناء الفلاحين حياتهم البريئة ومستمتعا بها كان في تلك الاثناء من سن طفولته وتحديدا منها الممتدة بين 12-15 عاما قد استبدل - إن جاز التعبير- لهو وزهو الطفولة وافراحها بجد ومثابرة المسؤولية ليتخذ من ميادين التدريب عوضا عن ميادين اللعب والبندقية بدلا من شبابة رعاة قريته.

ولا غرو ان يكون هذا هو الطفل علي في مرحلة طفولته مكابدا مجاهدا ليوفر حاجة أسرته من متطلبات المعيشة والحياة لتصنع منه ارادة الله سبحانه ما توسم فيه والده الراحل وتهيؤه على مهل لأمر عظيم.

وجد الطفل علي متعة من نوع اخر وهو يمارس طقوس العسكرية والتدريب القتالي في ميادين الواجب خلال الاربعة الأعوام الاولى لالتحاقه بالجيش لم تكن لتعويضه عن متعة ممارسة الطفولة فحسب بل ايضا لتضيف إلى مقومات رجولته جديدا مفيدا ونافعا تعزز من مهمته وتصلب أرادته تنسيه يتمه جراء فقدانه لأبيه رحمة الله عليه.

وعندما بلغ سن السابعة من عمره قامت ثورة 1948م  التي قادها الاحرار ضد الإمام يحيى حميد الدين وشاع الحديث بين الناس عن هذه الثورة وعن بطش الامام احمد لكل من يعارضه وخاصة اعدام ابطال ثورة 48 بالسيف في ساحة صنعاء كل ذلك تم وكان علي عبد الله صالح يسمع بهذه الاحداث او يشاهدها ويسجلها في ذاكرته دون ان يعلم ماذا يخفي له القدر" 

النشأة العسكرية 

كانت فكرة التحاق علي عبد الله صالح بالجيش هي امله وظل يترقب اليوم الذي سيلتحق فيه بالسلك العسكري وفي عام 1958م التحق بسلك الجندية في بلوك سنحان بعد ان اعياه التعب وهو يبحث عمن يكفله للالتحاق بالجندية خاصة وان سنه حينها كان صغيرا ولم يتجاوز السادسة عشرة من عمره إلا ان وساطة احد مشايخ سنحان عند مسئول التجنيد في بلوك سنحان ( القلمي ) والمعين من قبل الإمام أحمد مكنته من الالتحاق بالجندية.

وبعد سنتين من التحاقه بسلك الجندية التحق بمدرسة صف ضباط القوات المسلحة وعندما حملت الثورة فجر اليمن الجمهوري في 26 سبتمبر 1962م كان علي عبد الله صالح من جنودها الأوفياء على امتداد مسيرتها القتالية"

 مشاركته في المعارك  

أصيب علي عبد الله صالح بجروح عدة في المعارك أثناء قيامه بالدفاع عن الثورة والنظام الجمهوري وكانت رتبته حينذاك (رقيب) وتقديرا لجهوده ولما اظهره  من بسالة وشجاعة في الدفاع عن الثورة في مختلف المناطق رقي إلى رتبة مساعد وفي عام 1963م رقي إلى رتبة ملازم ثاني وفي عام 1964م التحق بمدرسة المدرعات وتخصص في فرقة الدروع وبعد تخرجه من مدرسة الذرعات 8 عاد من جديد للمشاركة في معارك الدفاع عن الثورة والجمهورية في أكثر من منطقة من مناطق اليمن وتعرض لشظايا النيران وأصيب بجراح اكثر من مرة وأبدى في المعارك التي خاضها شجاعة نادرة ومهارة في القيادة ووعيا وإدراكا للقضايا الوطنية" .

 انفجار ثورة 26 سبتمبر 

فبعد انفجار ثورة 26 سبتمبر 1962 ما سارعت القوى الرجعية في محاولة لقتل الثورة وهي في المهد فما كان من مصر بقيادة زعيمها جمال عبد الناصر إلا ان نفذت وعدها في مساعدة الثورة السبتمبرية بعد نجاحها ومع مطلع شهر أكتوبر 1962م كانت مصر قد أرسلت إلى ميناء الحديدة ثلاث سفن حربية تحمل اسلحة وجنودا وذخيرة لتقاتل جنبا إلى جنب مع القوات الجمهورية الثائرة  من اجل دحر فلول الملكية.

وقد بلغ عدد القوات المصرية المتمركزة في ضواحي مدن صنعاء وتعز والحديدة نحو ثلاثة الاف جندي وقد شغلت هذه القوات وخاصة الجوية منها دوراً مهماً في مساعدة الجمهورية الفتية واعاقة تدخل العربية السعودية، واوقفت هجوم القبائل التي ظلت موالية للملكية على العاصمة صنعاء‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍."

 انقلاب صنعاء 

وفي 5 نوفمبر 1967م حدث انقلاب مدني في صنعاء بزعامة عبدالرحمن الارياني أطاح بالسلال الذي عاد إلى مصر وطلب حق اللجوء السياسي هناك، وكون الارياني مجلساً رئاسياً برئاسته وعضوية كل من: حسين العمري، ومحمد علي عثمان وكلف محسن العيني بتشكيل حكومة جديدة. واعتبر الملكيون هذا الانقلاب انشقاقاً داخل الصف الجمهوري بالإضافة إلى انسحاب القوات المصرية من اليمن.

كل ذلك شجع القوى الملكية على حصار صنعاء بشن هجوم عنيف عليها لمدة سبعين يوماً، بدءاً من 30 نوفمبر 1967م حتى 8 فبراير 1968م وقد زحف الملكيون نحو الجبال المحيطة بصنعاء ومن خلالها تمكنوا من قصف صنعاء وإغلاق الطرق الرئيسية التي تخرج منها، وحاول الأمير محمد بن الحسين اغراء القبائل بنهب صنعاء للوقوف إلى جانبه لأنه لم يكن بوسعه توفير المال والسلاح اللازم لهم، إلا ان هذه الخطة لم تحظ بالنجاح.

ونتيجة لتلاحم الشعب والقوات المسلحة في الدفاع عن الجمهورية وعدم سقوط صنعاء، إلى جانب وصول عدد من الطائرات إلى اليمن تقدر بثلاثين طائرة يقودها طيارون يمنيون ممن كانوا يتدربون في الاتحاد السوفيتي، كل ذلك مكن الفريق العمري الذي عين قائداً عاماً للقوات المسلحة ان يقصف القبائل المتحصنة بالجبال و جعلهم ينسحبون إلى أماكن أخرى، كما ان جيشاً من الشباب تم تدريبهم في الحديدة، إلى جانب الكثير من العربات المدرعة والمدفعية تمكن من الوصول إلى صنعاء تحت غطاء جوي، وخاض معركة من أشرس معارك الحصار على مشارف المدينة ونجح في تحطيم الحصار الذي صنعه الملكيون والذي استمر سبعين يوماً وكان ذلك الاختراق في 8 نوفمبر 1968م.

ولم يكن الملازم علي عبدالله صالح بعيداً عن هذه الأحداث التي عصفت بالجمهورية، وكادت ان تسقط صنعاء بيد الملكيين، بل كان بطلاً من ابطال حرب السبعين يوماً.(للحديث بقية ) "