من مذكرات الإرياني ..أول نشاطه السياسي كان نشر المنشورات ضد الأماميين  الحلقة (11)

(عدن الغد)خاص. جمع وإعداد / د. الخضر عبدالله . ( عدن الغد) أول صحيفة يمنية تنفرد بنشر أهم المحطات التاريخية لرئيس دولة الجمهورية اليمنية العربية آنذاك في شمال اليمن قبل توحيد اليمن إلى وحدة يمينة، وهو الرئيس اليمني عبدالرحمن  الأرياني، فهو سياسي وشاعر وأحد علماء الشريعة وقضاتها في اليمن، شارك في مراحل النضال الوطني ضد "حكم الإمامة" المَلكي، وهو ثاني رئيس وأول مدني حكَم الشطر الشمالي من البلاد بعد الإطاحة بالحكم الإمامي 1962، وأول رئيس عربي يقدم استقالته إلى مجلس شورى منتخب. وعبر (عدن الغد ) نسرد شيئاً من حياته , والظروف التي فرضت العمل النضالي، والصعوبات التي تعرض لها الإرياني ومن معه في رحلة الثورة والنضال، وأساليب المعارضة  وكيف صار رئيساً لليمن ..  وأرجو أن يكون نشر هذه المحطات والأحداث التاريخية مدخلاً جيداً للتعرف على شخصية القاضي الإرياني كثاني رئيس يمني . الرئيس الإرياني لا يسرد هذه الأحداث كوقائع عابرة، ولكنه يتحدث عنها كوقائع عاشها، وكان شاهد عيان عليها، بل وشخصية محورية في بعضها، وهو في سرد هذه الأحداث يجمع بين سلاسة الأديب، وعقلانية السياسي، محاولاً أن يقدم في تفسيراته للأحداث والوقائع برؤية موضوعية، بعيداً عن التحيز والانجرار إلى الخطاب الموقفي الذي كثيراً ما يفسد على المؤرخ مصداقيته، ويحيله إلى شاهد زور لا أكثر. "بداية العمل السياسي" وحول البدايات في العمل السياسي يقول الرئيس القاضي الإرياني موضحاً :" في أثناء الدراسة بصنعاء كنت أشارك في نقد الاوضاع العامة، والتدليل على ما فيها من مآخذ كلما التقينا في المقايل بمن لنا بهم صلة ثقة وعندهم الوعي لما يجري من حولهم، وهم عدد محدود فيهم المحلوي وأحمد المطاع والعزي السنيدار وعبدالله العزب وأولاد السياغي والشماحي ومحمد الخالدي، وفي منتصف عام 1922 بدأت بالتعاون مع الأخ القاضي أحمد المعلمي في العمل الوطني، ولكن بحذر شديد حرصًا على أن لا يحدث لنا ما يزعج الوالد رحمه الله، وقد أقتصر عملنا على مراقبة المجريات وتحرير المنشورات وبثها في المساجد و "الطرقات كلما حدث ماتُنتقد به الدولة، وقد شجعنا على ذلك أنا كنا نسمع صدى هذه المنشورات وتخافت المواطنين في الحديث عنها وتكهنهم فيمن يكون وراءها، وأنَّا نجد التهمة لا تحوم حولنا. وأذكر من أوائل المنشورات قصيدة قلتها وتناولت ّوأن فيها الفاسدين من رجالات الدولة بالنقد والتجريح، وهي طويلة . الاتهام والحبس" وحول من اتهم بنشر هذه المنشورات يقول الرئيس الإرياني مستدركاً:" ولما أتهم الأخ العزي الخالدي بأنه وراء بعض المناشير وحُبس وجُلد, كما أُعتقل ونفي القاضي محمد محمود الزبيري شهيد الوطن ،والسيد الخطيب محمد أبو طالب والسيد الشهيد أحمد بن أحمد المطاع والقاضي عبدالله العزب والعزي صالح السنيدار والقاضي علي الشماحي والقاضي محمد السياغي أخلدنا إلى السكينة فترة من الزمن، ثم رأينا أن من واجبنا أن نواصل نشر المنشورات حتى لا يعطي المسئولين انقطاعها قناعة بأن المسجونين كانوا وراء المنشورات وبالتالي يقررون بقاءهم في السجن إلى أجل غير مسمى، فعدنا إلى بث المنشورات، بمعدل منشور في كل أسبوع، وكنا نعمد إلى تناول شخصية الإمام يحيى بمآخذ دينية كاستئثاره بالمال وبنائه للقصور واقتنائه للأراضي في مناطق كثيرة ومنعه صرف الحقوق لمستحقيها، وحار المسئولون وذهبت بهم الظنون إلى كل مذهب ورأوا أن حبس من حُبِس لم يحل المشكلة فأطلقوا سراحهم، ماعدا العزي الخالدي الذي نفي إلى وشحه فلم يخلصه إلا الفرار إلى تعز إلى ولي العهد أحمد، وكانوا قد أتهموه أنه وراء إحدى المنشورات لأن حرف اللام فيه يشبه خطه ؛ وخوفًا من الاشتباه عمدنا إلى طريقة فريدة فقد كنا نصيغ المنشور ثم نأخذ أعدادًا  كثيرة من جريدة الإيمان ونلتقط منها كلمات المنشور متفرقة ثم نلصقها إلى بعضها بحسب ترتيب المنشور، ونحصل على نسخه فريدة ونضع عليها البياض لأخذ نسخة أخرى بعد إلصاقها بالزجاج للتمكن من الكتابة على "حروفها، وبعد الحصول على النسختين يتولى كل واحــد منا نقل عدد من النسخ بنفس الطريقة، وكــان ذلك يحتاج إلى ّاليومين أو الثلاثة الأيام حتى يحصل أعداد كثيرة من المنشورات وكان لا يشك من يراها أنها طبعت بمطبعة، ولما كانت المطابع اليدوية في تلك الأيام لم يسمع عنها اليمنيون مجرد السماع فقد اعتقدوا أن المنشورات قد أرسلت من عدن. "تهمة بسبب كتابة اللام" ويواصل سرد قضية المنشورات ويقول :" وأذكر أني التقيت بالشهيد السيد أحمد المطاع رحمه الله ومعه إحدى المنشورات فقال لي اتهموا الخالدي بمجرد أن اللام يشبه خطه فجاءتهم لامات من عدن، فقلت له ماذا حصل فمال بي إلى مسجد طلحة وعرض علي المنشور الذي أخذناه على كلمات الإيمان فأبديت استغرابي، فقال على كل حال هذا تمام، بلهجة تنم على أنه يظن أن لي إطلاعًا. وأكد لي ذلك أنه بعد فترة وزعت منشورات خطية فجاءني الشهيد المطاع مبكرًا يرجوني إيقاف نشر المنشورات الخطية لأنها ستسبب إعادتهم إلى السجن فأكدت له أنه لا شأن لي بتلك المنشورات، ولما وجد الإمام يحيى أن العنف والسجون لم تُؤتِ ثمارها عدل إلى استمالة المجموعة التي كانت تحوم حولها الشكوك، فعين العزب حاكمًا في حيس والشماحي حاكمًا في وصاب السافل كما عين الشهيد المطاع محررًا في صحيفة الإيمان ثم في مجلة الحكمة وقد رأس التحرير فيها بعد وفاة السيد الحر أحمد عبدالوهاب الوريث رحمه الله. وأمر الوالد رحمه الله بأن يأمرني بملازمة مقامه وقت المقابلة الصباحية وكلفني بالرد على ما يصل إليه من أسئلة المواطنين، فقد كان إلى جانب منصب الإمامة يعمل أو يعمل منه الناس مفتيًا، فكنت أرد عليها وأقدمها إليه لتوقيعها ثم أخذ يحيل إلي بعض المتنازعين لفصل خصوماتهم.(للحديث بقية ).