(عدن الغد) تنفرد بنشر اهم المحطات والاحداث التاريخية  التي عاصرها القاضي الأرياني ..الحلقة(5)

(عدن الغد)خاص.

( عدن الغد) أول صحيفة يمنية تنفرد بنشر أهم المحطات التاريخية لرئيس دولة الجمهورية اليمنية العربية آنذاك في شمال اليمن قبل توحيد اليمن إلى وحدة يمينة .. هو الرئيس اليمني عبدالرحمن الأرياني  فهو سياسي وشاعر وأحد علماء الشريعة وقضاتها في اليمن، شارك في مراحل النضال الوطني ضد "حكم الإمامة" المَلكي، وهو ثاني رئيس وأول مدني حكَم الشطر الشمالي من البلاد بعد الإطاحة بالحكم الإمامي 1962، وأول رئيس عربي يقدم استقالته إلى مجلس شورى منتخب.

وعبر (عدن الغد ) نسرد شيئاً من حياته , والظروف التي فرضت العمل النضالي، والصعوبات التي تعرض لها الإرياني ومن معه في رحلة الثورة والنضال، وأساليب المعارضة  وكيف صار رئيساً لليمن ..  وأرجو أن يكون نشر هذه المحطات والأحداث التاريخية مدخلاً جيداً للتعرف على شخصية القاضي الإرياني كثاني رئيس يمني .

جمع وإعداد / د. الخضر عبدالله .

حكم الإمام يحيى  طاحونة تسحق عظام الشعب وتفرم  لحمه

الإمام يحيى حميدالدين :

ومما جاء  في محطات القاضي الإرياني حول  تولي آل حميد حكم صنعاء فقال :" الإمام يحيى حميدالدين  بدأ يمارس القيادة السياسية والعسكرية في ظل حكم والده المتسم بالاضطراب والمقاومة ضد الأتراك.

ودعا لنفسه بالإمامة بعد وفاة والده سنة 1904م وتلقب بالمتوكل، وعمره خمسة وثلاثون عاماً، وكان يخشى من قيام العلامة محمد بن الإمام الهادي شرف الدين بالدعوة لنفسه بالإمامة، باعتباره في نظر العلماء والناس عامة أولى وأجدر وأحق بالإمامة، ولكن الحظ كان مع الإمام يحيى، حيث رفض العلامة محمد بن الإمام شرف الدين تولي الإمامة للمرة الثانية، واستمر في عمله السابق كنائب للإمام في بلاد صعدة.

ومع ذلك فلم تكن طريق السلطة أمام الإمام يحيى مفروشة بالورد فقد وقف ضده عدد من العلماء والأعيان وأهل الحل والعقد الذين صرحوا بعدم اقتناعهم به إماماً، وعند توجهه إلى مجلس المبايعة اصطحب الإمام يحيى الشيخ ناصر بن مبخوت الأحمر شيخ مشايخ حاشد، من أجل أن يقطع الطريق أمام العلماء الذين مازالوا مترددين في اختياره إماماً، حيث مارس الشيخ ناصر بن مبخوت الضغوط المختلفة على العلماء الموجودين الذين اضطروا لمبايعة الإمام يحيى حميد الدين رهبةً لا رغبة.

الإمام يحيى والتخلص من الشخصيات

بدأ الإمام يحيى حميد الدين حكمه بالتخلص من الشخصيات الكبيرة التي وقفت ضد اختياره إماماً، بالإضافة إلى الشخصيات القوية التي يشعر أنها تشكل خطراً عليه، فقام بقتل كل من:

1- شيخه وأستاذه القاضي محمد بن إسماعيل جغمان.

2- القاضي إسماعيل بن يحيى الردمي.

3- الشيخ أحمد كحيـل – من الحيمة.

4- الشيخ سعيد علي دودة – من همدان.

خلاف الإمام مع الضحياني

وكان العلامة الحسن بن المؤيد (الضحياني) قد دعا لنفسه بالإمامة معارضاً الإمام يحيى وتلقب بالهادي.

ودخل معه في حروب دموية ومواجهات عسكرية استمرت عدة سنوات، استطاع خلالها الإمام يحيى هزيمة الإمام الضحياني الذي ترك السياسة وابتعد عن الإمامة واشتغل بالعلم والعبادة، حيث تفرغ للعلم تدريساً وتأليفاً حتى وفاته 

منازعة الاتراك

وحول نزاع مع الاتراك ذكر الرئيس الإرياني :" ظل الإمام يحيى ينازل الأتراك فينال منهم وينالون منه حتى سنة 1911م حين عقدت بينه وبين الحكومة العثمانية الاتفاقية التي عرفت باتفاقية "دعّان" ودعّــان بلدة في جبال عيال يزيد. وقــد كفلت هــذه الاتفاقية ّ المودعة بين

الإمــام والأتــراك على أن يعطى راتبًا شهريًا ويكون من حقه تعيين القضاة الشرعيين في المناطق الزيدية وأن يأخذ الزكاة من هذه المناطق ممن يريد أن يدفعها إليه من مواطنيها مع بقاء حق الدولة العثمانية في أخذ الضرائب من هذه المناطق نفسها.

وفي عام 1918م كانت الحرب العالمية الأولى قد أسفرت عن انهزام ألمانيا وحليفتها الدولة العثمانية, وأنكمشت هذه إلى بعض مناطق تركيا وسحبت قواتها من جميع الولايات التي كانت تحكمها بما فيها اليمن، فدخل الإمام يحيى صنعاء لتسلم أزمة الأمور وإنشاء الدولة الجديدة. وأخذ يستولي على المناطق اليمنية منطقة منطقة، ولم يجد مقاومة تذكر إلا في المناطق الشمالية من تهامة بما فيها الحديدة وجبل برع وحتى حدود زبيد وحتى جيزان وعسير. فهذه المناطق كان قد أعلن الإمام محمد بن علي الإدريسي نفسه إمامًا  عليها، وظل في حرب مع الإمام يحيى حتى تمكن الإمام يحيى من الاستيلاء على الحديدة والزيدية واللحية وحرض وميدي وحتى الموسم، وأنكمش حكم الإدريسي في بعض مناطق من المخلاف السليماني. وتوفي الإدريسي وخلفه ابنه علي بن محمد ثم خلف هذا عمه حسن بن علي، وقد ظل الادارســة في حرب مستمرة مع الإمام يحيى الذي كان يرى أحقيته بالإمامة وبالتالي بأن يحكم جميع المناطق اليمنية. ولكن الحسن الإدريسي وابن أخيه عبدالوهاب محمد بن علي عرفا عجزهما عن المقاومة فطلبا حماية الملك عبدالعزيز بن سعود وسلما إليه البلاد على أن تظل الإمــارة لهما وعلى أن يكونا تابعين لما كان يسمى سلطنة نجد والحجاز. وقد أضيف بعد ذلك إلى الإسم الرسمي للدولة لفظ وملحقاتها فصار اسم الدولة سلطنة نجد ومملكة الحجاز وملحقاتها واسم حاكمها سلطان نجد وملك الحجاز وملحقاتها، ولم يطلق اسم المملكة العربية السعودية على هذه المناطق رسمياً إلا في 18سبتمبر 1922م .

الإمـام يحيـى وخروج الأتراك

تزامناً مع تولي حكم  الإمام يحيى حميد الدين ، ثم استطاعت القوات التركية اقتحام صنعاء وطرد الإمام يحيى الذي توجه إلى بلاد حاشد، حيث واصل مواجهاته ضد الأتراك على شكل حروب عصابات، وكان الإمام يحيى ينطلق في حربه للأتراك من خلال تفكير محدود بحيث اقتصرت مطالبه خلال المفاوضات مع الوفد الذي بعثت به الحكومة التركية على الاعتراف به كحاكم ديني تنحصر صلاحياته في مجال القضاء وإقامة الحدود الشرعية، مع بقاء السلطة المالية والإدارية بيد الأتراك.

وكانت الحكومة العثمانية قد رفضت هذه الشروط، وبسبب استمرار القتال فتحت الحكومة العثمانية باب المفاوضات وأرسلت إلى صنعاء وفداً من كبار علماء مكة، ولما لم تثمر كل المحاولات للتوصل إلى اتفاق، سادت حالة من الحرب حتى عقدت اتفاقية دعان

وقد جاءت نتائج الحرب العالمية الأولى لصالح الإمام يحيى، فقد أدى هزيمة تركيا في هذه الحرب إلى سحب قواتها، وبذلك أصبح الإمام يحيى هو الحاكم المطلق لليمن، ودخل صنعاء محاطاً بهالة من حب الجماهير وتقديسها، ومهابة واحترام يملآن القلوب، فأسس مملكته في شمال اليمن وترك الجزء الآخر في جنوب اليمن بيد الاحتلال الإنجليزي، ولقد عزز حكم الإمام يحيى الفكرة التاريخية الثابتة بعدم قدرة نظام الإمامة على تطوير اليمن.. وخلال أربعة وأربعين عاماً من حكم الإمام يحيى سيطر الجمود والشلل على الحياة الاقتصادية والثقافية والعمرانية في اليمن كلها.

الإمام يحيى وسياسة الاستئصال

وبعد خروج الأتراك مارس الإمام يحيى سياسة الاستئصال للشخصيات البارزة وخاصة تلك التي وقفت معه من زعماء القبائل، فكان لا يعطي المناصب إلا من ترتضيه طبيعة الحاكم المستبد، والملك القوي الحقود الكنود، فاختار عبدالله الوزير، وعلي الوزير، ويحيى بن محمد المتوكل الشهاري، وعبدالملك بن عبدالرحمن المتوكل الشهاري، والقاضي عبدالله العمري، وآل مطهر، وآل الجرافي، وآل إسحاق، وفوق الجميع يجلس الإمام يحيى حاكماً مطلقاً لا تعرف الرحمة إلى قلبه القاسي مسلكاً، فقد كان حقوداً لا ينسى أية زلة، بخيلاً حتى على نفسه وذويه.

 

لقد كان باستطاعة الإمام يحيى أن يحلّق باليمن في آفاق عالية، وأن يحقق منجزات غالية، ولكن منعه من تحقيق ذلك: عقله المنغلق، وفكره الجامد، وظلمه البائن، وبخله الفاحش، مما جعله يسير باليمن نحو الهاوية، ويجعلها قرية نائية، فبينما كان ركب البشرية قد جاوز في مسيرته عصر النهضة واقتحم أبواب العصر الحديث، كانت اليمن في عهد الإمام يحيى مازالت تعيش في أوهام القرون الوسطى، وتتخبط في متاهات من الضلال لا حدود لها، فالشعب اليمني في عهده حي كالميت وميت كالحي، حرم الشعب من كل شيء.. لقد كانت كل دقيقة في سني حكم الإمام يحيى الطويل طاحونة هائلة تسحق عظام الشعب، وتنهش لحمه وتفري جلده ..(للحديث بقية )