الصيام لم يكن عبادة مستحدثة في الإسلام بل هو فريضة قديمة مارسها البشر عبر العصور فكما كتب على المسلمين فقد فرض على الأمم السابقة وهذا دليل واضح على أن الأديان السماوية تنبع من أصل واحد وتتوحد في جوهرها رغم اختلاف التشريعات الفرعية فالصيام في جوهره ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب بل هو مدرسة تربوية تعلم الإنسان الصبر والانضباط والتواضع وتذكره بحقيقة ضعفه وحاجته إلى الله مما يجعله يدرك أن البشر جميعا متساوون في حاجاتهم الفطرية ويشعر بوحدة التجربة الإنسانية التي تتجاوز الاختلافات الظاهرة بين الأمم والمعتقدات.
إن التشابه بين الأديان في فرض الصيام يؤكد أن هناك وحدة تربطها ببعضها فالصيام عبادة روحية يتقرب بها الإنسان إلى الله وهو وسيلة لتزكية النفس والارتقاء بها وهدفه النهائي هو تحقيق التقوى وتهذيب الأخلاق وهذه المعاني تتكرر في مختلف الأديان مما يدل على أن هناك مبادئ مشتركة تجمع بين أتباع الرسالات السماوية وتربطهم بروابط الإيمان والأخلاق والقيم الإنسانية هذه الحقيقة لو أدركها الناس لأصبحوا أكثر تسامحا وانفتاحا على بعضهم البعض ولزالت الكثير من أسباب الفرقة والتعصب التي أشعلت الصراعات بين الأمم عبر التاريخ.
الاختلاف في الشعائر والطقوس لا يعني أن هناك تناقضا في جوهر الأديان بل هو تدرج طبيعي يناسب طبيعة كل أمة وظروفها لكن المشكلة أن البشر عبر العصور ركزوا على الفوارق السطحية بدلًا من البحث عن القيم المشتركة التي تدعو إليها جميع الرسالات إن الإيمان بوحدة المصدر الذي جاءت منه الأديان يؤدي إلى تعزيز مفهوم الأخوة الإنسانية فالبشر جميعا إخوة في الإنسانية وما جاءت الأديان إلا لتذكرهم بهذه الحقيقة وتحثهم على التراحم والتعايش بسلام ولو أدرك الناس ذلك لخفّت النزاعات الطائفية والدينية التي مزقت المجتمعات ولعاش البشر في وئام بعيدا عن العداوة والصدام.
كم من الحروب نشبت بسبب الجهل بهذه الحقيقة وكم من الأرواح أزهقت بسبب التعصب الديني وكم من الكوارث كان يمكن تجنبها لو ساد بين البشر إدراك عميق بأن الدين لم يشرع للفرقة بل للوحدة وأن العبادات ليست مجرد طقوس شكلية بل وسائل لتهذيب النفس وتقوية الروابط بين البشر الصيام مثال واضح على ذلك فهو تجربة إنسانية تعيد للمرء إحساسه بوحدة المصير وتجعله يدرك أن الفقر والجوع والعطش ليست مجرد معاناة فردية بل هي معاناة يتشاركها البشر جميعا وهذا الشعور بالمعاناة المشتركة يولد في النفس الرحمة والتضامن ويجعل الإنسان أكثر استعدادا لمساعدة غيره وأقل ميلا للأنانية والاستئثار.
من المؤسف أن الجهل بهذه المعاني العظيمة جعل البعض يستخدم الدين وسيلة للإقصاء والتكفير بدلا من أن يكون جسرا للتواصل والتعايش فأصبحنا نسمع كلمات جارحة تصف الآخر بالكفر لمجرد أنه يؤمن بطريقة مختلفة وكأن أحدا يملك مفاتيح الغيب ليحكم على مصائر الناس هذا السلوك لا يعبر عن جوهر الأديان بل هو انحراف عنها فالأديان جميعا جاءت لترسيخ قيم الرحمة والعدل والتسامح ولم تأتِ لإشعال العداوات أو تأجيج النزاعات ولو وعى الناس هذا المعنى لما استمروا في إلقاء التهم الجاهزة على من يخالفهم في العقيدة ولأدركوا أن الله هو الذي يحكم بين عباده وليس من حق أحد أن ينصب نفسه قاضيا على إيمان الآخرين.
الصيام ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب بل هو تدريب للنفس على التحكم في الشهوات والانتصار على الأهواء وهذا درس يحتاجه العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى حيث أصبحت المادية تسيطر على الحياة وانصرف الناس عن القيم الروحية وابتعدوا عن التأمل في المعاني العميقة التي تربطهم ببعضهم البعض عندما يصوم الإنسان فإنه يشعر بوحدة المصير ويدرك أنه لا يختلف عن غيره إلا في الظاهر أما في الجوهر فكل البشر سواء يتألمون كما يتألم ويجوعون كما يجوع ويحتاجون إلى الرحمة والتراحم كما يحتاج.
كم يحتاج العالم اليوم إلى فهم أعمق لمعاني الصيام وكم يحتاج إلى تجاوز التعصب والانغلاق وكم يحتاج إلى إدراك أن الأديان لم تأتِ لتفرق بين الناس بل لتجمعهم ولم تشرع العبادات لمجرد إقامة الطقوس بل لتحقيق معانٍ أسمى ترتقي بالنفس البشرية وتجعلها أكثر قربا من الله وأكثر حبا للخير وأكثر رحمة بالخلق لو وعى الناس ذلك لاختفى من قاموسهم عبارات الإقصاء والتكفير ولساد بينهم التراحم والتسامح ولأصبح العالم مكانا أكثر سلاما وأمانا كما أرادت له الأديان أن يكون.