نظرت في بعض آي القرآن التي تتحدث عن العلم فوجدتها تتكلم عن علم لا حدود له ولا يدخل في إطار ما يتصوره الإنسان وهذه بعض الآيات قال تعالى ( يعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) سبحان الله تأمل هذه الجولة الواسعة في الكون التي يذهب وراءها التفكير فيها كلما يخطر بالبال وما لا يخطر وما يبصر الإنسان وما لا يبصر في البر أو في البحر في الليل أو في النهار من جماد أو من حيوان رطب أو يابس ثابت أو متحرك في قاع البحار أو على قمم الجبال ، كلما تستطيع أن تتذكره ستجده يدخل في المعنى مما ذكرته الآية أو سكتت عنه ومما فصلته أو أجملته ، وفي قوله تعالى ( وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ) فما هو الذي أخفى من السر ؟ قد يكون حديث النفس وقد يكون كما ذكر أهل بعض العلم سر الغد ولا تزال الآية تحتمل لمعانٍ كثيرة لما هو وراء السر مما لا يعلمه إلا الله ثم تضيف آية الكرسي إلى هذا المعنى أنها كما تحدثت عن علم الله المطلق الذي لا حدود له قد وضعت حدا لعلم البشر قال الله تعالى وتقدس ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) إذ لا يعلم منتهى ما بين أيديهم وما خلفهم زمانا ومكانا إلا الله ونفى إحاطة البشر بعلم الله المتعلق بذاته أو العلم المتعلق بمخلوقاته وأثبت لهم الوصول إلى شيء مما أذن به فهذا مجال علم الله مطلقة واسع ليس له حدود يعلمها البشر ولو عجبت من ذلك فإنك ستعجب من حديثه التفصيلي عن الشيء القريب والدقيق حيث يغوص بك في أعماق النفس وجوف الصخور ومثاقيل الذر وشق النوى وفلق الحب ومن أدلة ذلك قوله تعالى ( ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ) وعلم ما في النفوس مما لم يعهده البشر على الإحاطة والدقة ولا توجد منه إلا الظنون والمقاربات حتى ما يسمى بعلم النفس ، وفي قوله تعالى ( وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الارض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) فيها تفصيل من نوع آخر فيه مع الدقة الرصد والمتابعة الدائمة والإحصاء المستمر فتحصل لنا من ذلك أن علم الله في مجاله الواسع يعجز أمامه المخلوق حيث يذهب بالإنسان إلى البعيد الذي لا يستطيعه الإنسان مطلقا وإلى أقرب شيء إليه وهو نفسه ثم لا يستطيع أن يحيطها علما وما بين هذين الحدين يقع علم الإنسان وهو محكوم بسنن الله في الوجود ومما حكم الله به على علم الإنسان بأنه قليل ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) وأنه لا يحصل إلا بما يأذن الله فيه للإنسان ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) ومن الحقائق التي تتطلب الوقوف عليها في مجال العلم عموما وعند المقارنة بين علم الخالق والمخلوق ، كون الإنسانية قد غرها ما وصلت إليه من العلم فألّهت الإنسان حينا وألّهت العلم حينا آخر ونسيت علم الله نضع هذه الحقائق :
* لا خروج لعلم الإنسان عن علم الله فمهما بلغ علم الإنسان فلن يتحاوز ما حده الله له " ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء "
* أن الله تعالى عندما يحدثنا عن علمه بالأشياء يحدثنا بالعلم الكامل والحقيقة المطلقة التي لا تقبل النقض ولا التعقيب أوالتعديل بينما علم الإنسان فيه الفرضية والنظرية والظن والجهل والحقيقة العلمية والخطأ
* التجرد في البحث عن الحقائق العلمية يهدي إلى الله إذا سلم الإنسان من صوارف الهوى ونزغات الضلال
* القرآن هو كتاب العلم الأول وكل عالم أو متعلم أو باحث عن المعرفة والتطور والثقافة يتجاهل القرآن زهدا فيه فقد أهمل اكبر مصدر للعلم وعرض نفسه للجهل والضياع وسيكون سعيدا إن عاد إليه بعد حين ونادما على ما أضاعه في فارط عمره كما قال لسان حالهم :
*
* فيك يا أغلوطة الفكر
* حار أمري وانقضى عمري
* سافرت فيك العقول فما ربحت إلا أذى السفر
* فلحى الله الأولى زعموا
* أنك المعروف بالنظر
* كذبوا إن الذي زعموا
* خارج عن قدرة البشر