آخر تحديث :السبت-29 مارس 2025-09:44ص

رمضان لحظة لقاء الروح مع السلام

السبت - 01 مارس 2025 - الساعة 10:54 ص
محمد العنبري

بقلم: محمد العنبري
- ارشيف الكاتب


رمضان ليس مجرد شهر في تقويم الزمن بل هو محطة يتوقف عندها القلب ليستعيد نبضه الحقيقي ومساحة من النقاء وسط ضجيج الحياة حيث تعود الروح إلى أصلها بعيدا عن أثقال الأيام إنه الجسر الذي يعيدنا إلى أنفسنا إلى تلك الفطرة النقية التي غمرتها هموم الدنيا فأنستها جوهرها الأول في هذا الشهر يبعث فينا الإحساس العميق بمعنى الوجود ويشرق في القلب نور يبدد ظلمة الغفلة.

في زحمة الحياة تفقد أرواحنا بريقها ويخفت صوت الضمير وسط صخب الأيام فنجد أنفسنا غارقين في الماديات نركض خلف الوقت دون أن نمنح أرواحنا فرصة للراحة يأتي رمضان كموعد سنوي مع الذات حيث نعيد ترتيب أولوياتنا ونعيد ضبط بوصلة حياتنا نحو المعنى الأسمى إن الصيام ليس فقط امتناعا عن الطعام والشراب بل هو تطهير للنفس من شوائب الدنيا وتهذيبٌ للمشاعر التي أرهقتها الأعباء اليومية.

في رمضان تتساقط عن القلوب الأقنعة الزائفة ونكتشف في أنفسنا جوانب ربما غابت عنا طوال العام هو الفرصة التي نطهِّر فيها أرواحنا من ضغوطات الواقع فنعود إلى أنفسنا أكثر شفافية وأكثر صدقًا مع ذواتنا.

أجمل ما في رمضان أنه يعيد ترتيب إيقاع الحياة فيجعلها أكثر هدوءا واتزانا فجأة يصبح الليل موعدا للخلوة مع الله والفجر بداية ليوم مشرق بالإيمان والمغرب لحظة لقاء تتجدد فيها أواصر المحبة بين الأهل والأحباب لا عجب أن نجد أرواحنا تستريح في رمضان وكأنها كانت تنتظر هذا الشهر بفارغ الصبر لتتنفس من جديد.

الطمأنينة في رمضان ليست شعورا عابرا بل هي حقيقة متجذرة في كل تفاصيله ففي كل صلاة تؤدى بخشوع وفي كل دعوة ترفع إلى السماء وفي كل لحظة نكرسها للذكر والعبادة نجد ذلك السلام الداخلي الذي نفتقده طوال العام.

كلما اقترب رمضان شعرنا بحنين غريب إلى ما كان وكأن هذا الشهر يحمل معه ذكريات من زمن بعيد من أيام كنا فيها أكثر صفاء وأقل انشغالًا بهموم الدنيا يوقظ فينا رمضان صورا من الطفولة حين كنا نرقب الهلال بلهفة ونفرح بأجواء الشهر الكريم وننتظر صوت المدفع لنفطر مع العائلة.

إنه الشهر الذي يعيدنا إلى النقاء المفقود حيث نشعر أننا أقرب إلى ذواتنا الحقيقية بعيدا عن التشوهات التي خلفتها الأيام في رمضان تعود القلوب إلى طهرها الأول وتتجدد فينا مشاعر الرحمة والعطاء وكأن هذا الشهر هو فرصة لنولد من جديد بروح أنقى وقلب أصفى وإرادة أقوى لمواصلة المسير.

في رمضان نشعر أن الله أقرب إلينا مما نظن وأن أبواب الرحمة مشرعة لكل من أراد أن يعود في لياليه المباركة حيث السكون يعمّ الكون تشعر أن الأرض تتنفس ذكرا وأن الملائكة تحف بالمؤمنين وأن الدعوات تطرق أبواب السماء بلا حجاب.

إنها لحظة التصالح مع النفس حين نجلس بين يدي الله نبثه شكوانا ونطلب منه المغفرة والعون فتفيض أعيننا بالدموع ونشعر بأن قلوبنا قد غسلت من كل ما علق بها من أدران الدنيا في هذه اللحظات ندرك أن السعادة الحقيقية ليست فيما نلهث وراءه من متاع الدنيا بل في القرب من الله وفي ذلك الصفاء الروحي الذي يمنحه لنا رمضان.

لا يمكن أن يمر رمضان دون أن يترك أثره فينا كل لحظة فيه هي فرصة للتغيير وكل يوم هو خطوة نحو الأفضل فمن استطاع أن يستثمر هذا الشهر ليكون دربا من النور فسيلمس بركته في حياته طوال العام رمضان يعلمنا أن القوة ليست في الامتلاك بل في العطاء وأن السعادة ليست في الأخذ بل في البذل وأن أعظم انتصار للإنسان هو أن يغلب نفسه ويعلو بروحه فوق شهواتها وأهوائها.

رمضان هو الضيف العزيز الذي ننتظره على أطراف الذاكرة وما إن يصل حتى نشعر بأن حياتنا اكتسبت بُعدًا آخر أكثر عمقا وأكثر سكينة فلنستقبل هذا الشهر بكل الحب ولنجعل أيامه محطات نرتقي فيها بأنفسنا ونقترب فيها من الله مبارك عليكم الشهر وكل عام وأرواحكم في سلام.