التغني بالمعلم والوقوف له احتراما والإشادة برسالته السامية كلها كلمات لا تطعم جائعا ولا تداوي جرحا ولا تغني عن الحق شيئا فالحقوق لا تنال بالأناشيد والخطابات الرنانة وإنما تنتزع انتزاعا أو تعطى عن قناعة وإيمان بدور صاحبها والمعلم في هذا الوطن لا يريد أوسمة شرف على الورق ولا خطبا جوفاء تتغنى بمكانته وإنما يريد حياة كريمة تحفظ له ولأسرته ما يستحق من عيش كريم فلا يضطر للبحث عن مصدر دخل آخر يهينه بدل أن يعينه ولا يلجأ لوسائل لا تليق بمقامه كي يسد جوع أطفاله أو يواجه التزامات بيته إن كان المعلم عماد الأمة وباني أجيالها فلماذا يترك لمهب الريح يواجه غلاء المعيشة بمرتب متآكل لا يسد الرمق ولماذا يضطر لخوض معارك لا تنتهي مع الحكومة ونقابته وسلطاته المحلية بحثا عن حقه المشروع في حياة تليق به وبما يقدمه.
ليس المعلم وحده من يعاني بل المجتمع كله يدفع الثمن الطلاب هم الخاسر الأكبر والفاقد التعليمي يتراكم عاما بعد عام ولا أحد يلتفت للكارثة القادمة عندما نجد أنفسنا أمام أجيال لا تمتلك من العلم إلا القليل ولا من القيم إلا النزر اليسير ومع ذلك لا يتحرك المسؤولون إلا بعد أن يصل السيل الزبى فتنطلق الوعود الزائفة والتسويف الذي لا ينتهي بينما تزداد أوضاع المعلم سوءا وتزداد المدرسة ضعفا والمناهج فراغا والعام الدراسي فوضى يهدد بالإضرابات والاعتصامات والمطالبة بالحقوق التي لا تعطى إلا بعد أن يرهق الجميع من الصراخ والمطالبة
راتب المعلم ليس منة من أحد وليس فضلا يتصدقون به عليه بل هو حق مكتسب يجب أن يصرف في وقته كاملا غير منقوص وإذا كان غلاء المعيشة يطحن الجميع فإن الواجب أن يعاد النظر في سلم الرواتب بحيث يكون هناك توازن عادل بين راتب الصغير وراتب الكبير لا يجوز أن يظل راتب المعلم متآكلا بينما نفقات بعض المسؤولين ونثرياتهم تفيض عن الحاجة إلى حد الترف والبذخ المبالغ فيه
أما النقابة فهي ليست شعارا يُرفع عند الحاجة وليس ورقة سياسية تلعب بها وفق الأهواء بل هي الممثل الشرعي للمعلم متى ما شعر بأنه في خندق واحد معها لا يمكن للمعلمين أن يثقوا بنقابة تستخدم عند الحاجة وتهمش عند الضرورة عليهم أن يشعروا بأنها تدافع عن حقوقهم بلا مساومة أو انحياز أو لعب على الحبال ومتى ما استقامت النقابة استقام موقفها وكان تأثيرها أكبر في تحسين أوضاع المعلمين دون الحاجة لإضرابات تستنزف الطلاب وتضاعف أعباء التعليم
كل شيء يتغير إلا واقع التعليم فهو يسير من سيئ إلى أسوأ ليس لأن المعلم لا يؤدي دوره بل لأن الظروف المحيطة به تجعل من الصعب عليه أن يكون بكامل طاقته عندما يعاني شظف العيش وعندما يشعر بأن مهنته أصبحت عبئا عليه بدل أن تكون مصدر فخره واعتزازه
في النهاية السؤال الذي يطرح نفسه من سيدفع فاتورة هذا التراكم المتزايد من الإهمال وسوء التخطيط ومن سيتحمل مسؤولية الأجيال القادمة التي قد تجد نفسها أمام مستقبل قاتم بلا تعليم حقيقي ولا كفاءات قادرة على النهوض بالبلاد المشكلة ليست في المعلم وحده بل في منظومة كاملة تحتاج إلى إعادة نظر وتخطيط عادل يضع المعلم في موضعه الصحيح ويعطيه حقه بلا مماطلة ولا مساومة حتى يبني الأجيال التي نريدها لا الأجيال التي لا حول لها ولا قوة سوى انتظار الفرج الذي قد لا يأتي.