آخر تحديث :السبت-29 مارس 2025-05:43ص

الإنسان يعيش بين صراعات شتىء

السبت - 15 فبراير 2025 - الساعة 12:04 م
محمد العنبري

بقلم: محمد العنبري
- ارشيف الكاتب


الإنسان يولد ضعيفا لا يملك من أمره شيئا يتلقى العناية والحب دون شروط تسخر له الحياة كلها ليعيش في كنف الحنان يداعب صوته البريء أسماع من حوله يبتسمون له بمجرد أن يحرك يديه أو يصدر صوتا غير مفهوم يغمر بالدفء والرعاية يحاط بكل وسائل الراحة ينظر إلى العالم بعيون متسعة لا ترى فيه إلا الألوان الزاهية والوجوه الضاحكة لكن سرعان ما يبدأ الإدراك يكبر شيئا فشيئا لتتكشف له حقيقة أن الحياة ليست كما بدت له في البداية وأنه لن يكون طفلا مدللا إلى الأبد

يكبر قليلا فيبدأ يخطو خطواته الأولى في دروب الوعي تتسع دائرة إدراكه لكنه ما زال في عيون الآخرين صغيرا يوجهونه يختارون له ما يرونه مناسبًا له يتحكمون في قراراته يحددون له الصواب والخطأ يلقنونه دروس الحياة وفقًا لما يرونه صحيحا دون أن يمنحوه حق اكتشافها بنفسه يكبر أكثر فيبدأ عقله بالتمرد يريد أن يفهم لماذا عليه أن يسير وفقا لخطوط رسمها له غيره لماذا لا يُترك له الخيار ليرى ويدرك ويخطئ ويتعلم لكنه يصطدم بجدران التقاليد والسلطات المتعددة في البيت والمدرسة والمجتمع

يصل إلى مرحلة الشباب فيبدأ صراعه الحقيقي بين رغباته وتطلعاته وبين القيود المفروضة عليه يريد أن يحلق عاليا أن يجرب أن يغامر أن يصنع لنفسه طريقا لكنه يجد من يذكره بأنه ما زال صغيرا يحتاج إلى النصح والإرشاد كلما حاول الخروج عن المألوف وجد من يقف له بالمرصاد يريدون منه أن يكون حرا لكنه حرية مقيدة ضمن ما يرونه مناسبا له يبدأ يشق طريقه بشجاعة لكنه يواجه التحديات وحده هذه المرة لم يعد ذلك الطفل الذي كان الجميع يهرعون لمساعدته حين يسقط الآن عليه أن ينهض بنفسه دون أن يجد يدا تمتد إليه إلا نادرا

يمر الوقت فيجد نفسه رجلا مسؤولًا لم يعد يناغى أو يربت على كتفه لكنه أصبح يطلب منه أن يكون عقلانيا حكيما متزنا أن يكون سندا لغيره فجأة تتحول الأدوار لم يعد ذلك الذي يوجه بل أصبح هو من يوجه لم يعد ذلك الذي يعاند بل صار هو من يفترض أن يكون الرصين الذي لا يتهور لم يعد ذلك الذي يسأل عن معنى الحياة بل صار من المفترض أن يكون هو من يمنح الإجابات يجد نفسه محاصرا بتوقعات لا تنتهي عليه أن يكون قويا حتى لو كان ضعيفا عليه أن يكون صلبا حتى لو كان هشا عليه أن يكون مرجعا حتى لو كان تائها عليه أن يكون عقلانيا حتى لو كان يغرق في العاطفة

تمر الأيام وتثقل الأعباء يشيخ شيئا فشيئا يعود إلى دائرته الأولى لكنه هذه المرة لم يعد ذلك الطفل الذي يناغى لكنه أصبح الكبير الذي يراعى ينظر إليه الجميع بعين الشفقة وليس بعين المحبة صار يعامل كطفل لكن ليس بنفس الدفء صار يقاد إلى ما يراه الآخرون مناسبا له لم يعد مسموحا له أن يقرر وحده أصبح يطلب منه أن يستريح حتى لو لم يرد أن يستريح أن يصمت حتى لو أراد أن يتحدث أن يتوارى حتى لو كان يرغب في أن يكون حاضرا تتكرر الدائرة لكن الفرق أن الطفل في البداية كان مدللًا أما في النهاية فهو مجرد شخص يجب أن يوضع على الهامش بهدوء

هكذا يمضي الإنسان حياته بين طرفي الحنان والسيطرة يمنح كل شيء حين لا يدرك شيئا ويحرم من كل شيء حين يكون قد أدرك كل شيء وبين ذلك يعيش في صراعات شتى بين ما يريده وما يفرض عليه بين ما يحلم به وما يسمح له بتحقيقه بين طموحه والقيود التي تحيط به بين شبابه الذي يريد أن ينطلق وواقعه الذي يشده إلى الأرض بين حريته الموعودة وحدوده المفروضة بين قوته التي يطالب بها وضعفه الذي لا يسمح له بإظهاره بين أن يكون هو أو يكون ما يريده الآخرون