الأهداف العشرة للحرب الامريكية على أفغانستان


أمذيب صالح أحمد

شنت أمريكا الحرب على أفغانستان بدعوى محاربة الإرهاب عام 2001م واحتلتها لمدة عشرين عاما وانسحبت منها عام 2021م بعد أن حققت أهدافها العشرة لكنها تكبدت خسائر كبرى مادية وبشرية على يد المجاهدين الأفغان بقيادة حركة طالبان. والاهداف العشرة للحرب الامريكية على أفغانستان لم يعلن منها سوى هدف وا حد هو محاربة الإرهاب وهي ما يلي:
1- الحرب على الإرهاب: لم تحدد أمريكا مصطلح الإرهاب ولكنه ظل مقرونا بالإسلام في الاعلام الغربي بعد ان استدرج مجموعة من الشباب العربي الذين جندوا بتحريض امريكي في عقد الثمانينات للجهاد ضد الاحتلال الروسي تحت قيادة أسامة بن لادن للمشاركة في حملة الطائرات المشبوهة التي ضربت برجي نيويورك ومبنى البنتاجون الأمريكي (وزارة الدفاع) فأعلنت بعدها أمريكا الحرب على أفغانستان لأنها تحتضن أسامة بن لادن وحركته التي سميت بالقاعدة لأن أسامه بن لادن المهندس قد أنشأ للمقاتلين من العرب قاعدة بيانات الكترونية لحصرهم وصرف إعاشتهم فسميت حركتهم "بالقاعدة".
ان الحرب على الإسلام بدأ التفكير فيها بعد وقف امدادات النفط العربية خلال حرب أكتوبر عام 1973 بين العرب وإسرائيل. ثم بدأت أول احداثها في صمت وسرية عام 1975م حين اغتيل الملك  الشهيد فيصل بن عبدالعزيز وظلت سرية حتى أعلنت في 2001م بذريعة الحرب على القاعدة في أفغانستان. فأمريكا بلد رأسمالي قام على الاستعباد والاستغلال والطبقية وتقوم فلسفته الاجتماعية على المنفعة الفردية والحرية الفردية في التجارة والاقتصاد. فهي تعتبر الشيوعية والاشتراكية والتكافل الاجتماعي أكبر أعدائها, كما أنها لاتقبل من يقاوم استغلالها للشعوب. وكما نعرف فإن الإسلام هو دين مقاومة للظلم والطغيان والاستغلال ودين للتكافل الاجتماعي والمشاركة في الثروة بين الناس ودين للحكم بالحق والعدل بين الناس. فالملك فيصل تزعم في حرب أكتوبر عام 1973م حركة وقف امدادات النفط عن الغرب حين أعلنت دول النفط قرارها ذلك على لسان وزير خارجية الكويت بعد اجتماع لها بمدينة الكويت نصرة لمصر في حربها ضد إسرائيل. ومما زاد من جنون أمريكا على العرب والإسلام أنها قد استطاعت تحويل النظام المالي العالمي عام 1971م للاحتياطات النقدية من الذهب الى الدولار الأمريكي بعد ان اتفقت مع الدول النفطيه بقيادة السعودية على بيع نفطها الذي سمي فيما بعد بالبترودولار, الأمر الذي زاد من النفوذ والهيمنه الامريكية في العالم. فبدأت أمريكا تخطط وتتامر على الدول العربية والإسلامية مستعينة بالخبراء والمستشرقين الذين تشبعوا بالروح الاستعمارية الصليبية وبالحقد الصهيوني من أمثال المستشرق برنارد لويس للبحث عن مداخل للفتن والتخريب والتفكيك أو ما سمي استعماريا بالفوضى الخلاقة, وهو ما سنحاول عرضه في مقال مستقل ان شاء الله.  
ان مصطلح الحرب على الإرهاب قد اتضح من خلال التطبيقات التي مارسها الغرب الاستعماري بقيادة أمريكا على النحو التالي:
(أ‌) الحرب على ما يسمى بالقاعدة في أفغانستان لحركة جهادية بدأت ضد الغزو الروسي لأفغانستان في 1980م وانتهت بالغزو الأمريكي لأفغانستان عام 2001, ثم فرخت فروع مشبوهة للقاعدة في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي ومنظمات مشبوهه تدعي الجهاد باسم الإسلام كتنظيم الدولة داعش وخلافه.
(ب‌) الحرب على الدول الإسلامية بالفتن الداخلية والصراعات الإقليمية والحركات الانفصاليه والتخريب الاقتصادي.
(ت‌) وضع الدول النفطية تحت شبح الحرب بعد أن اصبح البترودولار هو الاحتياطي العالمي للمعاملات المالية بعد الغاء قاعدة الذهب.
(ث‌) اثارة الفتن ضد الأقليات المسلمة في الكثير من الدول الاسيوية والافريقية والاوربية وخلق حاله من الرهاب الإسلامي.
(ج‌) استثارة القوى العنصرية والفاشية بالوهابية الاسلامية حتى تصعد أحزاب اليمين المتطرف لرفد الرأسماليه المتوحشة بالجشع والاستغلال وتقطع الطريق أمام عودة الاشتراكية او التكافل الاجتماعي الإنساني كما هو الحال في النظام الإسلامي
(ح‌) محاربة حركات التحرر الوطني أو المعارضة المناوئة للحكومات الموالية لدول الاستعمار الغربي بحجة الإرهاب.
(خ‌) محاربة كل الحركات السياسية التي تجعل مرجعتيها النظام الإسلامي مهما كانت سلميتها ووصمها بالإرهاب والتحريض عليها بواسطة الأتباع وأعداء الإسلام من التغريبيين والمماسيخ فكريا.

2- تطوير الصناعات العسكرية الامريكية:
تحتل الصناعات العسكرية في الولايات المتحدة الامريكية موقعا هاما في الاقتصاد القومي, بل يمكن اعتبارها حجر الزاوية في الصناعة الامريكية في الوقت الحاضر.
فالقوات الامريكية تنشر في جميع انحاء العالم برا وبحرا وجوا وفضائيا بهدف السيطره وحماية المصالح الامريكية وتحقيق المطامح الامريكية, ولذلك لابد من فتح حروب بين الحين والأخر لتشغيل وتطوير الصناعات العسكرية وتحريك آلتها الحربيه كما أن معظم قيادات البنتاجون العسكرية منشغله أيضا بإدارة مجمعات الصناعات العسكرية والشركات المرتبطة بها, فالرأسمالية في أمريكا تشمل الحياة المدنية والعسكرية لأن بيع السلاح في الدول الأخرى او استخدامه في الحروب يجعله سلعة استهلاكية تفتح أسواقا للربح والمتاجرة وجعل جيوش الدول الاخرى تدور في فلك الصناعات العسكرية الامريكية وما يرافقها من تأهيل وتدريب وولاء وتبعية وتآمر على أوطانها.

3- تطبيع العالم وتعويده على الهيمنة الامبريالية الامريكية:
تشعر أمريكا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانيه بأنها القوة العظمى في العالم بعد أن استطاعت أن تحقق انتصارات عسكرية وتكونت لديها قدرة عسكرية هائلة مكنتها من نشر أساطيلها الحربية في محيطات العالم وإقامة قواعد عسكرية في مختلف بلدان العالم بلغت حتى الان ما يقارب 800 قاعدة عسكرية وهي تتصرف كشرطي دولي فعندما ترى ان مصالحها تتعرض للتهديد فإنها تتدخل عسكريا بحجج وذرائع مختلفة قد يكون في بعضها صحة وبعضها الاخر قد يكون ملفقا بطريقة من الطرق. فهي بهذه التدخلات العسكرية التي قد تكون خاطفة وقد تكون حربا طويله كما حدث في أفغانستان, فإنها تريد بذلك جعل العالم يتعود على تحركاتها العسكرية وحروبها ويتكيف معها بحيث تتبلد أحاسيس الناس ومواقف الدول نحو سيادة الأوطان او نحو خرق الأعراف والقوانين الدولية فتكون ردود الفعل ضعيفة أو ميتة بحكم تكرار التدخلات العسكرية في أرجاء العالم فتصبح كحالة "ما لجرح بميت ايلام" كما يقول المتنبي.
4- تجريب الأسلحة الجديدة على الأرض والناس:
تقوم أمريكا بتجريب أسلحتها الجديدة او تلك التي تم تعديلها بمقتضى حروب سابقة في كل حرب جديدة تقوم بها. فبعض الأسلحة قد تكون معروفة لدى الناس غير ان بعضها يكون في طي الكتمان حتى تعرف مدى فاعليتها وتأثيرها على الأرض او الناس او المنشآت او الأهداف التي تقصدها في المعارك. ومن المعلوم ان سلاحاً جديداً من القنابل الثقيلة باسم "ام القنابل" قد القيت في احدى المناطق الأفغانية فبلغ تأثير ارتجاجها اكثر من سبعين كيلومتر بحيث ان الرئيس الافغاني الموالي لأمريكا اعلن احتجاجه على جعل أفغانستان مسرح تجارب لهذه القنبلة. كما أن بعض الاسحة تعدل او تطور او تخترع حسب ما تتطلبه ظروف وأحداث المعارك الصغيرة أو الكبيرة في الميادين المختلفة.

5- تدريب الجيش الأمريكي على ارض جديدة وعدو مختلف:
خاض الجيش الأمريكي اول حروبه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في شبة الجزيرة الكورية في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين فكانت الطبيعة الجغرافية مختلفة فهي هضاب ووهاد خضراء والعدو مكون من الجيش الشعبي للحركة الشيوعية الكورية في بادئ الامر ثم انضم الية الجيش الشعبي الصيني الذي تدفق بمئات الالاف فكانت الحرب سجالاً بين نصر وهزيمة للطرفين مما أدى الى تقسيم كوريا الى دولتين .وفي السبعينات من القرن العشرين تدخل الجيش الامريكي في فيتنام بعد انسحاب الجيش الفرنسي مهزوماً من الثوار الفيتناميين فكانت حرباً مختلفة تماماً عن الحرب الكورية فالطبيعة غابات و انهار وثوار يعتمدون على الكر والفر وعلى حروب الانفاق خرج الامريكيون بعدها جارين اذيال الهزيمة وحينما جاء الجيش الأمريكي الى أفغانستان فأن الأرض كانت جبلية وعرة والاودية مفتوحة تضيق وتتسع والمواجهة بين قبائل وحركات مجاهدة أشبه بحرب العصابات غير أن هذا الشعب لم يعرف الاستعمار مطلقا. فأول من حاول استعماره هم الانجليز الذين حاولوا في عز مجد الإمبراطورية البريطانية احتلال أفغانستان في القرن التاسع عشر قادمين من الهند فهزمهم الشعب الأفغاني المجاهد شر هزيمة وأباد القوات البريطانية ولقنت بريطانيا العظمى آنذاك درسا لم تستطع نسيانه. ان الجيش الأمريكي يكتسب الخبرات العسكرية من مختلف المعارك والميادين والبيئات والظروف والشعوب ويطورها في عقيدته وأسلحته ليحتفظ بقيادته وريادته كدولة عظمى لا تقبل المنافسة بحكم رأسماليتها الامبريالية.

6- تدويل الحرب العدوانية على أفغانستان:
دخلت أمريكا حروبها السابقة بمفردها غير أنها هذه المره أرادت أن تشرك حلفاءها في الحرب الافغانية وخاصة أعضاء حلف الناتووذلك للأسباب التالية: 
أولها: أن أمريكا أرادت أن تحيي الصليبية الكامنه في اللاوعي الأوربي بالمشاركة في الحرب ضد الإرهاب أي الإسلام لأن المخابرات الامريكية استطاعت بالتنسيق مع المخابرات الاوربية أن تحدث أحداثا إرهابية منسوبة الى مسلمين في كثير من الدول الاوربية مما خلق حالة من الرُهاب الإسلامي (اسلام فوبيا) بين الاوربيين.
وثانيها: أن أمريكا تريد من وراء خلق الرُهاب الإسلامي ايقاظ النزعات العنصرية والمتطرفة حتى تدفع بظهور الأحزاب العنصرية واليمينية المتطرفة حتى يكون الجو صالحا لقيام الرأسمالية المتوحشة والقضاء على مخلفات الاشتراكية الاوربية من برامج الضمان الاجتماعي والصحي. 
وثالث الأسباب أن أمريكا تريد من اوربا أن تجعلها مستعده للوقوف مع أمريكا في صراعها المقبل مع الصين وروسيا في اسيا وغيرها من المناطق, (فالنظام الجديد) الذي أعلنه يوش الاب رئيس أمريكا عند ضربه العراق عام 1990م مع سقوط الاتحاد السوفييتي قد انتهى, كما أن "نهاية التاريخ" التي كتبها فوكوياما فيلسوف المخابرات الامريكية لم تتحقق كسياسة للولايات الامريكية المتحدة, فسنة التدافع الإلهية تجعل التاريخ بلا نهاية اقتصادية او اجتماعية, فقد كان يقصد أن التاريخ انتهى بسقوط الشيوعية وليس بسقوط الرأسمالية كما قررته "حتمية التاريخ" في الفلسفة الماركسية.
7- تدريب بعض الدول العربية والإسلامية على مشاركة أمريكا وتأييدها في استعمار الشعوب:
لم تكتف أمريكا بمشاركة دول الناتو الاوربية وماتناسل عنها كأستراليا بل خططت لتكون بعض الدول الإسلامية طرفا في العدوان على دولة إسلامية مستهدفه بذلك خلخلة الاصطفاف الإسلامي والعربي وممهده لجعل بعض الدول العربية والإسلامية تحارب بالوكالة عن الاستعمار الغربي عند الضرورة بعد أن جعلت من احتلال صدام العراق للكويت بإيحاء أمريكي سببا لذلك حين شاركت بعض الدول العربية عسكريا في الحرب ضد العراق. فدولة مثل تركيا والأردن والامارات شاركت كل منها بدافع مختلف عن الأخرى. فتركيا ترفع راية الإرهاب ضد حزب العمال الكردي (الشيوعي) الذي يقود حرب عصابات على الحدود العراقية والسورية وفي الداخل التركي ويلقى تأييدا من بعض الدوائر الغربية. اما الأردن فيقوم بدوره لقاء المعونات التي يتلقاها, أما الامارات فواقعة في أحضان بريطانيا فتشعر بأن النظام والتدريب الذي تلقته عسكريا من بريطانيا وأمريكا يؤهلها لأن تلعب دورا ما في المنطقه, فالذهاب الى أفغانستان هو تقوية لعضلاتها ونفوذها وتأهيل لها.
ان أمريكا أصبحت مشغولة بمواجهة الدول الكبرى كروسيا والصين ولذلك رأت أن مشاكلها الامبريالية نحو الدول الصغيرة وبعض المناطق يمكن أن يسند الى بعض الدول التابعة لها لتقوم به بالوكالة كما هو الحال في الحرب على اليمن الذي يحقق عدة مهام في السياسة الامريكية كإخضاع الدول النفطية وتوجيهها وإثارة الفتن فيما بين الدول العربية من جهه وفيما بين الدول الإسلامية من جهة أخرى بالإضافة الى الحرب على الإسلام والإرهاب والحركات الإسلامية. 
8- تغيير خريطة الجغرافية السياسية في آسيا الوسطى:
ان كل حرب تحدث تغييرا في الأوضاع الاجتماعية والعلاقات السياسية والاقتصادية داخل البلد وخارجه. ففي الحرب الامريكية الكورية ظهرت دولتان احداهما بنظام شيوعي في الشمال ومتحالفة مع جارتها الصين الشيوعية مع استنزاف للاقتصاد السوفيتي جراء اسنادها الكبير لكورية الشيوعية في حربها ضد أمريكا. اما حرب أمريكا في فيتنام فقد أدى إلى تهذيب النظام الشيوعي الفيتنامي وإلى تدخل أمريكا في اسقاط الشيوعية في كمبوديا ولاوس و ابتعادها عن ثايلاند و إلى استنزاف الاقتصاد السوفيتي بالمساعدات لفيتنام. غير ان اهم تغيير حدث هو زيارة الرئيس الأمريكي نيكسون للصين الشعبية بعد أن كانت أمريكا تهدف الى ضرب الصين بالقنابل النووية أعلى حد قول الفيلسوف الإنجليزي الراحل (برتنارد رسل) الذي كان يعارض الحرب الامريكية على فيتنام. لكن أمريكا استطاعة ان تخترق الصين اقتصادياً فيما بعد وتحول اقتصادها من اشتراكي إلى رأسمالي.
وفي الحرب الأفغانية استطاعت أمريكا ان تزيح طالبان عن الحكم بعد أن عمقت الخلاف بين المجاهدين الأفغان بمقتل أحمد شاة مسعود زعيم الجبهة الطاجيكية في شمال شرق أفغانستان بانفجار كاميرا تلفزيونية لصحفيين عرب نسبتهم أمريكا الى القاعدة. وبما ان قاعدة أسامة بن لادن متحالفة مع طالبان فقد تعرض أنصاره الى أعداء لدى الطاجيك الذين وقفوا مع الجيش الأمريكي في غزوه للبلاد مع الجماعات الأخرى التي لم تكن راضية بسيطرة طالبان. ان بقاء أمريكا حوالي عشرين عاما قد جعلها تفرض قيم الحكم والإدارة والنظم الغربية وتربط الاقتصاد الافغاني بالنظام المالي الأمريكي المكون من الخزانة الامريكية وصندوق النقد والبنك الدوليين. ولما قامت بالحرب على العراق في 2004م سمحت للنفوذ الإيراني بالتغلغل في العراق حتى تأمن أي شرور قد تأتيها من الحدود الإيرانية. وفي نفس الوقت زاد التدخل الأمريكي السياسي والعسكري في الباكستان بدعوى نشاط فروع طالبان والقاعدة وازدادت الصراعات والفتن بين الجماعات الإسلامية والحكومة الباكستانية. كما ظهرت جماعات اسلاميه مسلحة في الدول الإسلامية المجاورة لأفغانستان التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي مثل قرقيزيا وطاجيكستان وغيرهما. 
كما ان ميناء (جوادر) الباكستاني الذي تقيمه الصين ليكون منفذا لطريق الحرير الصيني الى بحر العرب والمحيط الهندي تعرض لاعتداءات من جماعات مسلحة.
ان لأمريكا الان نفوذا في اسيا الوسطى وهي تبحث الان عن إقامة قواعد عسكرية في الدول المجاورة لروسيا والصين ضمن استراتيجية الهيمنة والسيطرة في مختلف بقاع العالم بعد ان كان نفوذها معدوما.
ان انسحاب أمريكا السريع كان هدفه ترك اكبر عدد ممكن من اعوانها وحلفائها وانصارها والمتأثرين بالحياة الغربية لتكون قاعدة للتطبيع الثقافي والاجتماعي وترك ترسانة كبيرة من السلاح البري والجوي الذي طار بعضه الى الدول المجاورة وخاصة طاجيكستان. فاسيا الوسطى لم تعرف الا السلاح الروسي سابقا واليوم ترك الامريكان طعما للدولة الأفغانية وتجار السلاح لتفتح سوقا مستقبليا لبيع السلاح الأمريكي في المنطقة الذي يعتبر اهم سلعة تصدرها أمريكا لبلدان العالم.
9- نشر قيم الحضارة الغربية وثقافتها:
ان وجود الاحتلال الأجنبي لدولة كبرى في دولة من العالم الثالث ممثلا بجيشه ومؤسساته وما يتعلق به من الموظفين المدنيين والإعلاميين والمرافقين في المهن المساعدة الذين ينتشرون بين الأهالي بعاداتهم وتقاليدهم واحلامهم وسلوكياتهم الفردية والعملية الذين يكون بعضها طبيعيا وبعضها مفتعلا ينطبع في حياة السكان بدرجة ما حسب قوة الشخصية وضعفها المتقبلة لذلك الانطباع. كما ان الاختلاط بالأهالي وما يرافقها من معاملات رسمية او شعبية لها تأثير كبير في حياة الناس خصوصا حين يدوم حوالي عقدين من الزمن. فالأمريكيون شجعوا على انشاء وسائل الاعلام والاعلان المصورة والمقروءة والمسموعة كما ادخلوا بعض الفنون الغربية التي لم يألفها الأفغان. كما شجعوا على ابراز القدرات والمواهب الفردية بطريقة تعزيز الحياة الفردية والتحرير الفردي. ان الشعب الافغاني عاش عقدين من الزمن تحت حكم طالبان تقودها مجموعات من طلبة المدارس التي أنشئت في باكستان برعاية سعودية تحت راية السلفيه الوهابية المتشددة في ذلك الوقت فانتهز الامريكان الفرصة للنيل من الإسلام المتشدد في الفروع ليعرض بضاعته الحضارية حتى تلقى رواجا لدى البعض بفعل الحوافز والمغريات الأخرى.
صحيح ان الاعلام المعاصر بوسائله المختلفة وخاصة شركات شبكة الانترنت تتصدر التغريب الثقافي والاجتماعي غير أن الوسائل الفعالة مازالت اقتصادية ولهذا فان الامريكان ركزوا على تثبيت الاقتصاد الربوي من خلال العمل البنكي وربط الاقتصاد الافغاني بالنظام المالي العالمي القائم على البترو دولار وصندوق النقد والبنك الدوليين وعلى النظام العالمي الإداري لمنظمات الامم المتحدة وخبرائها وهي كلها أجهزة تدور في فلك الهيمنة والتأثير الأمريكي. 
10- زرع المشاكل المستقبلية لحركة طالبان:
ان طول أمد الحرب في أفغانستان قد جعل الامريكان يخططون لبعض أهدافها من خلال ممارستهم احتلال أفغانستان لأن ما ذاقوه من ويلات حرب العصابات التي تقودها حركة طالبان جعلهم يفكرون باستنساخها لمساعدتهم وحمايتهم في ذات الوقت, ولذلك فان معظم الحركات الاجرامية التي أنشئت تحت راية الإرهاب الإسلامي حدثت في الفترة التي كان الامريكان فيها محتلين لأفغانستان كتنظيم الدولة وتفريخاته في أوروبا وافريقيا واسيا, فالاحتلال الأمريكي وجد أن التركيبة الاجتماعية للافغان القبلية والطائفية والعرقية والجهادية تساعده على تحريك أوتار الفتن في العالم الإسلامي وخاصة في أفغانستان, فاستغل المعارضه لحركة طالبان في أشكالها الاجتماعية المختلفة وقام بتجنيد حركات مسلحة لتقوم بعد رحيله بمهمة ازعاج حركة طالبان التي كان يعلم أنها ستتولى البلاد بعده حين وجد أن العقيدة الجهادية لدى الأفغان أقوى بكثير من قوى المرتزقة الذين دربهم وأهلهم لتسيير الدولة بعد خروجه.