تقرير: لماذا يصر "الإماميون الجدد" على إعادة اليمنيين قروناً إلى الخلف؟

(عدن الغد)خاص:

قراءة في استغلال المليشيات الحوثية المناسبات الدينية وتوظيفها في خدمة مشروعها السياسي..

كيف يسير الحوثيون على خطى أسلافهم الأئمة في "تدجين" اليمنيين لصالحهم؟

محاولة تطبيق النظام الديني الحوثي في اليمن.. هل ستنجح؟

ستة عقود من الثورة اليمنية المناهضة لفكر الولاية الإمامية.. هل ذهبت أدراج الرياح أم أنها صامدة؟

ما وراء استغلال الحوثيين للمناسبات الدينية وتكريسها طائفيا؟

كيف يمكن مواجهة هذا المشروع القائم على الطبقية والسلالية المتطرفة؟

لماذا لم ينتهج مناهضو الحوثي نهجا فكريا في معاركهم مع الفكر الطائفي؟

الفكر الذي يمتلكه الحوثيون.. هل يمكن التخلص منه عبر (اتفاق سلام)؟

ماذا لو حلّ السلام.. ما مصير أفكار الحوثيين وهل يمكن التعايش معهم؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

يدرك كل من مرّ على هذه الأرض الطيبة المباركة، كان غازيا أو محتلا، أن حكم اليمنيين لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الخزعبلات الدينية، واختراع دعاوى ومزاعم غير مقبولة، ونسبها للتاريخ، وتأويل نصوص التراث الديني وتوظيفها لصالحه.

هذا ما أدركه أبرهة الحبشي قبيل الإسلام، حين أراد أن يجذب اليمنيين- دينيا- إلى "القليس" كبديل عن "الكعبة"، وفشله في ذلك جعل منه عبرة وعظة تاريخية مستمرة حتى اليوم.

غير أن ذات الفكرة راودت أحفاد الفرس في اليمن، ممن لجأوا إلى اليمن لأسباب سياسية؛ خلال القرون الأولى من الإسلام؛ وقادهم تفكيرهم ورغبتهم للسيطرة على اليمنيين إلى ابتداع تراثٍ يسمح لهم بالسيطرة على البلاد، ويمنحهم -وحدهم- أحقية الحكم.

هؤلاء ادعوا نسبهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وآل بيته الكرام الأطهار، الذين بلا شك هم بريئون من تلك الأفكار التي لا تؤسس للاصطفاء فقط بل وحتى للاستعلاء، وتؤصل لتصنيف الناس إلى طبقات تتفاوت شرفا ومكانة.

ولا يمكن لدين حنيف كالإسلام ساوى بين بلال الحبشي وحمزة بن عبدالمطلب القرشي، أن يتبنى مثل هذه الأفكار الاستعلائية، كما لا يمكن أن يفاضل الإسلام بين الناس بالنسب والحسب، ويغفل جانب الأعمال والتقوى.

بل إن نصوصا كـ"من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه"، و"لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى"، تؤكد معيار التفضيل الإسلامي، كما تؤكد رفض الإسلام للاصطفاء على أساس النسب، وهو ما حاول الراغبون بحكم اليمن تأسيسه وتأصيله وفرضه على الناس منذ القرون الأولى.

وهم أنفسهم أولئك الذين حاولوا فرض هذا الفكر- رغم نجاحهم فترات زمنية معينة لكنهم سرعان ما انتكسوا- هم أنفسهم أسلاف الإماميين الجدد ممن يحاولون اليوم فرض هذه الأفكار السلالية على اليمنيين، عبر تأويلات وتفسيرات للتراث الديني مفصلة على هواهم ورغباتهم.

وكل ذلك نابع من إدراك هؤلاء أن اليمنيين، كمجتمع محافظ ومتدين، وحب لآل بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قابل للتأثر والقبول بتفسيرات اخترعها أصحابها لنصوص دينية وأحاديث قد لا تحمل دلالاتها أي شيء مما يروج له اليوم أو حتى قبل ألف عام.

> الحوثيون على خطى أسلافهم

على مدى قرون، بدت الزيدية في اليمن- كمذهب ديني- تحتل موقعا متوازنا بين السنة والشيعة، يقدسون آل البيت ويعطونهم مكانتهم، لكنهم أيضا يعترفون بخلافة الخلفاء الثلاثة بعد رسول الله، ولا يلعنونهم أو يلعنون الصحابة، وهم بذلك يمارسون مذهبهم "الديني" بلا غلو أو تطرف.

غير أن هذا الفكر الذي بدا وسطيا لوهلة، تعرض للكثير من التغذية المتطرفة، ليس منذ اليوم كما يفعل الحوثيون، بل منذ قرون مضت، لغايات سياسية واقتصادية بحتة، لا علاقة لها بالدين.

كان الأئمة الاوائل ممن حكموا اليمن بعد القرون الأربعة الأولى من الإسلام، يسعون إلى إخضاع اليمنيين لحكمهم تارة، واستثارة الناس للقتال معهم ضد أعدائهم السياسيين تارات أخرى، وفي كل مرة كانوا يستغلون الدين في ذلك.

الاستغلال الديني كان عبر عدة أشكال، منها نسب الحاكم، أو الراغب بالسيطرة، نفسه إلى آل البيت، وإظهار نفسه "إماما عالما" حتى يكون صالحا للحكم، بحسب شروط المذهب، ومن تلك الأشكال ايضا، تكفير المناهضين لهم وخصومهم السياسيين وإعلان فتواهم على العامة لتجنيدهم للقتال.

كانت تلك الأساليب تهدف إلى "تدجين" اليمنيين، وجعلهم مجرد "سخرة" بين أيدي الأئمة لتسخيرهم في صالح مكاسبهم وتنفيذ مخططاتهم، وهي نفس الأساليب التي ينتهجها الإماميون الجدد "الحوثيين".

حيث يمضي الحوثيون على خطى أسلافهم الأوائل من الأئمة الكهنوتيين، الذين كانوا يغزون "اليمن الأوسط، واليمن الأسفل"، للغزو ونهب خيراته الخصبة، وقبل ذلك لا بد من شيطنة خصومهم أولا، وإسباغ صفات الولاية والأحقية بالحكم لهم حتى يستحثوا أكبر عدد ممكن من اليمنيين للقتال.

وسلوك مليشيات الحوثي اليوم ليست ببعيدة عن منهجية الإمامين القدامى، فثمة تهم بـ"الداعشية" والإرهاب، والارتهان لأمريكا وإسرائيل، وترويج تلك الأكاذيب على العامة، بالإضافة إلى تسويق فكرة أحقيتهم بالحكم والسلطة، عبر أحاديث "الولاية"، و"غدير خم"، ومظلومية "الحسين" رضي الله عنه.

والحوثيون بذلك، يعيدون اليمنيين قرونا إلى الخلف، لاجترار صراعات تاريخية وسياسية عمرها يزيد على 1400 عام، لا علاقة لها بالدين، بل هي صراعات بين الراغبين بالحكم والسياسة.

> هل نجح الحوثيون فعلا؟

يعلم الحوثيون، كغيرهم ممن يسعى لحكم اليمن، أن المدخل لهذه الغاية هي الدين، كما أنهم يدركون جيدا مدى صعوبة تحقيق هذا الهدف ما لم يطبقوا هذا الفكر الطائفي السلالي الخاص بالاصطفاء العائلي.

وقد يكون الإماميون السابقون نجحوا لعقود في إخضاع اليمنيين لحكمهم، غير أن السنوات السبع العجاف الماضية التي يحاول الحوثيون فيها استرجاع "ملك أسلافهم" تواجهها مقاومة قوية.

ولعل هناك عوامل عديدة تمنع استتباب الحكم والسيطرة للإماميين الجدد، منها أن العقود الستة من عمر الثورة اليمنية ضد حكم الإمامة ما زالت أفكارها التنويرية حية وباقية، ولم تذهب أدراج الرياح، كما يحاول البعض أن يروج لذلك.

والدليل على ذلك أن أفكار الدولة والجمهورية سرعان ما تعمقت في وجدان اليمنيين بمجرد سقوط حكم الإمامة عام 1962، وتجلى ذلك في ملحمة حصار صنعاء، وفشل محاولة إسقاطها أواخر عام 1968، ما يؤكد أن قيم المساواة بين طبقات الشعب ترسخت في وجدانهم رغم عمر الثورة القصير، وإدراك اليمنيين للاستغلال الإمامي، للفكر الديني والتراث الإسلامي وتكريسها لحكمهم وسرقة ونهب ثرواتهم وخبراتهم، بل وحتى استعباد الناس، والتفريق بينهم عبر طبقات السادة والعبيد، "القناديل والزنابيل".

> مواجهة المشروع الحوثي

مشروع الإماميين الجدد واضح وجلي، ولا يحتاج إلى توضيح، ومزاعمهم بالاصطفاء الإلهي من السهولة بمكان أن تتلاشى وتسقط بمجرد أن يتم مواجهتها بذات الأسلوب والمنهجية.

فالفكرة لا تواجهها سوى الفكرة، وهو ما يبرع فيه الحوثيون، من خلال استغلال وسائل الإعلام وكافة الأساليب الممكنة للتأثير على اليمنيين، ونشرهم أفكارهم الطائفية.

في المقابل، تفتقد القوى المناهضة للحوثي في الوقت الراهن لأية منهجية واضحة تقاوم وتواجه بها فكره الطائفي والمدمر، وتقف كافة القوى السياسية وحتى الدينية عاجزة عن جلاء الصورة الحقيقية لأفكار المليشيات المتطرفة وتمزيقها للنسيج المجتمعي.

وهو ما يستدعي توحيد كافة الجهود، لاعتماد نهج موحد يقاوم النهج الذي يسير عليه الحوثيون وفضحهم وإبراز الكيفية التي قسّمت من خلالها المليشيات اليمنيين إلى طبقات متفاوتة، عليا ودنيا.

فالمعارك العسكرية والاقتصادية أو حتى الدينية من على المنابر أو وسائل الإعلام تبدو قاصرة أمام توغل الحوثي بأدواته وحوزاته وحسينياته في المجتمع اليمني، بل إنه اتجه نحو المناهج التعليمية لغرس فكره في نفوس النشء والشباب.

الأمر الذي يحتم تبني استراتيجية فكرية مستوردة وطنيا، من مختلف مؤسسات الدولة ومرافقها وشرائح المجتمع كافة لمقاومة مشروع الحوثي الذي يهدف لتمزيق اليمنيين وتفريقهم بين طبقات السادة والعبيد، وهي مسئولية القوى السياسية في المقام الأول.

> سلام بلا سلاح

الأفكار المدعومة بالقوة تتوغل عميقا في نفوس الناس، غير أن ما يمنع استيطانها في نفوسهم هو التنوير والتوعية والتثقيف المتزن، وهذا ما يجب أن يتبناه مناهضو فكر الحوثي.

يعتمد الحوثي كثيرا على القوة لفرض رؤاه وفكره، لهذا فإن أي اعتقاد بأن فكر الحوثي سينتهي بمجرد إبرام اتفاق سلام معه، ما لم يتم التخلص من سلاح الحوثي ومليشياته المسلحة.

هذا ما يدركه الحوثيون جيدا، لهذا فإنهم مستمرون في رفض سلام متساوٍ وعادل، ويتمسكون بحالة اللا سلم واللا حرب القائمة حاليا، في ظل هدنة هشة، أو يمكن لهم أن يقبلوا بسلام لا يمس سلاحهم ولا يقترب من ترسانتهم العسكرية.

لأن هذه الترسانة هي من تحمي أفكارهم، وبمجرد انتزاعها منهم سيفقد الحوثيون أهم أسلحتهم التي تروج لأفكارهم الضلالية والسلالية، فهم لا يقبلون التعايش مع الآخر إلا إذا كان عبدا خاضعا.

يدرك الحوثي أن أفكاره بلا سلاح لن تبقى في نفوس اليمنيين، تماما كما فعلت ثورة سبتمبر بألف عام من الفكر الإمامي الكهنوتي، واستطاعت حماية الثورة عبر ستة عقود والدفاع عنها، لأن الناس- ببساطة- عرفوا معنى المساواة التي رفض الإماميون السابقون والجدد (الحوثيون) التعايش معها وقبولها.

فأي سلام مرتقب يجب أن يشترط سحب سلاح الحوثيين، عندها يمكن لأفكار الحوثي أن تموت، وتنتهي مزاعمه الدينية والطائفية، ويعيش الناس في مساواة وسلام.