عدن تعود للغرق في ساعات انطفاء طويلة وسط غياب المعالجات الحقيقية؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يتناول أسباب استمرار معاناة مواطني المناطق المحررة من مشكلة الكهرباء كل صيف..

ما حقيقة الأنباء المتداولة حول تأجير سفينة عائمة لتجاوز مشكلة انقطاع الكهرباء خلال الصيف؟

ألا يعني استئجار مزيد من الطاقة المشتراة استمرارا لصفقات الفساد التي يستفيد منها البعض؟

لماذا لا يتم إصلاح واستكمال ما تبقى من مشروع محطة كهرباء الرئيس "بترومسيلة"؟

لماذا يتم ترحيل الحل الجذري لمشكلة الكهرباء في عدن والمناطق المحررة؟

كيف تساهم سلوكيات نسبة كبيرة من المواطنين في تفاقم مشكلة الكهرباء؟

هل تعتبر مشكلة الكهرباء من أكبر التحديات التي تواجه المجلس الرئاسي؟

كيف أثبتت هذه المشكلة أن التحالف والحكومة وحتى الانتقالي عاجزون عن توفير أبسط الخدمات؟

الكهرباء.. الفساد الأكبر!

الكهرباء.. التحدي الأكبر!

(عدن الغد) القسم السياسي:

من الألغاز الكبيرة التي ما زالت بلا حل في عدن وبقية المناطق المحررة من اليمن، مشكلة الكهرباء، هذه المعضلة الغامضة المُرحلة من سني الحرب العجاف والمرتبطة بالصراع القائم.

فخلال حرب 2015، توقفت كافة قطاعات الخدمات العامة وعلى رأسها الكهرباء، وكان المبرر المقنع لدى الجميع "أنها الحرب"، المتسببة بكل هذه المعاناة، وكان الناس يمنون أنفسهم أن هذه المآسي ستتلاشى بمجرد انتهاء الحرب.

غير أن عدن والمناطق المحررة من اليمن غادرت مربعات الحرب مبكرا، وتم تحريرها المحافظات الجنوبية كافة قبل نهاية العام 2015، غير أن مشكلة الكهرباء ظلت قائمة حتى يومنا هذا.

توالت حكومات، وتدفقت وعود من التحالف وقياداته ومواليه بوضع حد لمشكلة الكهرباء، وكان هناك من يهلل لهذا الطرف وذاك، وأن هذه المشكلة في طريقها للحل، غير أن شيئا من هذا لم يحدث.

وظلت عدن ومناطق الجنوب المحررة، وحتى مناطق شمالية محررة غارقة في الظلام، ومحرومة من الكهرباء العمومية، التي استبدلت إما بمشاريع طاقة بديلة أو بكهرباء تجارية خاصة حلت محل الكهرباء الحكومية واستخدمت شبكاتها وخطوط النقل العامة.

غير أن هذه البدائل لم تفد كافة مواطني البلاد، الغارقين في الظلام، فأمست الكهرباء لمن استطاع إليها سبيلا، بحكم أنها باتت تكلف أموالا باهظة في توفير الطاقة البديلة ومنظومات البدائل الحديثة في المنازل، أو عن طريق الاشتراك في الكهرباء التجارية المكلفة.

وكل ذلك يتم وسط غياب الحلول والمعالجات الحقيقية والجذرية من قبل السلطات الحكومية، وحتى الإدارات المحلية وسلطات الأمر الواقع في أكثر من منطقة على مستوى البلاد.

> بؤر الفساد

عقب عام 2015، كانت تفاصيل العجز في الطاقة والكهرباء تُلقي بالتقصير إما لعدم توفر مولدات كافية لتغطية كافة المناطق المحررة، ورغم وعود دول التحالف وبعض الدول العربية بتوفير مولدات برزت مبررات أخرى لاستمرار العجز.

تمثلت هذه المبررات في عدم توفر الوقود اللازم لتشغيل المولدات المتوفرة في المحطات العمومية، وهو ما يكلف الدولة ملايين الدولارات يوميا، وليس فقط شهريا، فكان الاعتماد متزايدا على محطات "الطاقة المشتراة" من القطاع الخاص.

وهذا الأسلوب من الطاقة، يعمل على تحمل التجار تكاليف توليد الطاقة الكهربائية على أن تدفع الدولة لهم هذه التكاليف، وهي طريقة مكلفة أيضا على الحكومة لا تقل كلفةً عن توفير الدولة للوقود بنفسها.

غير أن هذا الأسلوب استمر حتى اليوم، رغم تكاليفه الخيالية، وهو ما دفع مراقبين إلى اتهام بعض هؤلاء التجار والقطاع الخاص بالتواطؤ مع الحكومة، واستمرار خيار "الطاقة المشتراة" كونها توفر بؤر للفساد، يستفيد منها بعض المسئولين وبعض التجار على السواء.

حتى أن هذه التكاليف الكبيرة، وما يرتبط بها من فساد لم تستطع أن تقدم أو تضمن خدمة كهربائية منتظمة للمواطنين، بل تحولت "الطاقة المشتراة" إلى أسلوب "ابتزاز" للمواطنين البسطاء متى ما تأخرت مستحقات هؤلاء التجار، الذين يسارعون إلى قطع الخدمة للضغط على الحكومة وصرف مستحقاتهم.

رغم أن التكاليف المصروفة على "الطاقة المشتراة" يمكن توفيرها لبناء محطة كهرباء استراتيجية تساعد على تأمين خدمة متواصلة ومستمرة للمواطنين، غير أن بقاء هذه البؤرة تضخ فسادا واموالا لبعض ضعفاء النفوس.

> السفينة العائمة

وبدلا من توجه الحكومة للتخلص من مشاكل محطات "الطاقة المشتراة" وتكاليفها وابتزازها، وإيجاد بدائل "استراتيجية بعيدة المدى"، بدلا من كل ذلك راحت تبحث وسائل "آنية" ومؤقتة، وصفها متابعون بأنها "ترقيعية".

حيث تداولت بعض الأنباء مؤخرا، عزم وزارة الكهرباء والطاقة اليمنية "تأجير سفينة عائمة" لتوليد الكهرباء؛ بهدف تجاوز مشكلة انقطاع الكهرباء خلال الصيف، في المحافظات الساحلية تحديدا، وعلى رأسها عدن.

الأنباء قالت إن تكلفة هذه السفينة قد تبلغ نحو 100 مليون دولار أمريكي، الأمر الذي أثار حفيظة عدد كبير من المراقبين، الذين استنكروا ما أسموه "العبث" في صرف هذه المبالغ على بدائل "الطاقة المشتراة"، بدلا من توجيهها إلى مشاريع أكثر جدوى.

ومن هذه المشاريع، استكمال مشروع خطوط نقل الطاقة لمحطة "الرئيس"، التي تقوم بها شركة "بترومسيلة"، وهو مشروع كاد أن يكون استراتيجيا عطفا على حجم الطاقة المولدة والبالغة نحو 260 ميجاوات على مرحلتين، لكن المشروع يبدو أنه تعرض لـ"الحرب".

هذه "الحرب" التي تم شنها على مشروع محطة الرئيس، جعلها تخفض إنتاجها من الطاقة إلى أقل من 100 ميجاوات؛ بحجة ضعف شبكة خطوط النقل وعدم استكمالها؛ وهذا كله يصب لصالح مشاريع وصفقات الفساد المتمثلة في محطات "الطاقة المشتراة" المكلفة.

> حرب محطة الرئيس

مثلت محطة الرئيس التي تم إنشاؤها بتوجيه مباشر من الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، عند زيارته لعدن في صيف عام 2018، بداية حلم لاستقرار الكهرباء في عدن والمحافظات المجاورة.

كانت تكلفتها 500 مليون دولار، وتدخلت في تصميم وإنتاج مولداتها بطلب من "بترومسيلة" عبر شركات أمريكية مثل "جنرال إلكتريك"، في مصانعها داخل فرنسا، كما تكفلت شركة بريطانية بنقل المولدات إلى عدن.

كل هذا الجهد ذهب أدراج الرياح؛ لسبب بسيط، يعود إلى أن "لوبي الفساد" في عدن واليمن عموما أكبر من أي نظرة استراتيجية أو حلول جذرية لمعاناة الكهرباء في البلاد.

فبالإضافة إلى فساد الطاقة المشتراة، هناك لوبيات الطاقة البديلة، التي مثلت فرصة إثراء لكثير من صغار التجار الذين باتوا اليوم "حيتان" بفضل بدائل المولدات المنزلية الصغيرة، ومنظومات الطاقة البديلة، كأنظمة الطاقة الشمسية وغيرها التي غزت البلاد.

ولا يمكن لهذه السوق أن تنتعش في ظل استقرار خدمة الكهرباء ووجود بدائل حقيقية وحلول ومعالجات جذرية لمشكلة الطاقة في اليمن، ما يؤكد وجود "حرب شعواء" ضد مشروع محطة الرئيس وضد المشاريع المشابهة الهادفة للاكتفاء الذاتي والمتواصل من الكهرباء.

والا فإن فرض حل جذري للكهرباء لا يحتاج أكثر من قرار، كان يمكن أن يأخذه التحالف ما بعد عام 2015، أو الحكومة الشرعية عقب تلك الفترة، أو حتى المجلس الانتقالي الجنوبي بعد 2019، حين فرض سيطرته وإدارته الذاتية لحكم الجنوب.

وهو ما يؤكد أمرين، الأمر الأول، إما أن يكون التحالف والحكومة الانتقالي عاجزون عن حل أبسط قضايا الخدمات والمشكلات التي تواجه بسطاء الناس، أو أنهم متواطئون ومشاركون في صفقات الفساد هذه.

فترحيل إيجاد الحلول الجذرية للكهرباء منذ تحرير المناطق المحررة في عام 2015، يؤكد أن هناك تواطؤ، بقصد أو بغير قصد، على ترك الأوضاع على ما هي عليه دون حل؛ لصالح "حيتان" و"لوبيات" الفساد، في ظل لا رقيب ولا حسيب.

> ذنب المواطن

قرار معالجة الكهرباء ووضع حلول حقيقية لها، مناط بوجود دولة ورجالات سياسة واقتصاد قادرين على رفع المعاناة عن كاهل المواطنين.

فحتى اتهام المواطنين بالتقصير، إما في عدم تسديد فواتير الكهرباء، أو في القيام بعملية الربط العشوائي مما يسبب فاقد الطاقة، كلها ذنوب على المواطنين لا تتحمل المسئولية، فوجود دولة قوية كفيل بمنع كل هذا العبث.

فغياب الدولة يشجع المواطنين على هذه السلوكيات، التي لا يشجعها أحد، والتي تتسبب بتفاقم مشكلة الكهرباء، وهنا يكمن ويبرز دور المجلس الرئاسي اليمني.

فمعضلة الكهرباء ليست تحديا هامشيا، ولكنها قضية كبرى لا تقل عن الملفات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تنتظر عمل المجلس الرئاسي، خاصة وأنها مرتبطة بشكل مباشر بحياة الناس واحتياجاتهم.