مرة أخرى.. الوحدة أم الانفصال؟

(عدن الغد)خاص:

تحليل يتناول التغير في وجهات النظر تجاه خيارات التمسك بالوحدة اليمنية في ذكراها الـ32..

لماذا عاد الجدل حول الاحتفال بالوحدة اليمنية من عدمه؟.

هل ما تزال الوحدة قادرة على الاستمرار خلال السنوات القادمة.. أم أنها انتهت فعلا؟.

كيف أثبتت أفعال وسلوكيات المطالبين بالانفصال أن الوحدة هي الحل لكل مشاكل الناس؟.

لماذا خفت وهج الفعاليات الجنوبية المناهضة للوحدة.. وبرزت المطالب بالاحتفال بالوحدة؟

ما الذي دفع مناصري الوحدة- رغم قلتهم- إلى رفع أصواتهم مؤخرا؟

كيف ساهم تشكيل المجلس الرئاسي بإعادة الإيمان بالوحدة اليمنية؟

هل يعد انصهار المجلس الانتقالي في القيادة الجماعية لليمن إحياءً للوحدة؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

لأول مرة منذ سنين، تطالب بعض القوى بالاحتفال بعيد الوحدة اليمنية، بعد أن كادت مثل هذه المطالب والدعوات تكون أمرا مستحيلا.

وما يلفت في هذه الدعوات أن بعضها صادر عن مكونات حراكية وجنوبية، ما يحتم الوقوف أمام هذا التحول في المزاج السياسي للجنوبيين على وجه الخصوص.

فما بعد عام 2015، لم يكن هناك صوت يعلو على صوت الجنوب ومشروع استعادة الدولة الجنوبية، الذي رأى كثيرون أنها باتت قال قوسين أو أدنى عقب تحرير محافظات جنوب اليمن من الحوثيين.

وفي الوقت الذي سيطر فيه المطالبون بالانفصال ودعاته على الساحة الجنوبية، ومنعوا لسنوات إقامة أية احتفالات بذكرى الوحدة.

بل كانت الاحتفالات الوحيدة التي تقام، هي تلك الاحتفالات الخاصة بذكرى فك الارتباط في 21 مايو/أيار 1994، وليست ذكرى الوحدة في 22 مايو/أيار 2022، بعد أن استشرت فكرة أن الوحدة "ماتت وانتهت"، ولا رجعة لها.

وبالفعل.. لم يكن أحد، في محافظات الجنوب اليمني، أن يجرؤ على الدعوة للاحتفال بذكرى الوحدة وعيدها، كون المزاج السائد كان محسوبا لصالح المنادين بالانفصال واستعادة الدولة الجنوبية.

غير أن ما يحدث اليوم في عدن والمناطق المحررة في الجنوب يؤكد أن الوضع تغير، والمزاج تبدل لصالح الوحدة، بعد أن برزت مؤخرا دعوات للاحتفال بالوحدة اليمنية وذكراها الـ 32.

> ما الذي غيّر المزاج؟

وفي خضم تمسك الكثير من السياسيين والنشطاء في المحافظات الجنوبية بفكرة "موت" الوحدة وانتهائها، كانت دعوات البعض للاحتفال بالوحدة تطور لافت.

وهذا التطور مرتبط بالعديد من العوامل والأسباب التي تسببت بحدوثه، خاصة في ظل تغيرات سياسية، من المؤكد أنه هي من قادت إلى هذا التطور.

إحدى هذه العوامل كانت تشكيل المجلس الرئاسي اليمني، والذي كان تغيرا سياسيا حادا، مثل أحد الأسباب المؤكدة لعودة دعوات ومطالب الاحتفال بالوحدة في عدن والجنوب عموما.

لكن ثمة عوامل أخرى أكثر ارتباطا بتغير المزاج العام في هذه المحافظات، مرتبطة بسلوكيات وأفعال الجنوبيين، أو بالأحرى السياسيين الجنوبيين خلال فترة ما بعد 2015 وحتى اليوم.

فسكان عدن ومحافظات جنوب اليمن خبروا سلوكيات المكونات الجنوبية المطالبة والمنادية بالانفصال وفك الارتباط عن الوحدة اليمنية، خاصة بعد أن نالت القيادات الجنوبية فرصتها الكاملة خلال نحو سبع سنوات.

وهي سنوات تحكمت فيها القيادات الجنوبية والمكونات السياسية والقوى التي تصدرت المشهد الجنوبي، وفوضت نفسها أو زعمت أن الشعب فوضها لتبني قضيتها وأخذ مسئولية استعادة دولة الجنوب.

غير أن الانفلات الحاصل خلال السنوات السبع الماضية في الجنوب، وما ارتبط بالتدهور الخدمي والأمني وسياسة "البلطجة" التي مارسها بعض قادة الجنوب والمحسوبين على حملة القضية الجنوبية واستعادة الدولة تسبب بتراجع مزاج الناس كثيرا.

وللأسف، فإن هذا الانفلات الذي شهدته كافة المستويات الحياتية في عدن والمحافظات المجاورة تصدره المحسوبون على الجنوب؛ مما أدى إلى صرف نظر الناس نحو الخيار الآخر، والذي رأوا فيه أن الوحدة اليمنية كانت أحسن شأنا من تحكم دعاة الانفصال.

> هل كانت الوحدة هي الحل؟

انتظر الناس كثيرا التغيير المنشود الذي بشّر به دعاة الانفصال وفك الارتباط، غير أن سبع سنوات من اللا دولة، وانتظار الدولة لم يجد فيها الناس أي حلول لمشاكلهم الخدمية والحياتية، وعلى رأسها الوضع المعيشي.

ولهذا السبب، يبدو أن كثيرا من المواطنين، بل حتى المكونات والقوى السياسية الجنوبية قارنت الوضع في الجنوب، ورأت أن تواجد الدولة في فترة ما قبل 2015، كان أفضل بكثير من الوضع بعد هذا التاريخ.

ولعل المقارنة وجدت أن في الدولة الواحدة قوة وقدرة قدمت حلولا ومعالجات للمشاكل والقضايا المعيشية والخدمية، عطفا على المسئولية التي اضطلع بها رجال الدولة الذين أداروا دولة الوحدة آنذاك.

كما أن المقارنة شملت أيضا قادة ومسئولي المرحلة الماضية في الجنوب وعدن، والذين قدموا نموذجا لم يرق للكثير من المواطنين وحتى المكونات السياسية، التي اشتاقت على ما يبدو لعهد دولة الوحدة.

حتى خلال فترة الإدارة الذاتية التي أعلنها المجلس الانتقالي الجنوب في أبريل/نيسان 2020 لم ينجح القائمون عليها في تحقيق أي تقدم خدمي أو تحسين الوضع المعيشي.

بل إن مدبري الإدارة الذاتية، وقادة المجلس الانتقالي بأنفسهم استنجدوا بالحكومة الشرعية التي تمثل الوحدة اليمنية حتى تقوم بتوفير الخدمات وتحسن الوضع المعيشي.

كل تلك العوامل والإرهاصات قد تكون هي التي قادت إلى عودة المنادين للاحتفال بذكرى الوحدة اليمنية إلى الواجهة مجددا، باعتبارها "طوق نجاة" لما يجري حاليا في الجنوب والمحافظات المحررة.

وذلك مقابل انحسار المنادين بالانفصال وفك الارتباط، الذين قدموا سلوكيات وأفعال أساءت للقضية الجنوبية، ولم يستثمروا فترة سيطرتهم وتحكمهم بعدن وإدارتهم لشئون الناس.

حتى أن الأمر انعكس على مستوى الفعاليات الحراكية الجنوبية في عدن وغيرها من مدن الجنوب، لصالح مناصري الوحدة اليمنية، وهو ما تجلى في خفوت وهج الحراك الانفصالي، وبروز المطالب المنادية بالوحدة والاحتفال بذكراها وارتفاع أصواتهم رغم قلتهم وتواجدهم على استحياء في السنوات الماضية.

> المجلس الرئاسي.. زخم جديد

ينظر كثير من المراقبين إلى المجلس الرئاسي اليمني الذي تشكل مطلع أبريل/نيسان الماضي بأنه سبب رئيسي في إحياء الوحدة اليمنية وعودتها كخيار سياسي إلى الواجهة من جديد.

ويعتقد غير واحد من السياسيين أن التوليفة التي بُنيّ عليها المجلس الرئاسي مثلت صورة مختصرة للوحدة الوطنية بين اليمنيين، وأعطت زخما سياسيا للوحدة اليمنية، كونها جمعت ممثلين عن كافة مناطق اليمن وقواها وتياراتها السياسية والحزبية.

حتى أن انصهار المجلس الانتقالي الجنوبي- أحد أبرز القوى المنادية بالانفصال- في خضم المجلس الرئاسي اليمني اعتبره كثيرون بأنه تعزيز للوحدة اليمنية خاصة وأنه تضمن الاعتراف بالدولة الجامعة لكل القوى والمكونات التي تمثل أطياف كل اليمنيين شمالا وجنوبا.

وهو ما يفسر اعتبار سياسيين أن المجلس الرئاسي ساهم في عودة دعوات الوحدة اليمنية والاحتفال بها مرة أخرى إلى عدن والمحافظات الجنوبية، بل وحتى الايمان بها وإحياءها كمشروع سياسي وخيار قديم أعيدت إليه الحياة.

وهذا الخيار ليس شرطا أن يكون بصيغته الاندماجية السابقة، بقدر ما قد يجد صيغ وأشكال مختلفة كالنظام الاتحادي الفيدرالي من إقليمين أو متعدد الأقاليم، غير أن الوحدة في النهاية هي من تبقى.

> الوحدة.. ماتت أم هي قادرة على الاستمرار؟

لكن.. في المقابل، ما زال هناك بعض من يرى في الأمر شيء من الصعوبة في عودة الوحدة كخيار سياسي أو مشروع يمكن طرحه في الجنوب مرة أخرى.

فأصحاب هذا الطرح يرون أن الوحدة اليمنية لم تعد خيارا سياسيا في الجنوب، ولم تعد قادرة على الاستمرار، وأنها انتهت و"ماتت" فعليا ولا يمكن أن تعود مرة أخرى.

ويرى هؤلاء أن مشاركة الانتقالي- أكبر المنادين بالانفصال- جاءت بطلب التحالف لتحقيق استقرار سياسي مؤقت لمواجهة الانقلابيين الحوثيين فقط، وليس اعترافا بالوحدة اليمنية.

كما أن الجنوبيين لا يمكن أن ينسوا شهداءهم الذين قضوا سواء في حرب 1994، أو خلال مظاهرات الحراك الجنوبي منذ بداياته، أو أثناء مواجهة الحوثيين في 2015، وهو ما يحول دون عودة خيار الوحدة مجددا.

ورغم هذا الطرح، إلا أن الشيء الذي يتفق حول المتابعون والمهتمون هو أن المشاريع السياسية في المحافظات الجنوبية واليمن عموما لم تعد خيار الوحدة فقط، أو خيار الانفصال فقط، ولكن الأمر بات حتميا متعدد المشاريع، وعلى الناس الاختيار بطرق شتى.