أبين.. بين الحضور السياسي والإقصاء

(عدن الغد)خاص:

تحليل لتاريخ وواقع المشاركة السياسية لمحافظة أبين وأبنائها في حكم وإدارة اليمن..

المحافظة التي ساهمت بتشكيل تاريخ السياسة اليمنية.. لماذا لم تعد حاضرة اليوم؟

هل هناك فعلا مؤامرة سياسية تقودها قوى معينة لإخراج أبين من المشهد السياسي؟

ما حقيقة وجود مشروع دولي يراد تنفيذه باليمن.. ونجاحه مرهون بإقصاء أبين من المشهد؟

هل تدفع أبين ثمن مناصرتها للدولة والجمهورية خلال العقود الماضية؟

كيف يمكن أن تؤثر عملية الإقصاء- إن وجدت- على الواقع السياسي اليمني؟

أم أن المؤامرة غير موجودة إلا في أذهان من خسروا مكاسبهم السياسية فقط؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

ثمة مقولة سياسية يمنية، أقرب إلى "الأسطورة"، تتداول في كتب الساسة وحتى في المقايل والمجالس، تحمل الكثير من الدلالات على إرث سياسي كبير تحمله محافظة أبين، الواقعة جنوب اليمن، والمحافظة لمدينة عدن.

المقولة هي: "يا ويل صنعاء من دثينة"، ودثينة هي منطقة شهيرة في محافظة أبين، شهدت أول جمهورية في تاريخ اليمن على الإطلاق تم إعلانها خلال عهد الاحتلال البريطاني للمحميات الجنوبية من اليمن.

فـ"جمهورية دثينة" نشأت وسط بيئة مشتتة من المشيخات والامارات والسلطنات في جنوب اليمن، والتي كانت تستأثر بحكم كل منطقة عائلة وأسرة ما من الأسر التي تدعي أحقيتها بالحكم.

غير أن الأمر لم يستقر لأحد في منطقة دثينة، فاهتدت عقول أبناء تلك الناحية من أبين إلى إعلان "جمهورية"، بشكل مغاير لما كان يتم تدريسها فيما جاورها من مشيخات وسلطنات منقسمة على نفسها.

ومن هنا يُرجع كثير من المؤرخين الأسبقية لأبناء أبين في استحداث نظام حكم جديد تعرفه اليمن برمتها لأول في تاريخها، والفضل لأبين.

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل حتى في فترة المشروع الاستعماري الذي تبناه الاحتلال البريطاني لتكريس سيطرته، والمسمى "اتحاد الجنوب العربي"، لم يجد المحتل أفضل من أبين وأبنائها لإسناد إليهم أعلى المناصب القيادية سياسيا وعسكرية.

> نماذج من رجالات أبين

ليس هناك أي عاطفة أو مبالغة أو انحياز في الموضوع، بقدر ما هي حقائق تاريخية تثبتها المراجع وأمهات المصادر، التي تؤكد السبق السياسي الذي حققته أبين في مراحل متقدمة من تاريخ اليمن المعاصر.

حتى أن الفترة السياسية التي أعقبت استقلال جنوب اليمن من الاحتلال البريطاني، ساهمت أبين بشكل فاعل في قيادة الدولة الوليدة منذ اللحظات الأولى لإعلانها، بل إن التنظيم السياسي الذي سبق إعلان الدولة اليمنية في الجنوب وهيأ لها كان يدار بقيادات من أبين، اعتلت فيما بعد سدة الدولة.

ولا ينسى أحد أن الرئيس علي سالم ربيع علي "سالمين" كان أبرز وأهم رؤساء جنوب اليمن على الإطلاق، وهو ابن أبين التي خرّجت من قبله قيادات عسكرية وأمنية في تنظيم الجبهة القومية والدولة اليمنية الجنوبية فيما بعد.

كما أن الرئيس علي ناصر محمد، ابن أبين أيضا، كانت فترة حكمه محاولة للانفتاح على الجيران ودول الخليج لصالح التنمية في البلاد، تماما كما أراد سالمين الانفتاح على التجربة الاشتراكية الصينية وتفصيلها على نظيرتها السوفيتية.

ورغبة كلا الرئيسين على الانفتاح أودت بهما إلى مصائر مختلفة لكنها تشابهت في الابعاد والإقصاء عن المشهد السياسي.

إسهامات أبين لم تقتصر على الجنوب فقط، بل إن مساهمات أبين في قيادة الدولة اليمنية في الشمال كانت واضحة، خاصة عقب منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وقبيل تحقيق الوحدة اليمنية في عام 1990.

> مراحل التراجع قبل العودة

عقب عام 1990 فرضت على العديد من القيادات الأبينية سياسة الإقصاء من السلطة والمشهد السياسي، خاصة من تورط منهم في خصومات مع أحد طرفي تحقيق الوحدة اليمنية.

غير أن هذا التراجع لمسيرة الإسهام الأبيني في السياسة اليمنية عاد سريعا منتصف التسعينيات، ومضى بقوة حتى عام 2011، حين تولى الرئيس عبدربه منصور هادي مسئولية الحكم في ظل ظروف غاية في الصعوبة.

فهي السنوات السبع الأكثر صعوبةً وسوادا في تاريخ اليمن الراهن، غير أن بصمة أبناء أبين كانت موجودة، سواءً بالسلب أو الإيجاب، أو أيا كان تقييم تلك الفترة، إلا أن رجالات هذه المحافظة تواجدوا في المشهد.

ولم يكن الأمر قاصرا على منصب الرئيس، فرجال أبين تواجدوا بشكل قوي في الجيش منذ زمن المشروع الاستعماري "الجنوب العربي" واستعانت بهم الدولة الجنوبية اليمنية بعد 1967، واستمر الأمر كذلك حتى أحداث يناير/كانون ثاني 1986.

حينها رحلت أغلب القيادات السياسية والعسكرية إلى صنعاء، ومنها عادت عقب حرب صيف عام 1994، ليكون لها الدور الأكبر في ترجيح كفة تلك الحرب، والإمساك بالعديد من المناصب القيادية في الأمن والجيش تحديدا.

لكن هذا التراجع عاد هو الآخر مجددا اليوم، عند تشكيل مجلس القيادة الرئاسي اليمني، بعد إعفاء الرئيس هادي من السلطة، والاستعاضة بدلا عنه بمجلس يمثل أطياف القوى السياسية في اليمن.

هذه الأطياف التي مُثلت سياسيا، وسط إقصاء واضح استشعره أبناء أبين، لدرجة أنهم وصفوه بـ"التهميش والمؤامرة"، قامت بها وتنفذها قوى ما تمتلك إرثا من الصراع المناطقي مع أبين.

> أبين.. خارج المجلس الرئاسي

في الوقت الذي يشعر الأبينيون بالإقصاء لخلو المجلس الرئاسي من أي اسم يمثل محافظتهم، إلا أن ثمة رأي مقابل لا يرى في الأمر أي إقصاء أو تهميش، وهم يتحدثون بناء على معطيات.

هذه المعطيات تقول إنه يكفي أبين تمثيلها بشخص الرئيس هادي طيلة الفترة العصيبة التي مرت بها اليمن، واستطاع أن يسلم سلطاته وصلاحياته بشكل سلمي وتوافقي إلى المجلس الرئاسي، وهذا أمر يحسب لأبين ورجالاتها.

بالإضافة إلى أن أصحاب هذا الرأي يشيرون إلى أن هناك تواجد لافت وملموس لشخصيات أبينية في هيئات ومؤسسات حكومية عديدة، ولا يشترط تواجدهم في المناصب العليا للدولة أو المجلس الرئاسي حتى ننفي تهمة "المؤامرة" عن أبين.

وفي حقيقة الأمر، فإن تهم الإقصاء والتهميش أو المؤامرة أعمال لا يمكن أن تمر بحق أبين، التي تعتبر من المحافظات القليلة "الولادة" برجال الدولة، والسياسيين الذين يشغلون وشغلوا وسيشغلون مناصب عليا في الدولة.

كما أن المقياس بخلو المجلس الرئاسي من أبناء أبين ليس ذريعة لتأكيد التهميش أو نظرية المؤامرة التي يعشقها البعض ويلقيها جزافا، ويمكن لأبين أن تتبوأ مكانة مراكز مستقبلية، فمكانتها هي وغيرها من المحافظات لا يمكن الاستغناء عنها لخدمة اليمن عبر المشهد السياسي.

وأمر طبيعي للغاية أن وجود إقصاء أبين أو غيرها من المحافظات اليمنية عن المشاركة السياسية لن يفيد اليمن واليمنيين في شيء، بل سيزيد من تعقيد العلاقات بين أبناء الوطن الواحد، وهو ليس موجودا أصلا.

والرافضون لوجود مؤامرة ضد أبين يستشهدون بأن هذه النظرية لا تتواجد سوى في أذهان بعض من خسروا مكاسبهم وتم الاستغناء عنهم بسبب مواقفهم السياسية، خلال السنوات الأخيرة.

ودليل عدم وجود مثل هذا الإقصاء لأي محافظة يمنية وليس فقط أبين، هو تبوأ رجال ينتمون لمحافظة تعز رئاسته عدد من المؤسسات السيادية العليا في البلاد، رغم الهجمات الإعلامية التي تعرضت لها تعز و"التنمر" إن جاز التعبير طيلة سنوات الحرب الماضية.

> مشروع دولي ضد أبين

القول بوجود نظرية مؤامرة ضد أبين لا يضاهيه إلا القول بوجود "مشروع دولي" يراد تنفيذه في اليمن، ويرتكز على معاقبة أبين كي لا تقوم بدور المعرقل لهذا المشروع، خشية من مواقفها الوطنية مع الدولة والجمهورية.

وكلها عبارة عن تخرصات تريد أن تعيد الصراعات المناطقية بين أبناء اليمن الواحد، بمحافظاته الولّادة، والتي بإمكانها أن تصنع رموزا وشخصيات سياسية تقود البلاد وتحتل مراكز سيادية وهامة في الدولة.

وكما مرت أبين بمراحل متباينة من الصعود والهبوط، بإمكانها أيضا أن تعود إلى الواجهة مجددا بفضل رجالاتها، بعيدا عن مؤامرات أو ادعاءات الإقصاء والتهميش، التي لا تزيد الصراعات إلا اتقادا وتأججا.