(تقرير)الدولة اليمنية ما بعد هادي.. هل باتت فريسة للتقاسم السياسي ام ان هناك خطوات واضحة للحل؟

(عدن الغد)القسم السياسي.

تحليل يقرأ في مآلات المجلس الرئاسي وغايات الأطراف المكونة لقوامه في دولة "ما بعد هادي"..

لم تعد الدولة اليمنية ما بعد عام 2011، كما كانت ما قبلها، ففي أواخر هذا العام انتقلت المرحلة السياسية في البلاد من مرحلة علي عبدالله صالح إلى مرحلة عبدربه منصور هادي.

ولا يحتاج الأمر لاستعراض تفصيلي حول كيفية تغير الدولة اليمنية التقليدية التي لم تعرف سوى رئيس واحد منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين وحتى بداية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

فالرئيس السابق عبدربه منصور هادي قاد البلاد منذ ذاك الحين، في فترات قد تكون هي الأصعب في تاريخ اليمن المعاصر، ومرّ بها في منعطفات محورية وحيوية، منذ عام 2012 وحتى العام 2022.

ويكفي أن هذه الفترة شهدت مؤتمرًا للحوار الوطني بين اليمنيين ما بين عامي 2013 و2014، هو الأول بنوعه وبمخرجاته التي كادت تؤسس لدولة فيدرالية مدنية لولا حرب الانقلابيين الحوثيين عام 2015.

وهذه الحرب المستمرة حتى اليوم، وما قبلها من منعطفات جعلت الدولة اليمنية في مرحلة مختلفة عن ثلاثة عقود سبقتها، كانت فيها الدولة ككيان مشاهد وملموس أمرا واقعا لا يمكن أن ينكره أحد، بفسادها وعاهاتها.

غير أن فترة أو دولة هادي لم تكن بتلك الهيبة أو القوة التي كانت عليها الدولة اليمنية سابقا، ولا يستطيع أحد إنكار أن الانتقاص من الدولة طال كل المجالات والقطاعات.

ربما بسبب الانفلات الأمني خلال 2012 وحتى 2014، أو نتيجة الحرب المندلعة في 2015، والتدهور الاقتصادي والمعيشي الذي تلا ذلك وما زال واقعا باليمنيين حتى اليوم.

كل تلك ملامح وتفاصيل لغياب الدولة أو تهالكها، خلال السنوات السبع العجاف الماضية، والتي تركت كيان الدولة مجرد "هيكل" لم يتبق منه سوى الفتات.

ورغم ذلك، إلا أن هذا الفنان يبدو أنه ما زال يُغري الكثيرين ويسيل من أجله لعاب أطراف سياسية ومكونات تشكل منها المجلس الرئاسي المكون حديثا، والذي جاء في مرحلة "ما بعد هادي".

وإذا كانت مرحلة هادي ذاتها شهدت غيابا للدولة وهيبتها، فما بال مرحلة "ما بعد هادي"، وهي مرحلة أسوأ بكثير، بشهادة كثير من المتابعين السياسيين.

تركة الرجل المريض

تشكل مجلس القيادة الرئاسي اليمني مطلع أبريل/نيسان الماضي، بطريقة أقرب للمحاصصة السياسية منها للشراكة الوطنية، كما يحاول أن يروج البعض.

فالمجلس عبارة عن مقاعد مخصصة لمكونات عسكرية مسيطرة على أجزاء من البلاد، أو شخصيات قبلية تمثل جانبا مناطقيا أو قبليا درجت عليه اليمن، أو ممثلي أحزاب سياسية.

ويبدو أن الوضع الذي آلت إليه الدولة، وجعلها في "الرجل المريض" الذي تهافت عليه المتربصون لتقاسم تركته أو ما تبقى منها، يلخص بشيء من الدقة حال الدولة اليمنية التي باتت متهالكة.

وينطبق هذا التشبيه للدولة اليمنية على مؤسساتها السيادية والعامة التي لم تعد تعمل ومتوقفة، أو متعثرة في أحسن أحوالها، ويدخل فيها المؤسسات العسكرية والأمنية، وليس فقط المؤسسات المدنية والخدمية.

فلا خدمات منتظمة يتحصل عليها المواطن، ولا مواقف سياسية داخلية أو خارجية تسجلها الحكومة. الدولة، ولا رغبة في حسم الحرب واستعادة الجمهورية؛ لدرجة أن اليمنيين أصبحوا في مرتبة "اليتيم" المفتقد لمن يتحمل مسئوليته ويرعاه.

فما الذي قد يقدمه المجلس الرئاسي، عبر مكوناته وأطرافه السياسية التي تشكل منها؟، والإجابة عن تساؤل كهذا قد يحدد ملامح قادم الأيام فيما يتعلق بالدولة اليمنية وجهودها في تغيير الوضع بشكل عام.

وعندما يشار إلى "الوضع العام" فإن ذلك يتضمن الجانب العسكري والامني، بالإضافة إلى الملفات الاقتصادية والمعيشية.

وفي حالة استمرار عدم تغيير أوضاع حساسة وذات أولوية كهذه، فهذا يعني أن مكونات المجلس الرئاسي لم هَمّ لها ولا غاية سوى الانقضاض على ما تبقى من "تركة الرجل المريض"، وهي فتات ما تبقى من مكاسب الدولة اليمنية.

فريسة المحاصصة

فكرة المحاصصة التي تشكل منها المجلس الرئاسي، قد تكون سيفا ذا حدين، وهنا تكمن الخطورة، فإذا لم يكن الهم والغاية تغيير الواقع العسكري والمعيشي في اليمن، فلا معنى للمحاصصة سوى إرضاء البعض وإسكات آخرين.

وهذا يكشف ألا وجود لهدف أو غاية محددة من المجلس الرئاسي إذا صدق هذا الطرح والتحليل، واكتفى كل طرف بما تحت يديه من وزارات وسفارات وقنصليات ووكلاء الوزارات والمحافظات وغيرها من المكاسب الضيقة.

فغياب الغاية والهدف وتحقيق تغيير حقيقي يلمسه المواطن، على المستويات العسكرية والمعيشية في المقام الأول هو الأساس لتكذيب تحليل كهذا يشكك في توجهات أطراف ومكونات "الرئاسي".

ولا مناص من تكذيب مثل هذه القراءة، سوى الابتعاد عن تحويل ما تبقى من الدولة كـ"فريسة للمحاصصة" والاتجاه بأطراف ومكونات المجلس الرئاسي إلى ما هو أهم من "تقاسم الكعكة".

خيارات أمام مكونات "الرئاسي"

الخيارات المطروحة أمام المجلس الرئاسي محدودة، فأما التوجه نحو الانقلابيين الحوثيين واستعادة الدولة منهم بالقوة والحرب عبر تحريك الجبهات وتفعيلها في نفس الوقت لإرباك المليشيات.

وأما أن يجنح للسلم ويتمسك به خيارا يجتهد لتحقيقه ويقدم التنازلات التي يقدر عليها لإحلال السلام وإنهاء الحرب عبر القبول بالحوثيين شريكا سياسيا، رغم أن خيارا كهذا قد لا يُنهي تهديد المليشيات للأبد.

وما دون هذين الخيارين لن يبقى أمام مكونات المجلس الرئاسي وأطراقه سوى قبولها بالمشاركة في المجلس للانقضاض على ما تبقى من مكاسب الدولة، وتقاسم "تركة الرجل المريض".

عندها تصدق عليها اتهامات المراقبين من أنها جاءت من أجل مصالحها الحزبية والسياسية الضيقة، واحيانا الشخصية، والفوز بشيء من بقايا الدولة، وحينها لن يكون الأمر مفاجئا لدى جمهور واسع من المواطنين، خبروا توجهات الساسة وعلموا أساليبهم.

صراعات مرعبة

قد تنجح الأطراف والمكونات السياسية اللعب في سبيل مصالحها الشخصية، والاستئثار بما تبقى من هيكل الدولة، لكنها ستجني سخط الشعب ولعناته.

وقبل كل ذلك فإنها ستؤسس الصراعات داخلية مرعبة فيما بينها، فكل منها سيسعى جاهدا للحصول على الحصة الأكبر من "الكعكة"، على حساب غيرها من مكونات.

وهذا السيناريو المخيف قد يعيد الصراعات المسلحة بين المتحالفين داخل المجلس الرئاسي ويهدد توافقهم وتماسكهم، وهو ما سيستفيد منه الحوثيون المتربصون، وسيؤثر على وحدة الجبهة المناهضة المليشيات.

والأخطر من كل ذلك أن هذا الصراع المرعب بين ما تبقى ممن يعول عليهم الحفاظ على "فتات الدولة" لن يقود إلا إلى انهيار الدولة برمتها، وإذا كانت دولة هادي متهالكة أو كادت تشرف على الانهيار، فإن سيناريو كهذا سيُسرّع بعملية الانهيار هذه.

وهو ما لا يتمناه اليمنيون البسطاء الذين ما زالوا يعلقون آمالهم بتلابيب بقايا الدولة!.