باعتقال بن حريز.. هل انتهت الهبة الحضرمية المستقلة؟

(عدن الغد) خاص:

تحليل يتناول مصير "الهبة الحضرمية" بعد قرار نقل اعتصامها إلى المكلا واعتقال قائدها بن حريز..

نقل الهبة إلى المكلا والاعتصام هناك.. هل كان قراراً خاطئاً؟

لماذا لم تسمح السلطات المحلية بأي تحرك في المكلا؟

ما مستقبل الهبة الحضرمية بعد اعتقال أبرز قادتها؟

كيف يمكن أن تُكمل "هبة الجابري" ما بدأته "هبة بن حريز"؟

حضرموت.. بين هبتين!

(عدن الغد) القسم السياسي:

تبدو حضرموت التاريخية في معزل عما يجري في عموم اليمن، بعيدا عن أزماته وصراعاته العنيفة والمسلحة، وهذا ديدن حضرموت منذ قرون وليس فقط عقود.

مثلت حضرموت الرافد الأساسي بالمتعلمين وذوي الخبرات والكفاءات والتكنوقراط، ممن تقلدوا أعلى مناصب الدولة ومسئولياتها، وكان هذا حتى في ظل الاحتلال البريطاني البريطاني للجنوب اليمني، وليس فقط عقب الاستقلال الوطني.

ولم تكن بعد حينها حضرموت تشكل سلة من الثروات النفطية والغازية كما هي اليوم، ولكن ثروتها الحقيقية وقتذاك كان الإنسان الحضرمي الذي تم تصديره إلى خارج حضرموت وتبوأ المناصب العليا للدولة والمسئوليات الجسيمة.

كانت حضرموت تقدم الكفاءات والقدرات البشرية دون أن يكون لها نصيب من هذه المشاركة الفاعلة لأبنائها في صنع القرار الخدمي والتنموي لمحافظتهم، التي بقيت لعقود محرومة من أبسط الخدمات.

وللأسف، فإن هذا الحرمان متواصل إلى اليوم، رغم ما تقدمه حضرموت من خيرات نفطية وغازية، وثروات سمكية وزراعية، يتم تصديرها إلى خارج المحافظة، وحرمان أبنائها.

وهو ما دفع هؤلاء إلى الانتفاض، وهبّوا للمطالبة بحقوقهم المشروعة، من الثروات الطبيعية، والتي قالوا إنها يجب أن تصل إلى أهالي حضرموت أولا حتى يكتفوا، ثم يصدر الفائض إلى خارجها.

وهي مطالب مشروعه، كونها حقوقا قبل أن تكون امتنانا أو استعطافا يطلبه الحضارم من غيرهم، فأهالي المحافظة محتاجون للتعويض عن سنوات الحرمان التي عصفت بمحافظتهم لعقود.

ومن أجل نيل هذه المطالب المشروعة والفوز بها، شهدت محافظة حضرموت هبتين شعبيتين خلال السنوات الخمس الماضية، تركزت حول حصول أهالي المحافظة على حقوقهم من الخدمات والتنمية.

> بين المشروع والمحظور

لا أحد يعترض على المطالب المشروعة لأي محافظة من المحافظات اليمنية، وهذا أمر أصيل وأساسي لا يختلف عليه اثنان، خاصةً وأن ثرواتها تستخرج من باطنها.

غير أن الأشياء التي يُنظر إليها بأنها غير مشروعة وتقع في المحظور، هو توجيه هذه المطالب توجيها سياسيا أو حزبيا، أو تحويل أنصار هذه المطالب إلى مسلحين تحت مبرر "انتزاع الحقوق".

لأن مثل هذه الانحرافات في مسار المطالب المشروعة تضر بالمطالب ولا تساعد على توفيرها، وتفتح الباب واسعا أمام معارضي هذه الحقوق المشروعة لتجريمها وإلصاق التهم بها.

وهذا ما خالط مسار "الهبة الحضرمية الثانية"، على الرغم من مشروعية مطالبها وأحقية أصحابها من أهالي حضرموت بما طالبوا به.

غير أن التوجه نحو الرغبة في تشكيل "قوة مسلحة" خاصة بالهبة الحضرمية، وبعيدا عن أطر الدولة ومؤسساتها، جعل منها خطرا كبيرا على الأمن والسلم المجتمعيين في حضرموت.

وبحسب محللين، فإن واقع اليمن والمحافظات الجنوبية تحديدا وتجربتهم مع المليشيات المسلحة يؤكد أن تكوين أية تشكيلات عسكرية وأمنية خارج الدولة لن يجلب معه سوى مزيد من الفوضى.

ولعل التجربة في عدن والمحافظات المجاورة منذ منتصف عام 2017، وما تلاه من أحداث مؤسفة ومواجهات في يناير/كانون الثاني 2018، وأغسطس/آب 2019، خير دليل على ذلك.

فالهبة الحضرمية، على مشروعية مطالبها، إلا أنها وقعت في المحظور، وفق توصيف المراقبين، وهو ما قد في النهاية إلى اعتقال قائدها وفض اعتصام أنصارها في المكلا، يوم السبت الماضي.

> هل وقعت الهبة في أخطاء؟

يعتقد محللون أن الهبة الحضرمية اعترتها بعض المشاكل في مسيرتها التي انطلقت قبل ما يزيد على شهرين، رغم نجاحها في تحقيق كثير من أهدافها.

هذه الأهداف التي استطاعت الهبة تحقيقها، قابلتها مشاكل وأخطاء في مسيرتها، قد تعمل على تهديد استمرارها، وفق رؤية مراقبين.

ومن أبرز هذه الأخطاء هو تحول موقع الهبة من منطقتي العيون والردود إلى داخل حاضرة محافظة حضرموت وعاصمتها، مدينة المكلا، عقب أسابيع من الأصداء الإيجابية للهبة خارج مركز المحافظة.

فهذا الانتقال المفاجئ صنع تخوفا من السلطات المحلية في حضرموت من إمكانية تحول الهبة ومطالبها الحقوقية إلى غايات سياسية تخدم أجندة ومصالح أطراف أخرى، كانت ومازالت تتربص بحضرموت.

لهذا سارعت السلطات المحلية، وعبر قوات أمنية إلى منع إقامة اعتصام الهبة الحضرمية في المكلا تحديدا، لما للمدينة من أهمية كبيرة، خاصة في حالة غياب الأمن والاستقرار، في ظل دعوات سابقة أطلقتها الهبة الحضرمية وقائدها بن حريز بتشكيل قوات مسلحة من أبناء حضرموت.

وهذه الدعوات التي أطلقتها الهبة بتشكيل قوات تابعة لها، لا بد أن تحرّك السلطات؛ التي سارعت عبر محافظ محافظة حضرموت اللواء ركن فرج البَحسني إلى التحذير من هذه الخطوة.

ربما تكون تحذيرات السلطات المحلية بحضرموت مبررة؛ عطفا على رغبتها في منع انزلاق المحافظة إلى مزيد من ظهور التشكيلات العسكرية والأمنية المسلحة البعيدة عن إطار مؤسسات الدولة.

ووفق مراقبين، فإن هذه الأخطاء التي وقعت فيها الهبة الحضرمية قد تهدد استمراريتها، بعد الإنجازات التي حققتها على مستوى المطالب الحقوقية، وأوجدت لها تعاطفا شعبيا وجماهيريا وحتى سياسيا.

> هل انتهت الهبة الثانية؟

يرى البعض أن اعتقال قائد الهبة الحضرمية الثانية، الشيخ صالح بن حريز المري قد يضع حدا لاستمرار الهبة، بالتزامن مع فض اعتصامها الذي كان مقررا في المكلا.

وأصحاب هذه الرؤية يعتقدون ألا مستقبل للهبة بدون قائدها الذي بات اليوم معتقلا في سجون السلطات المحلية بحضرموت.

الأمر الذي يدفع بالتساؤلات إلى الواجهة حول مستقبل الهبة الحضرمية، وما بعد اعتقال بن حريز، رغم الإنجازات التي حققتها الهبة على صعيد الجانب الحقوقي، وتأمين حصة حضرموت من الثروات.

محللون يرجعون أسباب هذه المخاطر التي باتت تحدق بمصير الهبة الحضرمية، إلى تحولها من المطالب الحقوقية والخدمية والتنموية إلى التطبع بطابع السياسة والرغبة في التسليح، والذي انتهجته مؤخرا.

وقد يكون، وفق المحللين، أن قادة اللعبة قد اغتروا بما حققوه من نجاحات وشعبية جارفة في بداية مطالبهم وحجز قاطرات النفط والغاز وشاحنات الاسماك، ورأوا ضرورة التحول سياسيا.

وهذا السبب هو ما يهدد بقاء واستمرار الهبة الحضرمية التي صنعت لها أعداء بتحولها السياسي، بعد أن التف حولها الكثيرون بمن فيهم السياسيون أنفسهم.

لكن في المقابل، يعتقد آخرون أن الهبة الحضرمية التي آلت إلى اعتقال قائدها الشيخ صالح بن حريز المري" لا تعدو عن كونها "هبة بن حريز"، ومحاولة ضمن محاولات عديدة في مسيرة طويلة متواصلة لانتزاع الحق الحضرمي.

فكما سبق هذه الهبة الحضرمية التي قادها بن حريز هَبّات وانتفاضات عديدة، يمكن ان تأتي هَبّات أخرى عقب "هبة بن حريز"، بدأت ملامحها تتشكل في الأفق.

> هبة جديدة!

هبة أخرى بدأت بالتكوّن خلال الأيام الماضية في حضرموت، حتى قبل أن تتحول "هبة بن حريز" إلى المكلا، تمثلت في قائدها حسن بن سعيد الجابري.

ويظن مراقبون أن هذه الهبة الجديدة "هبة الجابري" يمكن لها أن تكمل ما بدأته "هبة بن حريز"، والتي لم تحقق أهدافها كاملة، وإن كانت حقق بعضا منها المتعلقة بالخدمات.

لكن هؤلاء المراقبون يشترطون أن تنأى "هبة الجابري" بنفسها عن أي توجهات سياسية أو عسكرية إذا أرادت أن تمضي في درب استرداد وانتزاع حقوق حضرموت الخدمية التي بدأتها الهَبات السابقة.

فالارتهان للأجندات السياسية والحزبية، والخضوع لمكونات تنظر بعين الطمع والسيطرة على حضرموت وجرها إلى مربعات المماحكات والعنف لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى.