تقرير يرصد مراحل تصدير النفط الخام اليمني إلى الصين ولماذا تعاملت بحذر مع الشأن اليمني وسعت إلى تحسين علاقاتها مع دول الخليج؟

(عدن الغد) خاص:

تقرير يرصد مراحل تصدير النفط الخام اليمني إلى الصين والأدوار الخفية في تحول هذا المسار..

لماذا تعاملت الصين بحذر مع الشأن اليمني وسعت إلى تحسين علاقاتها مع دول الخليج؟

كيف تحول اليمن من ثاني أكبر مصدري النفط الخام إلى الصين إلى دولة لا تصدر تقريباً؟

ما الخطة التي سارت عليها دول الخليج لتسحب البساط النفطي من اليمن؟

كيف تسبب عدم تصدير النفط بانهيار اقتصاد اليمن وبروز شبح المجاعة؟

من يمنع تصدير النفط الخام.. ولمصلحة من.. وإذا صدر أين تذهب إيراداته؟

تصدير نفط اليمن.. من القمة إلى الهاوية!

(عدن الغد) القسم السياسي:

قامت القوى الغربية بعزل الصين الشيوعية دبلوماسيًّا في خمسينيات القرن الماضي، وكان الاتحاد السوفيتي حينها اللاعب المهيمن في الشرق، ما دفع الصين إلى إقامة علاقات مع دول صغيرة، منها اليمن.

وعلى مدى العقود الثلاثة اللاحقة، عملت الصين على بناء علاقات دبلوماسية واقتصادية مع عدة زعماء يمنيين، شماليين وجنوبيين على حد سواء، وبذلت جهودًا للمحافظة عليها، شملت هذه الجهود مشاريع لتطوير البنية التحتية، وتقديم قروض، والاستثمار في قطاع النفط والغاز المُكتشف حينها، إذ بدأت باستيراد النفط لتلبّي احتياجاتها في ظل نمو قطاعها التصنيعي، ولكن مع تغيّر مكانة الصين دوليًّا ومصالحها الاستراتيجية بشكل كبير منذ أوائل التسعينيات، تغيّرت أيضًا علاقتها مع اليمن والقوى الإقليمية الخليجية التي تؤثّر على الحرب الجارية في اليمن ومستقبلها.

>الصين الجديدة: المصالح الاقتصادية قبل الأيديولوجيا

بدأت الصين عام 1978 عملية تحول في نظامها الاقتصادي حيث حلّ اقتصاد السوق الاشتراكي محلّ الاقتصاد شديد المركزية، وكان دينغ شياو بينغ، الذي صعد إلى السلطة بعد وفاة ماو تسي تونغ عام 1976، مؤسس هذا التحوّل الذي أعطى الأولوية عمليًّا للعلاقات مع الدول المتقدمة التي تمتلك رأس المال الأجنبي والتكنولوجيا لدعم تحديث الاقتصاد الصيني، ما يعني تقليل تركيز الصين على التحالفات السياسية مع بعض البلدان النامية لصالح العلاقات الاقتصادية ذات المنفعة المتبادلة، والتي من شأنها تطوير مصالح الصين التجارية.

وبناءً على هذا التوجه الجديد في السياسة الخارجية، تعاملت الصين بعناية وحذر مع المسائل المتعلقة باليمن الجنوبي، وسعت إلى تحسين علاقاتها مع دول الخليج الأكثر ثراء.

وفي مايو 1978، أي بعد ثلاث سنوات من انتهاء تمرد ظفار، أقامت الصين علاقات دبلوماسية رسمية مع عُمان، وكان هذا بمثابة الخطوة الأولى لبكين من أجل تحسين صورتها الراديكالية الأيديولوجية في أعين دول الخليج الغنية بالنفط، غير أن هذا استلزم وقتًا طويلًا؛ حيث لم تكن الرياض مستعدة لإقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع بكين إلا في يوليو 1990، أي بعد التعاون في صفقة سرية أواسط الثمانينيات لشراء صواريخ بالستية متوسطة المدى، تُقدّر قيمتها بأكثر من مليار دولار، وأيضًا في ظل التدهور الواضح للاتحاد السوفيتي.

قبل عام 1990، كانت عُمان وإيران الدولتين الوحيدتين اللتين تزودان الصين بالنفط الخام من الشرق الأوسط. ومنذ 1993 أصبحت الأخيرة تستورد الطاقة أكثر مما تصدرها، وبدءًا من عام 1995، أصبحت الحصة الأكبر من الواردات النفطية تأتي من الشرق الأوسط.

>الصين واليمن

في عام 1996 اتفقت الصين واليمن رسميًّا على تحسين التعاون في مجالات التنقيب عن النفط وإنتاجه وتكريره؛ ووقعتا عقدًا يقضي بشراء مصفاة تشنهاي 30 ألف برميل نفط يوميًّا من اليمن.

بحلول عام 1999، كانت اليمن ثاني أكبر مصدّري النفط الخام إلى الصين، حيث صدّرت 4.1 مليون طن سنويًّا، خلف عُمان بـ5 ملايين طن سنويًّا، وسبقت إيران (رابع أكبر المصدرين بـ3.9 مليون طن سنويًّا) والسعودية (سادس أكبر المصدرين بـ2.5 مليون طن سنويًّا).

ونما حجم التبادل التجاري بين الصين واليمن بصورة مطردة إذ بلغ نحو 70 مليون دولار عام 1990، وبحلول عام 2000، وصلت قيمته إلى 911 مليون دولار؛ حيث بلغت صادرات النفط اليمنية إلى الصين 735 مليون دولار والصادرات الصينية نحو 176 مليون دولار، وعام 2005، تجاوزت قيمة التبادل التجاري بين البلدين 3 مليارات دولار.

واستثمرت شركتان مملوكتان للصين، شركة البترول والكيماويات الصينية (سينوبك) وشركة سينوكيم، في قطاع النفط اليمني خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وعام 2005، وقّعت شركة سينوبك على صفقة بقيمة 72 مليون دولار للتنقيب عن النفط واستخراجه في القطاع رقم 69 في شبوة والقطاع رقم 71 في حضرموت، وعام 2008، سدّدت شركة سينوكيم مبلغ 465 مليون دولار مقابل حصة 16.78% (نحو 6,500 برميل يوميًّا) في القطاع رقم 10 بمنطقة التنقيب شرقي محافظة شبوة، وبحلول عام 2011، بلغ إنتاج الشركتين، سينوبك وسينوكيم، نحو 20 ألف برميل يوميًّا، ما يشكل 8% من إجمالي الإنتاج في اليمن.

وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان الحال الاقتصادي والأمني في اليمن في ظل قيادة الرئيس السابق صالح يرزح تحت ضغط تمرد جماعة الحوثيين المسلح في شمال البلاد، والجنوبيون المطالبون بالانفصال، والمطالب الأمريكية بسحق مقاتلي تنظيم القاعدة.

وسابقا زار صالح بكين في أبريل 2006- وهي ثالث زيارة له منذ عام 1987- سعيًّا للحصول على دعم اقتصادي واستثمارات صينية جديدة؛ أعفت بكين الصادرات اليمنية من التعرفة الجمركية، وأبرم البلدان اتفاقيات لمشاريع مختلفة في الكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بقيمة إجمالية وصلت إلى مليار دولار، كما عرض صالح أرضًا مجانية لأي مشروع صناعي وتجاري تزيد قيمته عن 10 ملايين دولار كمحفّز لرجال الأعمال والمستثمرين الصينيين، ولكن زيادة الصادرات الصينية إضافة إلى انخفاض أسعار النفط بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008 أسفرت عن تحول في الميزان التجاري إلى حد ما، وعام 2010، بلغت قيمة الصادرات الصينية إلى اليمن 1.22 مليار دولار، ووارداتها نحو 2.78 مليار دولار.

>اليمن تتراجع والصين تغازل الرياض وطهران

في بداية عام 2011، كانت الصين تستورد 1.1 مليون برميل نفط من السعودية يوميًّا، وكان البلدان يعززان التعاون في مجال الطاقة، حينها كان نجاح ثورتي تونس ومصر يلهم اليمنيين للانتفاضة ضد نظام صالح الذي أُجبر في النهاية على التنحي، لتستغل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا مكانهن كأعضاء دائمي العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في دعم انتقال السلطة باليمن؛ كجزء من جهود السعودية وغيرها من دول الخليج لتجنب الحرب.

سعى صالح للحصول على دعم روسيا والصين في المجلس، وتوقّع أنهما لن "يأخذا موقفًا متشددًا"، لكن القرار لم يكن في صالحه؛ إذ أيدت روسيا والصين قرار الأمم المتحدة رقم 2014، والذي تم الموافقة عليه بالإجماع في أكتوبر 2011، وبعد شهر واحد، وافق صالح على التنحي.

تدهور الوضع في اليمن أكثر مع استيلاء جماعة الحوثيين المسلحة في سبتمبر 2014 على العاصمة صنعاء؛ بدعم من صالح والموالين له في الجيش، ومطلع 2015، تقدمت قوات الحوثيين وصالح جنوبًا نحو عدن؛ لتشن السعودية عملية عسكرية إقليمية لدحرهم وإعادة هادي إلى السلطة. بحلول هذا الوقت، كانت السعودية هي أكبر مصدّر نفط إلى الصين، وكانت شركة سينوبك تشيّد أول مصفاة لها خارج الصين في المملكة، وهو مشروع مشترك مع شركة أرامكو السعودية التي استثمرت فيها الصين مبلغ 10 مليارات دولار. عندما اجتمع مجلس الأمن ليأخذ قرارًا رئيسيًّا آخر حول باليمن، كانت روسيا هي الدولة الوحيدة التي امتنعت عن التصويت، في حين أكدت الصين دعمها لنهج الرياض في التعامل مع الوضع، وصوّتت لصالح القرار رقم 2216، الذي أعطى الشرعية لحكومة الرئيس هادي، وحظَر بيع الأسلحة إلى جماعة الحوثيين، وطالب بنزع سلاح الجماعة وانسحابها من المدن، وأعطى الضوء الأخضر للتحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات بالتدخل لإعادة السلطة في البلاد إلى حكومة هادي.

ورغم دعم بكين لنفوذ الرياض الإقليمي في الساحة اليمنية، إلا أنها تمكنت من موازنة ذلك عبر دعم إيران في الاتفاق النووي، الذي كان ذا أولوية أعلى لبكين على صعيد الشراكة مع طهران. تم التوصل إلى الاتفاق النووي -خطة العمل الشاملة المشتركة- في يوليو 2015. مثّل الاتفاق فرصة لزيادة الشراكة بين بكين وطهران في مجالات النفط والغاز والتجارة، وأتيحت الفرص أمام الشركات الصينية حين رُفعت القيود الدولية عن إيران مقابل تقديم الأخيرة تنازلات تهدف إلى إبطاء مشروعها النووي.

ورغم الصداقة التاريخية بين اليمن والصين، إلا أن ما أخذته الأخيرة بعين الاعتبار عند التصويت على القرارات المتعلقة بالشأن السياسي اليمني في مجلس الأمن كان علاقاتها مع دول الخليج النفطية.

>الصين والسعودية

بدأت علاقة الصين بالسعودية بالتحسن في الثمانينيات بعد تخلّي الصين عن دعمها للجماعات الشيوعية المتمردة في دول الخليج، وهو قرار براغماتي استند إلى احتياجاتها المتزايدة من الواردات النفطية اللازمة لاستدامة الجهود الهائلة الرامية لتحديث اقتصادها. استرضت هذه الخطوة السعودية التي أصبحت تتمتع بحرية أكثر لإقامة علاقة اقتصادية مع بكين عقب انتهاء الحرب الباردة.

في أوائل القرن الحادي والعشرين، تجاوزت إيرادات الصين من النفط الخام السعودي إيراداتها من النفط اليمني، و تمكنت السعودية من مجاراة الطلب الصيني الثابت والمتزايد من النفط الخام، وعام 2009، صدّرت 42 مليون طن، وكانت المورّد الرئيسي للصين ما ساعد فعليًّا على نهضتها لتصبح على رأس أكبر الدول الصناعية في العالم، وفي نهاية المطاف، لم تعد سياسة الصين الخارجية تجاه اليمن قائمة على مصالح صينية-يمنية بحد ذاتها، وأصبح اليمن مجرد عنصرًا آخر ضمن استراتيجية الصين الإقليمية تجاه دول الخليج، والمصممة لدعم أهداف الصين الاقتصادية، عبر إعطاء الأولوية للسعودية، تليها الإمارات، وغيرها من دول الخليج.

وقبل اندلاع الحرب في اليمن، كانت الصين مستمرة بتعزيز علاقاتها الثنائية التاريخية- ولكن بأهمية أقل من علاقتها مع الرياض وأبو ظبي وطهران- مع اليمن.

تعمّقت الانقسامات السياسية داخل اليمن بعد عام 2011، حين بدأ سقوط نظام الرئيس علي عبدالله صالح، وما تلاها من فترة الانتقال إلى نظام حكم جديد كان مصيرها الفشل، وحين انزلقت البلاد إلى الحرب، تأهبت القوى الإقليمية الثلاث: دعمت إيران جماعة الحوثيين المسلحة، في حين شكلّت السعودية والإمارات تحالفًا عسكريًّا عربيًّا لقتال الحوثيين وإعادة بسط سيطرة الحكومة على كافة الأراضي اليمنية تحت قيادة الرئيس الانتقالي عبدربه منصور هادي، النائب السابق للرئيس صالح.

اتفقت بكين مع السعودية ودول الخليج العربية على نقاط رئيسية، واختارت بالتالي حماية مصالحها الاقتصادية الأساسية التي تشمل توسيع السوق الدولية لمنتجاتها وضمان علاقة مستقرة مع السعودية كونها أكبر مورّد نفط للصين من بين دول الخليج.

وعلى النقيض من روسيا، التي تقدمت في الماضي بمبادرات لتولّي أدوار وساطة جوهرية، لم تُبدِ بكين الكثير من الاهتمام في الانخراط سياسيًّا أو دبلوماسيًّا في الصراع اليمني، ولكنها كانت تدعم على الدوام المصالح السعودية المتعلقة باليمن، وتعرض المساعدة لتخفيف حدة التوتر بين الجهات الخليجية، لأنها تحاول موازنة علاقاتها الإقليمية في الخليج وإبقاء أهدافها الاقتصادية الأوسع على المسار الصحيح.