عشق الكتابة !! (قصة قصيرة)

بقلم / وليد ناصر الماس

تعرفت عليها لأول مرة في حياتي وجها لوجه، لقد نسجت حولها صور ذهنية جميلة من وحي الخيال، ثمة مفارقات صارخة وغريبة تبدت لدي للوهلة، كما لو أنني غارق في حلم جميل رائق أخذت تبدده أصوات مفزعة.

كان المشهد في قمة التناقض، لم تصدق عيناي ما شاهدتاه ألبتة، مظهرها يبعث على التعجب، جسد نحيل ومهترى يخفي وراءه ألف حكاية وحكاية، بشرة حنطية اللون، عينان غائرتان، وجه مستدير مثخن بالتجاعيد صنعتها سنوات طوال من الحزن والحرمان، صوت أجش يشي إلى معاناة لا تنتهي، خُيل إليَّ كما لو أنها قادمة من ما وراء هذا الكون أو من ساكني الكهوف والأدغال، سرت بداخلي رجفة أثارت شجون وحسرات، لم أعد مصدقا لما أرى، كررت سؤالي لها من جديد، وما إذا كانت تلك هي نفسها، ابتسمت بهدوء، أدارت رأسها إلى الأسفل من شدة الخجل مؤكدة ذلك، تلعثم لساني ولم أدر ماذا أقول حيالها، جال تفكيري في الفضاء الفسيح، تزاحمت عشرات بل المئات من الأسئلة المشروعة في خيالي،  باتت جميعها تتطلب إجابات عاجلة وملحة، إذ لم تكن الظروف مواتية لطرقها والتفتيش في خفاياها.

بدت أمامي امرأة لطيفة وهادئة بقدر كبير وفي حالة من التوازن والاعتدال، تتحدث بثقة واقتدار ليس كسائر النساء، منطلقة من ثقافة واسعة وعميقة، لم تضطرب لانزعاجي، أو تتضايق لأسئلتي الموحشة التي انبرت تنهال عليها كالمطر الهطول، أخذت تهدأ من روعتي، وتجبر خاطري المنكسر، بأسلوب في منتهى اللباقة والكياسة، علها تزيح عن كاهلي جبال من الهموم هطلت فجأة.

كانت الصدمة بادية عليَّ بكل وضوح، لم أستطع كتم المشاعر السلبية الهائجة في أعماقي كبركان ثائر، نظراتي زائغة، كلماتي متهدجة، أحاديثي حائرة. 
أدركت للتو نهاية تلك الرحلة المثيرة التي انطلقت خلالها من الخيال وصوره البديعة إلى الواقع وحقائقه المريرة، أوهام كالسراب عشت فيها أيام فاضلة، مرت متسارعة كهبات النسيم العليل.
سنوات من عمري أفنيتها في صنع صورة مذهلة لامرأة لم يسبق لي أن رأيتها قط من قبل سوى من خلال الكتابة، فتزدان صورتها تلك كل يوم ألقا وسحرا، حتى تبدو آية في الحسن والجمال، ثم في لحظة فاصلة تنهار تلك الأماني وتغيب أحلامي.

كيف لي ان أتصالح مع نفسي بعد كل المغامرات غير المحسوبة، بل كيف للكلمات الرقيقة والأسطر الأنيقة والعبارات المنمقة، والردود الهادئة، ان تفعل فعلها وتترك هالة سحرية عجيبة، لأدرك في نهاية مطافي أنني همت في عشق كتابات نادرة وأساليب بارعة، ولم أعشق امرأة كما هي هي...