في ذكرى ثورة 26سبتمبر : حكاية حوار صحفي مع المشير السلال ..

عدن ((عدن الغد)) خاص:

 

طه العامري ..
في عام 1992 م وبمناسبة الذكرى الثلاثين لثورة 26 سبتمبر اجريت حوارا صحفيا مطولا مع الرئيس المشير عبد الله السلال _ رحمة الله تغشاه _ الحوار كان لصحيفة ( التصحيح ) وقد اجريت الحوار  في منزل المشير  الكائن في شارع الزراعة وهو المنزل الذي كان مقرا لقيادة القوات العربية بعد قيام الثورة ، أتذكر أن الحوار استغرق ( كاست ) إلا قليل من الفراغ حين مد المشير يده واغلق المسجلة وقال لي حرفيا: ما هو مسجل للنشر ، وما ساقوله لك الان غير قابل للنشر : كنت قد التقيت بالمشير السلال _ رحمة الله عليه_ لاول مرة في نوفمبر 1991م وتعززت علاقتي به تدريجيا حتى اصبحت مواظب على زيارته بشكل يومي تقريبا من العاشرة صباحا حتى الثانية عشرا ومع كل زيارة كنت اكتشف في شخصية المشير مميزات وصفات  جديدة ورؤى ومفاهيم وقناعات جديدة ايضا ، المهم في ذلك اليوم وبعد ان مد يده واغلق المسجل تحدث بحديث ضاف وخطير عن الثورة والتحديات والعواىق التي واجهتها وموقف بعض الرموز القبلية منها وخاصة التي اعلنت التحاقها بالثورة والصف الجمهوري ومن ضمن ما ورد في حديثه في ذلك اللقاء قوله ( إننا وبعد ثلاثين عاما من الثورة لاتزل القبيلة تتوغل في جسم الثورة والدولة والمجتمع مثل السرطان ) كان حديثه معي - رحمة الله عليه _ حديث الواثق بمن يستمع إليه _ إلى هناء والامر عادي _ لكن ما هو غير عادي ما سيأتي لاحقا ، إذ وبعد تجهيز الحوار للنشر كان علي ان اختار عناوين رىئيسية وفرعية للحوار ولم اتمكن من اقناع المرحوم الاستاذ عبد العزيز  مقبل بالعناوين المختارة لا انا ولا مخرج الصحيفة المرحوم عبد الله المجاهد _ ابو سهيل _ ولا ادري ماذا دفعني لاستنباط عنوان رئيسي للحوار من حديث المشير الغير قابل للنشر وكان الاختيار التالي ( بعد 30عاما من عمر الثورة لا تزل القبيلة تتوغل في جسد الثورة والدولة والمجتمع مثل السرطان ).

 فنال هذا العنوان المانشيت رضاء ومباركة رئيس التحرير وفعلا صدرت الصحيفة صباح اليوم التالي ولم تكاد تصل إلى الاكشاك والمكتبات حتى قامت القيامة على المشير السلال رحمة الله تغشاه من قبل مشاىخ القباىل وكبار رجال الدولة بما في الرئيس ( صالح ) رحمه الله الذي اتصل بالمشير منتقدا ومعاتبا ناهيكم عن الاتصالات التي تلقاها المشير رحمه الله من كبار مشاىخ القباىل ومنهم من اتي إلى منزل المشير والكل كانوا غاضبين من عبارة المشير بحق القبيلة ، الامر الذي دفع نجله المرحوم علي عبد الله السلال لنشر تصريح في ( صحيفة الراصد ) التابعة للزميل المرحوم عبد الودود المطري نفي فيه نفيا قاطعا ان يكون المشير اجرى حوارا صحفيا مع الصحفي طه العامري او التقى به او يعرف صحفي بهذا الاسم ..؟!!
ونزل هذا النفي في صحيفة الراصد بعد ظهر نفس اليوم اي بعد ساعات من توزيع صحيفة التصحيح ، ثم فؤجىت باتصال من المشير للصحيفة  وبما ان مكتب الصحيفة كان يقع امام مقر نقابة الصحفيين في شارع الزراعة وقريب من منزل المشير فقد ذهبت إليه فوجدت حشودا من السيارات والقباىل امام منزله وما ان دخلت حتى اخذني جانبا وقال مبتسما ( ابصرت يا طه ما عملت من نثرة ) كانت ابتسامته لوحدها كفيلة بتبديد حالة الهلع التي انتابتني لحظة دخول المنزل ومشاهدة زحمة المعاتبين ، لم اجد ما اقوله للمشير غير ان ابديت ندمي واسفي ووعد مني بتحمل المسئولية الكاملة في عدد الاسبوع المقبل دون الحاجة لتعقيب منه او نفي .

 ادرك المشير بالفطرة حالة الحرج التي انتابتني فراح يطمني ضاحكا وهو يشدد علي ان أقم بنفي الخبر بما يؤدي لطمس ( النثرة ) وفيما كان هو يحدثني عن النثرة كما وصفها وعن ردود الفعل عليها كنت انا اتامل عظمة الرجل وحكمته وحصافته وسعة صدره وقدرته على امتصاص الازمات ايا كان شكلها وحجمها ، نعم زجدت نفسي امام رجل استثنائي لا يمكن ان يكون له مثيل بين كل الرموز والشخصيات الوطنية ، ولم يخلوا حديثه الجانبي معي من الطرافة والتندر بي وبنثرتي وبردود الافعال الغاضبة التي تلقاها من الاوساط الرسمية والقبلية ، ودعته يؤمها وانا اكرر اسفي وندمي واستعدادي لتحمل المسئولية ، غادرته وانا مثقل بالاسى والاسف والندم لما سببته له من ازعاج ، حاملا في داخلي بركانا من الغضب على رئيس التحرير ، وانقطعت عن زيارة المشير حتى صدر العدد التالي للصحيفة وعليه ما نشيت رئيسي في اعلى الصفحة الاولى وخبر رئيسي في الصفحة الاولى وببنط مميز اعلنت فيه الصحيفة رسميا عن مسئوليتها ومسئولية المحرر في الخطاء غير المقصود الذي وقع فيه المحرر والصحيفة في الحوار الخاص مع المشير عبد الله السلال الذي لم يتضمن حديثه ما حمله العنوان الذي كان من اجتهاد المحرر ..كان الاعتذار قوي ومقبول ومقنع خاصة ان الحوار فعلا لم يحمل في سياقه ما حمله العنوان _ النثرة _ وما ان صدرت الصحيفة حتى هرولت لمتزل المشير حاملا معي ما اثلج صدره فعلا ولم يتردد في التعليق بعد ان فرغ من قراة خبر النفي من القول ( لقد بالغت بالنفي ، كان يكفي الاشارة الى الخطاء غير المقصود ) فقلت له سيدي الرىيس اكرر اسفي عما حدث ولو خصصت كل صفحات الصحيفة للاعتذار لك عما حدث يظل قليلا بحقك ، ولم يحمل ذاك العدد خبر النفي والاعتذار وحسب بل وموضوع كتبته عن المشير في صفحة 3عددت فيه مناقب المشير ودوره وشخصيته وكارزميته الوطنية وقيم واخلاقيات تحلى بها ولايزل ..الاستاذ فيصل العواضي مدير تحرير الصحيفة بدوره كتب في نفس العدد موضوعا عن المشير استعرض فيه ادوار ومواقف المشير الرئيس والقائد والانسان .
رحم الله المشير عبد الله السلال واسكنه فسيح جناته فقد كان قاىدا عظيما لثورة عظيمة في شعب عظيم ..
ان الرجال والزعامات تحديدا تعرف في مواقفها وفي ردود افعالها من الاحداث وقد كان المشير السلال مت هولاء الرجال الاستثنائين الذين عرفهم تاريخنا واحداثنا وشعبنا .