تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا.. الحكومة.. عودة فعلية أم كومبارس !!

(عدن الغد) خاص:

تقرير يستقرأ مستقبل عودة الحكومة إلى عدن في ظل مطالبات دولية وإقليمية..

ما الذي سيتغير إذا عادت الحكومة؟

(القسم السياسي) عدن الغد:

حرّك الشارع العدني، ومعه الحضرمي المياه الراكدة في مدن جنوب اليمن، بعد أشهر من معاناة خدمية ومعيشية غير مسبوقة.

الأمر الذي دعا كبريات دول العالم، وعظماءها الخمس، بالإضافة لقطبي التحالف العربي إلى التأكيد على ضرورة عودة الحكومة اليمنية إلى عدن؛ ومزاولة مهامها.

لكن هذه المطالب بعودة الحكومة تصطدم بالكثير من العقبات التي تجعل منها أمرا صعب التنفيذ على أرض الواقع، فهناك ما يمنع تحقق مطالب كهذه.

ورغم وعود الدعم الدولي للاقتصاد اليمني، والوقوف إلى جانب الحكومة معيشيا وخدميا، إلا أن ثمة أمور ترتقي لمستوى "عدم الثقة" بين أطراف الصراع في عدن، تحول دون استشراف مستقبل ناجح لعودة الحكومة.

كما أن الأحداث التي شهدتها عدن، ومتوالية عملية طرد الحكومة واقتحام مقراتها في المدينة، تجعل هاجس تكرار مثل هذه العملية قائما، الأمر الذي يقود إلى عدم جدوى العودة، إلا في حالة توفر ضمانات.

وقبل الخوض في جزئية الضمانات، لا بد من التعريج على الدلالات التي تحملها الضغوط الدولية في اتجاه عودة الحكومة إلى عدن.

خاصةً في ظل انعدام الخدمات وقصورها، وارتفاع أسعار القوت الأساسي للمواطنين، عطفا على تدهور سعر صرف العملة المحلية.

فهذه الدلالات ليست الحكومة اليمنية، "معسكر الشرعية"، هو الوحيد المعني بها فقط، ولكن أيضا تشير إلى تلميحات بقصور المجلس الانتقالي فينا يتعلق بالملف الخدمي والمعيشي.

ففي الوقت الذي تؤكد الضغوطات الدولية ضرورة عودة الحكومة إلى عدن، لممارسة مهامها في تدارك الوضع المعيشي والخدمي داخل كافة محافظات جنوب اليمن، كونها مسئولة أخلاقيا عن معيشة المواطنين.

فإن هذه المسئولية وحتى وإن لم تأتِ بشكل صريح، إلا أنها تضمنت إشارات إلى قصور وعجز يرتقى لمستوى الفشل في التعامل مع شغل الفراغ الذي تركته الحكومة بعد طردها مرارا من عدن.

وهو أمر وارد أن يتكرر في حالة عودة الحكومة مرة أخرى إلى عدن، ما لم يتم معالجة العديد من الملفات ذات الصلة الوثيقة بمطالب عودة الحكومة.

دور الكومبارس

عقب أحداث أغسطس/آب 2019، وطرد الحكومة من عدن بعد مواجهات دامية استمرت أياما، لم تعد الحكومة اليمنية إلا في نوفمبر/تشرين ثاني من ذات العام، لكنها سرعان ما عادت أدراجها.

كان الفريق الذي عاد فريقا مصغرا، مكلف بصرف المرتبات المتأخرة، لكنه لم يستمر طويلا في عدن، ولم تعد الحكومة إلا بعد نحو عام كامل أو يزيد.

31 ديسمبر/كانون ثاني 2020، كانت عودة حكومة المناصفة المفخخة بصواريخ الحوثي على مطار عدن الدولي، وذلك بعد مشاورات ماراثونية استمرت عاما لتشكيل حكومة يكون الانتقالي عضوا فيها.

وما لبثت أن غادرت هذه حكومة المناصفة عدن عقب اقتحام متظاهرين لمقرها في قصر معاشيق خلال مارس/آذار 2021، ولك تعد منذ ذاك الحين.

هذه المحطات كلها لم تكن الحكومة بمفهومها الخدمي متواجدة في الداخل اليمني، بل كانت مجرد "كومبارس" لا يملك من القدرة شيء، ولن تحقق أي تقدم خدمي أو معيشي حقيقي يستشعره المواطن.

كل ذلك لسبب بسيط هو عدم سيطرة الحكومة على قرارها، وعدم امتلاكها مقومات تنفيذ سياستها وخططها الخدمية، مقابل سيطرة أكبر خصومها على الأرض في محافظات جنوب اليمن.

ودور 'الكومبارس" هو ما ينتظر الحكومة في حال عودتها مرة أخرى إلى عدن مع عدم تغيير الظروف التي عانتها من قبل، وفي ظل عدم وجود ضمانات تغير من شكل وجود الحكومة في عدن، وتجعلها قادرة على العمل.

ومثل هذه الأدوار تعتمد على قبول الحكومة من عدمه للعودة رغم عدم تغير الظروف التي حالت ظون تحقيق ومزاولة مهامها.

عودة بلا ضمانات

قد تكون الحكومة اليمنية قد قدمت الكثير من التنازلات التي جعلت منها في موقف لا تحسد عليه، حيث بدت أقل حظا مقارنة مع خصومها السياسيين والعسكريين في الداخل.

وفي هذه التنازلات ما يبررها إنطلاقا من كون الحكومة مسئولة أخلاقيا أمام شعبها وأمام المجتمع الدولي لتظهر بمظهر الساعي للعمل على توفير خدماته.

غير أن خصوم الحكومة والقوى المناهضة لها لا تفهم هذه اللغة، وتعتبر أية تنازلات حكومة انتصارا لها، في إطار انتزاع مكاسب سياسية وعسكرية ضمن جولات مع الخصوم.

لهذا يحذر كثير من المراقبين الحكومة من الانصياع لعودة جديدة إلى عدن دون وجود ضمانات حقيقية، تضمن عملا خدميا يحسن وضع الناس معيشيا ويساعد على استقرار الخدمات.

ولعل تلك الضمانات التي تنشدها تتمثل في تنفيذ الملفات الأمنية والعسكرية الخاصة باتفاق الرياض، وعودة مؤسسات الدولة ومرافق الحكومة العامة إلى حضن الحكومة.

وهي ضمانات وملفات شائكة، من الصعب أن ينصاع المجلس الانتقالي بقواته وتشكيلاته الأمنية والعسكرية بتنفيذها، بل أنها شكلت محور الخلاف وسبب عدم قيام الحكومة بمهامها الخدمية ومسئولياتها تجاه المواطنين.

لكن فشل أو نجاح الحكومة في حال عودتها يقوم على تنفيذ هذه الجوانب، وإتاحة المجال لمساحة واسعة ومناسبة للتحرك والعمل الخدمي.

ودون تحقق ووجود مثل هذه الضمانات فسيكون فشل الحكومة في انتشال الوضع المعيشي واردا وحتميا، بكل أسف.

هل يتواطؤ العالم مع الانتقالي؟

لم يخفِ العديد من المحللين انتقادهم لمطالب الرباعية الدولية، ودول مجلس الأمن الدائمة العضوية بعودة الحكومة إلى عدن.
وهذا الانتقاد قائم على كون هذه العودة تحتاج إلى ضمانات وتهيئة الساحة لنجاح عمل الحكومة، فالدعم الدولي للاقتصاد الدولي بحسب وعود الرباعية والدول العظمى غير كاف في تحقيق الاستقرار المعيشي والخدمي.
حيث لا بد من توفر بيئة مناسبة للعمل، واستقرار أمني يساعد الحكومة بمختلف وزراءها -بما فيهم وزارء الانتقالي- على العمل والإنجاز، وإزاحة المعاناة عن كاهل المواطنين.

وانتقاد المحللين لمطالب المجتمع الدولي للحكومة بالعودة إلى عدن، يرجع إلى أن هناك احتمال من وجود تواطؤ مع الانتقالي، بسبب عدم الإشارة إلى حثه على تهيئة البيئة الملائمة لعمل الحكومة.

أو حتى دعوة الانتقالي إلى تنفيذ ما تبقى من اتفاق الرياض في بنوده العسكرية والأمنية التي لم تنفذ منذ توقيع الاتفاق في نوفمبر/تشرين ثاني 2019.

غير أن احتمال كهذا بتواطؤ المجتمع الدولي مع الانتقالي أمر غير وارد، خاصةً في ظل تردي الخدمات والمعيشة في مناطق سيطرة الانتقالي، وخروج الاحتجاجات الشعبية ضد سلطاته الأمنية في عدن ولحج.

كما أن مطالبة الحكومة بالعودة لتوفير الخدمات يؤكد فشل وعجز الانتقالي عن القيام بأي شيء، وهو ما دفع الرباعية الدولية والخمس الكبرى إلى الضغط نحو عودة الحكومة لسد هذا العجز.

وفي حالة حدوث تقييد لأعمال الحكومة مرة أخرى، أو التضييق عليها في حال عودتها مجددا، فإن لا أحد يمكن أن يتحمل مسئولية ذلك مثل المجلس الانتقالي الجنوبي بقواته ووحداته الأمنية والعسكرية المسيطرة على عدن تحديدا.

كما أن الفشل الحكومي المتوقع في حال عدم توفير الضمانات سيتحمل جزء منه التحالف العربي باعتباره ضامنا وراعيا لاتفاق الرياض، الذي لم تنفذ بنوده الشائكة أمنيا وعسكريا، وهو ما سيحتم عليه دورا مهما وحيويا بضمان عودة ناجحة للحكومة.