تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا: مكونات الجنوب الأخرى.. هل حانت لحظة توحيد الصف؟

(عدن الغد )خاص:

تقرير يبحث عوامل تفاقم تشظي الجبهة السياسية الجنوبية خلال السنوات الست الماضية وإمكانية لمّ الشمل الجنوبي..

هل يتبنى الميسري وباعوم جهود توحيد الجنوبيين؟

لماذا فشلت كل المبادرات سابقا في لملمة الشتات الجنوبي؟

هل هناك قوى إقليمية أو دولية تغذي الصراع الجنوبي الجنوبي؟

ما أبرز العوامل التي أعاقت توحيد اللحمة الجنوبية؟

كيف يمكن تقريب الرؤى وتوحيد القوى الجنوبية تحت مظلة الوفاق الوطني؟

هل يعيد الجنوبيون الاعتبار لجنوبهم؟

تقرير / صديق الطيار:

أدى الصراع السياسي الأهلي الذي امتد لأكثر من ست سنوات (بعد تحرير المحافظات الجنوبية من مليشيات الحوثي) إلى ولادة مراكز قوى جنوبية اختلفت في توجهاتها بين النزعة الاستقلالية الكاملة وبين الساعية إلى شبه الاستقلال الذاتي ضمن نظام اتحادي. احتويت وجهات نظرهم وقضاياهم حتى زادت ديناميكيات الحرب الحالية من الحكم الذاتي الجنوبي، ما شجع في نهاية المطاف بعض النخب السياسية الجنوبية من أن تقرر أن فرصها في الحكم قوية بما فيه الكفاية.

حيث يحرص كل مكون وفصيل جنوبي على تقديم نفسه كممثل للشعب في الجنوب والقضية الجنوبية وعدم اعتراف كل مكون بالآخر، إضافة إلى تأثيرات القوى الإقليمية والدولية على الشأن الجنوبي مما يشكل تحديات كبيرة أمام الوصول إلى اتفاق موحد بين الجنوبيين، ما جعل التوصل إلى رؤية موحدة شاملة أمر شائك رغم المحاولات العقلانية والمنطقية التي يتبناها بعض عقلاء الجنوب في سبيل لملمة الشتات الجنوبي المبعثر محليا وخارجيا.

اتحاد الفصائل الجنوبية

أنهت المعارك التي اندلعت عام 2015 ما اعتبره العديد من الجنوبيين "الهيمنة الشمالية" على الجنوب بعد تحرير المحافظات الجنوبية من قوات الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح.

حينها اتحدت الفصائل الجنوبية لصد القوات الشمالية. انضم الرئيس عبدربه منصور هادي (جنوبي) ومن يواليه من قادة عسكريين ومسؤولين مدنيين إلى الجنوبيين المعارضين، الذين يمثلهم شخصيات سياسية من الحراك الجنوبي وقوات المقاومة المسلحة المحلية.

تقاسم هادي والحراك الجنوبي السلطة بعد التحرير وتسلّمت قيادات محسوبة على الحراك مناصب في السلطة المحلية والسياسية. ولكن شهر العسل الجنوبي لم يدم، إذ أقال الرئيس هادي عام 2017 وزراء ومحافظين جنوبيين..

بعد إقصائهم من السلطة، أعاد "جنوبيو المعارضة" تنظيم أنفسهم في إطار المجلس الانتقالي الجنوبي بموجب إعلان عدن التاريخي في مايو 2017، وتسلم اللواء عيدروس الزُبيدي رئاسة المجلس.

عادت الانقسامات السياسية الجنوبية المتواجدة منذ فترة طويلة إلى الواجهة. تتعلق إحدى نقاط الخلاف الرئيسية بتركيبة البلاد المستقبلية. فلقد تبنى الجنوبيون الموالون لهادي خيار الأقاليم الستة والذي اُقترح في فبراير 2014 ورفضته حينها معظم فصائل الحراك الجنوبي. أما المجلس الانتقالي الجنوبي فتمسك بخيار الانفصال.

العامل الثاني وراء هذه التوترات يرتبط بظلال التاريخ والتنافس الحاد بين مجموعتين سياسيتين اجتماعيتين: “الزمرة”، التي يتركّز نفوذها بشكل أساسي في محافظة أبين، مسقط رأس الرئيس هادي، والتي استفادت تاريخياً مع محافظة شبوة من الولاء للأنظمة الحاكمة السابقة، و”الطغمة”، التي يتركّز نفوذها في محافظتي الضالع ولحج.

أما العامل الأخير فتمثل بالدعم الإقليمي: تموضع جنوبيو المعارضة في دائرة النفوذ الإماراتية، بينما تماهى الجنوبيون الموالون للحكومة إما مع توجهات الرياض، اللاعب الإقليمي المهيمن، وإما مع توجهات الدوحة الراغبة بالتواجد في عدن بدلاً عن أبوظبي.

استفاد المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 من زخم القضية الجنوبية لتثبيت نفسه سياسياً وتوسيع نفوذه الجغرافي وبناء هياكله الداخلية ليعمل كحزب ويحاكي الدولة ومضاعفة قوته المسلحة.

ولكنه، حتى هذه المرحلة، ظل يراوح مكانة “كقوة أمر واقع” ولم يحاول الاستفادة من قوته ليتحول إلى "سلطة أمر واقع". ركزت إستراتيجية الانتقالي المرحلية على تعريف المجلس كبديل للجنوبيين داخل الحكومة وعلى تأمين مقعد على طاولة التفاوض الأممي في المستقبل كممثل عن القضية الجنوبية.

اندلعت اشتباكات بين قوات الحكومة والقوات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في عدن في يناير 2018، إلا أن هناك عدة أسباب منعت الانقسام الجنوبي-الجنوبي من الذهاب إلى نقطة اللاعودة منها تشارك الطرفين في مواجهة الحوثيين لاسيما في معارك الساحل الغربي كجزء من الهجوم نحو الحديدة. كما كان كلا الطرفين لا يزالان منهمكين بتعزيز قوتيهما.

ولكن نزاع مفتوح اندلع في أغسطس 2019 بين القوات الحكومية والقوات التابعة للمجلس الانتقالي في عدن واتسع ليشمل أبين وشبوة. وأدت هذه التطورات إلى دفع المصالح الجنوبية نحو موقع قوي استراتيجيا.

اتفاق الرياض

عندما وُقع اتفاق الرياض في نوفمبر 2019، قدمته السعودية كوصفة مثالية للحفاظ على السلام وتطبيق حكم موحد في الجنوب. ولكن بنود الاتفاق لم تبصر النور حتى الآن. تعثر تنفيذ الاتفاق بسبب غموض النص وغياب آلية تنفيذية صارمة.

عوامل فشل توحيد الجنوبيين:

غياب المصداقية

يتساءل سياسيون عما إذا كان الجنوبيون يريدون فعلا أن يتوحدوا أم أنهم مازالوا يتوغلون في رفض بعضهم البعض تحت وهم أن كلا منهم صاحب الحق في تمثيل الشعب الجنوبي.. مؤكدين أن الجميع أخفق في إيجاد الطريقة المناسبة لرص الصف الجنوبي وأضاعوا فرصا تلو الأخرى، موضحين بأن فشل الكثير من المبادرات الساعية لتوحيد الصف يكمن في كونها لا تحمل في طياتها آليات واضحة تؤسس لنقاش جاد بين الأطراف الجنوبية حيث تفتقر كل المبادرات إلى المصداقية في تبني قضية الشعب في الوقت الذي يردد الكل شعار (ندعو الجميع) إلا أن حقيقة تلك الدعوة في الواقع يشير إلى معنى (لا نريد أحدا).

فشل فكري وسياسي

وأوضح السياسيون أن من أسباب شتات الصف الجنوبي أيضا الجهل والفشل الفكري والسياسي لقيادات الجنوب في جميع المراحل وعجزها في تسويق القضية الجنوبية وكسب التأييد الإقليمي والدولي، مشيرين إلى أن القيادات الجنوبية لم تكن تمتلك رؤية واضحة في كيفية إنجاح القضية الجنوبية وكسب التأييد الإقليمي والدولي لها وطمأنتهم إلى مستقبل الجنوب، وبدلا من ذلك عمل كل منهم إلى استثمار القضية الجنوبية والصراع على زعامتها، لافتين إلى أن خيارات الجنوبيين باتت محدودة اليوم وأن الجنوب لا يمتلك في الوقت الراهن القيادة السياسية والرؤية الموحدة والبناء المؤسسي والأمني.

أدوات عمل متخلفة

وعزى متابعون أسباب إخفاق التوحد الجنوبي إلى تخلف أدوات وأساليب العمل السياسي والتنظيمي ووجود شخصيات تتصدر المشهد الحراكي الثورية أثبتت على الرغم من وطنيتها عجزها في استيعاب المتغيرات، موضحين بأن تلك الشخصيات ركنت إلى الحراك التفاعلي الثوري في الشارع الجنوبي واكتفت بإصدار البيانات والتصريحات والخطابات وإلى التسابق على تسجيل المواقف ضد بعضها وضد نفسها أحيانا انطلاقا من نظرية الحرص على البقاء في واجهة المشهد.. لافتين إلى أن تلك الشخصيات بذلك تسحب من رصيد الشارع الجنوبي لصالحها معتقدة أن ذلك سيوصلها إلى بغيتها.

وأكدوا أن المشكلة تكمن في تلك النظرة المغلوطة بحيث لا تدرك تلك الشخصيات أنها بتلك الأساليب إنما تعيق حركة وحراك الشارع بل وتعمق الانقسامات المستندة إلى خلافات شخصية وغير جوهرية.

حب التصدر

كما رأى مراقبون أن مشكلة تشظي الجبهة الجنوبية السياسية تكمن في حب التصدر والزعامة، لافتا إلى أن أبرز أسباب فشل مبادرات توحيد الصف هو اعتمادها على تلك الأطراف التي تغلب أهدافها الشخصية ورغباتها وخصوصيات مكوناتها على الصالح العام للجنوب، لافتين إلى احتمال وجود تدخلات أو اختراقات للجبهة الجنوبية لتفتيتها عبر الإغراء بالمال أو المناصب أو غير ذلك.

غياب الحامل السياسي

كما يؤكد آخرون أن غياب العمل التنظيمي هو نتيجة عدم وجود تنظيمات ومكونات حقيقية، لها أعضاؤها ونشاطاتها واجتماعاتها ومؤتمراتها وامتدادها على مستوى الجنوب، ولديها رؤى وبرامج سياسية واضحة، ومشاريع وأهداف تسعى

إلى تحقيقها عبر طرق وأساليب منهجية بحيث تتمكن من التأثير، مؤكدين على أن غياب مثل هذه المكونات التي تمتلك مثل تلك المواصفات جعل الجنوب في حالة شبه انعدام الوزن وفي حالة صعود وهبوط، مؤكدين

أن ما هو موجود الآن من مكوّنات تفتقر إلى جوهر العمل التنظيمي وإلى أبسط صفات المكوّنات السياسية والنضالية، وهي تعتمد على شخص أو مجموعة أشخاص، فتشتت نضال الجنوب.

إمكانية إعادة اللحمة الجنوبية

لا يبدو أن إعادة اللحمة الجنوبية والحد من التشظي الجنوبي بعيد المنال إذا صدقت النوايا وأخلص الجميع للصالح العام وابتعدوا عن البحث عن المصالح الشخصية وتناسى الجميع الجراح ووحدوا الرؤى والأهداف.

الميسري وباعوم.. هل يجمعان الطيف الجنوبي؟

يعد المناضلان المهندس أحمد الميسري وزير الداخلية نائب رئيس الوزراء السابق والزعيم حسن باعوم رئيس المجلس الأعلى للحراك الثوري، من أبرز رجالات الجنوب الذين يمتلكون الحس الوطني الجنوبي، حيث يبدو أن لديهما توجها لوقف النزيف الجنوبي والتفكك المتسارع في صفوف الجبهة الجنوبية على كل المستويات.

حيث استقبل الزعيم حسن باعوم صباح أمس في منزله المهندس أحمد بن أحمد الميسري، وناقش الجانبان مجريات الأحداث الجارية في محافظات الجنوب، مشددين على أهمية لحمة الصف الجنوبي بجميع أطيافه السياسية.

فهل نرى في الأيام القادمة اتئلافا يحتوي جميع الجنوبيين تحت مظلة واحدة بعيدا عن كل الحسابات المضادة للأهداف العامة لكبل الجنوبيين؟