تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا: من يريد تفكيك الشرعية ؟

(عدن الغد )خاص:

تقرير يتناول التحركات والأحداث الهادفة لخلخلة كيان الشرعية اليمنية منذ ست سنوات..

هل هناك محاولات منذ بدء الحرب لتفكيك الشرعية بشكل كامل؟

كيف بدأ تأسيس ألوية ووحدات أمنية خارج إطار الشرعية.. ولماذا؟

كيف ساهم إخراج الرئيس والحكومة خارج البلاد بإضعاف الشرعية؟

هل هناك توجه لإحلال مكونات سياسية بديلة للشرعية؟

كيف أضعف اتفاق الرياض الشرعية.. وهل سيضع الاتفاق المسمار الأخير في نعشها؟

هل هناك مخطط سياسي ممنهج لإنشاء كانتونات صغيرة بديلة عن الشرعية؟ 
 (عدن الغد) القسم السياسي:

 تدخل التحالف العربي في اليمن دعما للشرعية اليمنية أواخر مارس/آذار 2015، وهي التي منحته قانونية تواجده الحالي في البلاد مذاك الوقت حتى اليوم.

كما أن القرارات الدولية الصادرة في الشهور التالية لهذا التدخل، جعلت من استعادة الشرعية اليمنية وإنهاء الانقلاب الحوثي، أساسا لتلك القرارات الأممية، التي تُجمع على إنهاء الانقلاب.

كما أن الشرعية اليمنية ومن وراءها التحالف العربي مافتئت تتمسك بما أسمته "المرجعيات الثلاث" التي تؤكد على عودة الشرعية إلى صنعاء، وإنهاء تمرد المليشيات الحوثية.

ولهذا باتت الشرعية اليمنية هي الجهة المعترف بها دوليا لدى الدول العظمى، والمخاطب المسئول عن الدولة اليمنية، حتى عند الدول التي تدعم الكيانات المناوئة لهذه الشرعية.
 
تفكيك الشرعية

يعتقد مراقبون أن محاولات تجاوز الشرعية اليمنية بدأت منذ وقت مبكر خلال بدء الحرب في اليمن.

وهذا ما يستند إليه مناهضو التحالف في اتهامه بتهميش الشرعية اليمنية، ليس فقط خلال فترة بداية الحرب، بل وحتى أثناء المفاوضات السرية التي أُعلن عنها مؤخرا.. مؤكدين أن هذه التصرفات ليس هدفها فقط تهميش الشرعية، ولكنها تمثل أيضا جزءا من سياسة التحالف لتجاوز الشرعية وتفكيك أركانها.

كيف حوصرت الشرعية؟

عقب تحرير المناطق والمحافظات الجنوبية من سيطرة مليشيات الحوثي، لم تعد الشرعية اليمنية بكامل قوامها إلى الداخل باعتبارها السلطة الرئيسية، والجبهة الأساسية في مواجهة الحرب الحوثية.

فالتهديدات التي ضربت مواقع التواجد الشكلي والضعيف للحكومة خلال الشهور الأولى التي أعقبت التحرير، دفعتها لمغادرة عدن.

وهذا الفراغ ساعد الجماعات والمكونات المتطرفة على التواجد بقوة في المحافظات الجنوبية، لشغل غياب السلطات وأجهزة الدولة التي كان يفترض تواجدها منذ الوهلة الأولى للتحرير.

كما أن هذا الوضع، والفوضى الأمنية التي انتشرت نتيجة غياب الدولة ومؤسساتها الأمنية، حالت دون عودة رأس الدولة ورئيس الجمهورية إلى الداخل.

بل وصل الأمر إلى منع الطائرة الرئاسية من الهبوط في مطار عدن ذات مرة، بتوجيه السلطات الحاكمة بأمرها في عدن.

كل هذه الظروف جعلت من الشرعية وكأنها محاصرة، وممنوعة من العودة إلى المناطق المحررة؛ مما ساهم في تصاعد المطالب بضرورة إنشاء وتأسيس مكونات أمنية وسياسية تشغل الفراغ الذي تركه غياب الشرعية ومؤسساتها الرسمية.

تأسيس الألوية والوحدات الأمنية

بدلا من التوجه المباشر لاستعادة أجهزة الدولة الرسمية، وإحياء دور المؤسسات العسكرية والأمنية التي كان يديرها ويسيطر عليها أطراف مسئولون عن اجتياح الجنوب في 2015، تم إنشاء وحدات وألوية خارج إطار الدولة.

قد تكون بعض تلك الألوية والوحدات والتشكيلات تأسست بناء على قرارات رئاسية وجمهورية، بحسب مطالب قوى في التحالف وضغوطات تمت عقب تحرير عدن، وتحت تأثير نشوة الانتصار، إلا أنه تم توجيهها بشكل مناهض للشرعية وللرئاسة اليمنية.

فكانت النتيجة أن تم استخدام تلك الوحدات ضد مؤسسات الدولة، واستغلالها في المواجهات التي شهدتها عدن خلال مواجهات يناير/كانون الثاني 2018، وأغسطس/آب 2019، وطرد الشرعية من المدينة.

وبالفعل، كانت التشكيلات والألوية هذه بمثابة الشوكة التي منعت استقرار الأوضاع لصالح الشرعية اليمنية في عدن والمحافظات المحررة.

وهو ما ذهب ببعض المحللين إلى اعتباره سببا لتقويض سلطات الشرعية اليمنية، وبشكل ممنهج، تم التخطيط له منذ اللحظات الأولى لتحرير المحافظات الجنوبية.

وحتى اليوم، ورغم تضمن بنود اتفاق الرياض ضرورة تجاوز هذه الإشكالية التي بدأت في الشهور الأخيرة من 2015، وبداية 2016، إلا أن التشكيلات والوحدات الأمنية لم تدمج بعد ضمن إطار مؤسسات الدولة وأجهزة الشرعية الرسمية.

ولم يقتصر هذا الأمر على التشكيلات الأمنية والعسكرية المتواجدة في عدن والمحافظات الجنوبية، بل تعداه ليشمل بقية المحافظات المحررة مثل تعز.

والتي شهدت هي الأخرى تشكيل قوات ووحدات أمنية وعسكرية خارج إطار الحكومة الشرعية وسلطات الدولة، ما جعل الأمر وكأنه ممنهج ومنظم بشكل واضح.

 الإحلال السياسي

الجانب العسكري والأمني لم يكن وحده الذي كشف التوجهات المبكرة لتفكيك جبهة الشرعية اليمنية، وإحلال أجهزة بديلة لها.

فحتى الجانب السياسي هو الآخر شهد محاولات لإزاحة الشرعية من المشهد، وذلك من خلال منافسة الحكومة الشرعية في المناطق المحررة.

ويبدو أن انقلاب الحوثي في المحافظات الشمالية وجد له مروجين لتكراره في المحافظات الشمالية، وذلك عبر توجيه الوحدات والتشكيلات الأمنية والعسكرية وتوظيفها لنصرة كيانات سياسية مناهضة للشرعية.

وعلى الأرض، فقد تحقق هذا الهدف خلال مواجهات وأحداث أغسطس/آب 2019، من خلال مقارعة قوات الشرعية وطردها، وإحلال مكون سياسي، كمسيطر على الأرض وسلطة أمر واقع في عدن وبعض المحافظات الجنوبية.

وهذا المكون السياسي الذي يبدو أنه حلّ بالفعل محل السلطة الشرعية للحكومة في عدن المحافظات الجنوبية، استطاع تحقيق اعتراف ليس فقط محلي بل وحتى إقليمي ودولي، وهو ما ضمنه اتفاق الرياض، الذي أشركه في حكومة مناصفة معترف بها دوليا.

يأتي ذلك في ظل تنازلات تلو أخرى قدمتها الحكومة الشرعية لصالح هذا المكون السياسي الحديث، وسط ضغوطات إقليمية ومن رعاة الاتفاق لتمرير السلطة الواقعية للانتقالي على الأرض على حساب الشرعية.

ما دفع بعض المحللين لاعتبار أن اتفاق الرياض ما هو إلا مسمار أخير يتم غرسه في نعش الشرعية اليمنية؛ عطفا على التنازلات التي قدمتها وتقدمها هذه الأخيرة، وفق ضغوطات مستمرة.

ورغم هذا الإحلال السياسي للانتقالي لا يتعدى حضوره في عدن ولحج والضالع، وأجزاء من شرق أبين، ما يوحي بأن هذه المنطقة التي يجب أن يبقى فيها هذا المكون، وألا يتجاوزها إلا بعد ضوء أخضر وموافقة من اللاعبين المؤثرين.

 كانتونات وجزر متفرقة

ولعل في هذا الإلزام، والبقاء في إطار هذا المربع الضيق للانتقالي، وتحديد مربعات أخرى لسلطة الشرعية لا تتجاوزها هي الأخرى في غرب أبين وشبوة، وحضرموت، ومأرب ومناطق معينة من تعز، ما يرسم خريطة معينة تبدو ملامحها وأبعادها واضحة إلى حد ما.

هذه الخريطة السياسية للمحافظات الجنوبية والمناطق المحررة، تبوح بأسرار كثيرة، أكثرها جلاءً أن هناك توجها للإبقاء على الوضع في تلك المناطق على ما هو عليه، ليدخل ذلك في إطار تقسيم متعمد وممنهج.

يبدأ هذا التقسيم من عزل المهرة شرقا، وسقطرى جنوبا عن خضم الصراعات المتداخلة في بقية المناطق، والتي تقسم وفق منح الشرعية أجزاء واسعة من حضرموت ومأرب وشبوة، وأجزاء محدودة من ابين وتعز بينما يمنح الانتقالي عدن، لحج، والضالع وأجزاء من أبين، وقوى أخرى مسلحة وسياسية مستحدثة مؤخرا يتم إعطاؤها الساحل الغربي وأجزاء من غرب تعز، مع إبقاء معظم الشمال بيد المليشيات الحوثية.

هذا الوضع المتمثل في الجزر المتفرقة، قد يستمر طويلا، في حالة عدم التوصل لأي اتفاق سياسي شامل للأزمة اليمنية، وهو وضع قد يغري اللاعبين الدوليين والإقليميين في كثير من المجالات.

أبرز تلك المجالات أن الكانتونات والجزر المتفرقة هذه، تتيح وضعا أفضل للسيطرة والتحكم، كما يمنح اللاعبين فرصة لإدارة مناطق منعزلة مثل المهرة وسقطرى، وهذه الفوائد التي نشاهدها اليوم لم تكن لتحدث لولا تفكيك جبهة الشرعية وتجاوز التعامل معها لصالح كيانات وقوى مسلحة عديدة.