حركة الفنون التشكيلية في عدن .. دعوة للحياة

كتب / محمد كليب أحمد

برز الفن التشكيلي في عدن في مراحل متقدمة من ستينيات القرن الماضي ، ولكنها تبلورت بشكل واضح في تأسيس تكتل فني ينظم شؤون فنانيها وأنشطتهم بشكل إتحاد للفنانين التشكيليين بعد الاستقلال الوطني بفترة وجيزة وتحديداً في بداية عام 1972م .. وحينها بدأت الفنون التشكيلية في عدن تحتل حيزاً ملحوظاً من الأنشطة الثقافية والفنية بالمحافظة عدن كعاصمة ، وفي بقية المحافظات .

 واستطاع التشكيليين الحصول على فرص عديدة في المشاركات الفنية داخل الجمهورية وخارجها على مستوى الوطن العربي ، وحيث كان إتحاد الفنانين التشكيليين على علاقة وثيقة بإتحاد التشكيليين العرب ، وكذا الأشقاء الفنانين في دولة الكويت والذين كان لهم دوراً ملموساً في الإسهام بدعم إتحاد التشكيليين في عدن وأعضاءه بمختلف الخامات والأدوات الفنية لتسيير نشاط الفنانين في عدن ومشاركاتهم العربية والدولية ..

 وقد حظيت الحركة التشكيلية في عدن باهتمام كبير ومكانة ملحوظة لدى الدولة ، فكان لهذا الاتحاد الفني دور لا يستهان به في مختلف الأنشطة الثقافية والفنية على مستوى الدولة بكافة مرافقها الحيوية وأجهزتها الرسمية.

بل لقد كانت بطاقة عضوية إتحاد الفنانين التشكيليين تكاد ترتقي لمستوى الحصانة الدبلوماسية للفنان إن جاز لنا التعبير ..

ومن المؤسف أنه في أوج هذا الازدهار الفني والثقافي ، يتم تجميد نشاط إتحاد الفنانين التشكيليين في عدن بصورة غير معلنة وبشكل هادئ وغامض دون أي ضجيج منذ عام 1990م ليختفي التكتل الرسمي للتشكيليين في عدن ، وتندثر معه كل الفعاليات الفنية السابقة وتتلاشى جموع المبدعين المنطويين في إطاره ، خاصة بعد أن فقد الاتحاد – مسبقاً – العديد من كوادره من خلال سفرهم خارج الوطن هروباً من بعض الضغوط أو الأحداث السياسية التي مرت عليهم منذ الاستقلال وحتى مغادرتهم الاضطرارية بحثاً عن ملاذ آمن للعيش أو ممارسة نشاطهم الفني بحرية أكبر خرج حدود الوطن .

ومنذ العام 1990م وحتى عام 2016م تجمدت كل الأنشطة الفنية للتشكيليين في عدن ، وأخمدت شعلة مشاركاتهم الفاعلة في الحياة الثقافية والفنية بالكامل في ظل انهيار تام لأي شكل رسمي أو شبه رسمي يظم هذه النخبة من المجتمع ..

وفي محاولات مختلفة بعد العام 2016م لإعادة تشكيل كيان نقابي أو فني لتجميع التشكيليين وتأطيرهم ، ومحاولة إعادة دمجهم في نقابة أو جمعية وطنية يمكنهم من خلالها مزاولة أنشطتهم والإسهام في إعادة تشكيل الوعي الثقافي والفني والوطني أيضاً للخروج من دائرة التجهيل والتردي الثقافي المجتمعي الذي عاشه الوطن طوال أكثر من ثلاثين عاماً تحت وطأة محاربة الثقافة وروأد الفن والانحطاط الحضاري الذي شهدناه وعايشناه جميعاً دون استثناء لكل أطياف المجتمع وفئاته .

فتشكلت نقابة للتشكيليين الجنوبيين ، وجمعية التشكيليين الجنوبيين ، ونشط بعض الفنانين في الدعوة لإعادة تنشيط اتحاد الفنانين التشكيليين في عدن .. كل ذلك في محاولة واضحة لإعادة كيان حقيقي يمثل الفنانين ويدافع عن مصالحهم ويسترد لهم بعض حقوقهم التي فقدوها طوال تلك الفترة الماضية .

ومع كل تلك الجهود المضنية لذلك الهدف النبيل ، لم يرتقِ الحال إلى ما يرجوه الفنانين وما يأملونه  حتى اليوم ..

إذ أن الجهات الحكومية الرسمية لا تهتم لا من قريب أو بعيد عن حال هذه الشريحة من المجتمع ، ولا تلتفت – مطلقاً – للدور الهام الذي يمكن أن تقوم به الحركة الفنية الثقافية في إعادة بناء وتشكيل الوعي المجتمعي في قادم الأيام ومستقبل الأجيال !

وهنا نجد أنه من الأهمية بمكان أن نجدد الدعوة الصادقة لكافة الفنانين التشكيليين في عدن بضرورة التلاحم والتعاون الجاد والمثمر في إعادة مثل هذه الأنشطة الثقافية الفنية ، والتقارب الفكري نحو الهدف الأثر أهمية وهو فرض وجودهم كفئة فاعلة ومؤثرة في المجتمع ، وبذل المزيد من العمل لتنشيط مثل هذه الأشكال النقابية أو الجمعيات الفنية رغم كل الظروف والصعاب والإحباطات المتتالية التي قد تعيق البعض – أحياناً – ولكن لن تثنيهم أو تبعدهم عن المسار العظيم الذي نشقه جميعاً وننشد فيه انتزاع العديد من حقوقنا التي سُلِبَتْ منا طوال تلك السنوات العجاف التي عشناها ولا نريد التردي فيها أطول من ذلك !