تقرير سياسي في الصحيفة الورقية ليومنا هذا: السلام في اليمن.. لماذا يتعثر؟

(عدن الغد )خاص:

تقرير يتناول مصير الحرب في اليمن بعد أنباء عن تعثر جهود العمانيين في صنعاء..

هل ستتحول الحرب في اليمن إلى حرب منسية؟

لماذا تعثرت جهود السلام حتى اللحظة؟

الحوثيون.. ما هي نواياهم تجاه السلام؟

التحالف.. ما رده على المطالب حول ضمانات السلام؟

لماذا فشلت الشرعية في هزيمة الحوثي عسكريا؟

ما قدرات الحوثي لفرض شروطه العسكرية والسياسية؟

كيف ينظر العالم للحرب في اليمن.. وهل ما زالت مهمة بالنسبة له؟

مصير الصومال.. هل يتربص باليمن؟

ما هي الشروط الواجب توفرها لأي عملية سلام حقيقية؟

تقرير/ بديع سلطان
في السادس والعشرين من مارس/آذار عام 2015، تفجرت الحرب في اليمن، بتدخل خارجي ضمن قوام تحالف عربي، سعى إلى إيقاف اجتياح المليشيات الحوثية للمحافظات اليمنية، بعد انقلابهم على السلطة الشرعية.

حينها أعلن التحالف العربي أن الحرب لن تدوم أكثر من أسابيع، أو أشهر على أكثر تقدير، متوقعا أن يسلم الإنقلابيون الحوثيون أسلحتهم الثقيلة وينسحبون من المدن والمحافظات التي سيطروا عليها، وتعود الشرعية إلى العاصمة صنعاء.

غير أن شيئا من ذلك لم يحدث، وظلت الحرب مستعرة ومستمرة في البلاد، بل دخلت قبل شهور عامها السابع، رغم الكثير من الجهود الإقليمية والدولية لجمع المتحاربين على طاولة المفاوضات لإحلال السلام.

الحرب المنسية
تبدو حسابات الحرب في اليمن معقدة للغاية، فمنذ الوهلة الأولى لاندلاعها تأكد للجميع مدى حساسية هذه الحرب، وصعوبة معرفة موعد حقيقي لإنهائها أو إعلان طرف استسلامه أو إيقاف إطلاق النار دون أن يظهر بمظهر المنتصر.

ويعود التعقيد الذي سيطر على الحرب في اليمن إلى العديد من العوامل والأسباب، أهمها أن الحرب شهدت تدخلا خارجيا محكوما بأهداف تتعلق بالأمن الإقليمي للقوى المتورطة في الحرب.

ولن تعمل تلك الأطراف على إيقاف الحرب حتى تضمن أمنها على الحدود مع اليمن، وتقوض ما تعتبره تهديدات مباشرة لأراضيها.

كما أن تداخل مصالح وأجندات دول وقوى إقليمية ودولية أخرى لها أياد واضحة فيما يجري في البلاد، يحول دون إيقاف هذه الحرب، بل أنها تسعى جاهدة إلى إطالة أمدها؛ عبر دعم أدواتها وحلفاءها في الداخل اليمني.

ونظرا لخضوع الحرب اليمنية لتجاذبات الإقليم والعالم، وحسابات المجتمع الدولي، فإن ذلك يهدد بجعل الحرب في اليمن "حربا منسية"، عطفا على تناقضات وتباينات دولية تمنع وصولها إلى نهاية أكيدة.

بالإضافة إلى دخول الصراع اليمني في سياسة الابتزاز بين الدول الكبرى، حيث صارت أداة للمساومة بين أطراف الصراع الدولي، ليس فقط الإقليمي، بل حتى المتصارعون من الدول العظمى على ممرات الملاحة الدولية.

تعثر جهود السلام

ولعل تلك التناقضات الدولية والتجاذبات التي يعيشها الصراع اليمني عصفت بكافة الجهود المبذولة منذ ست سنوات، والتي ما زالت مستمرة حتى اليوم، لإحلال السلام.

آخر تلك الجهود كانت الوساطة العمانية التي تواجدت في صنعاء منذ أيام، قبل أن تغادر يوم أمس الجمعة، على وقع اتهامات لأطراف الصراع بإفشال هذه الوساطة، والتي عوّل عليها المجتمع الدولي واليمنيون البسطاء الكثير من الآمال لتحقيق السلام.

ورغم أن التفاؤل كان يحيط بزيارة الوفد العماني إلى صنعاء، وما رافقها من تسريبات بالتوصل إلى اتفاقات لفتح مطار صنعاء وميناء الحديدة وإيقاف الحرب تمهيدا للجلوس على طاولة الحوار والمفاوضات، إلا أن كل ذلك التفاؤل ذهب أدراج الرياح.

مغادرة الوفد العماني صنعاء، ترافق مع أنباء عن فشل مباحثاته ومشاوراته مع زعيم الحوثيين وقادة المليشيات، بعد يوم من إعلان الانقلابيين الحوثيين عن تعرض صنعاء لغارات جوية من التحالف العربي.

وهو الاتهام الذي نفاه التحالف العربي، ما فتح المجال واسعا أمام تحليلات تشير إلى وجود طرف ثالث يسعى إلى عرقلة جهود السلام في اليمن، وإطالة أمد الحرب.

فيما رأى مراقبون أن تعثر جهود السلام تعود إلى عدم استعداد أطراف أصيلة في الصراع اليمني لا تريد أن تضع هذه الحرب أوزارها.

نوايا الحوثيين

يعتقد محللون أن الحوثيين ما زالوا مخلصين لأساليبهم في الاستمرار بالمكوث في مربعات الحرب والصراعات ولا ينوون مغادرة الحرب.

ويحمل كثير من هؤلاء المحللين المليشيات الانقلابية مسئولية استمرار الحرب منذ ست سنوات، نتيجة انقلابهم على الشرعية اليمنية منذ اجتياح صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، وسيطرتهم على السلطة في يناير/كانون الثاني 2015.

بالإضافة إلى رفض الحوثيين كافة نتائج المشاورات والمفاوضات التي شهدتها جنيف السويسرية ودولة الكويت الشقيقة، وأخيرا تعنتهم في رفض المبادرة السعودية ومغادرة العمانيين صنعاء بخفي حنين.

ويُرجع المحللون تعنت الحوثي وعدم رغبته في السلام، نظرا لنواياه السيئة والراغبة في استمرار الحرب والصراع، حيث طبيعة المليشيات التي تقتات على الصراعات وتعيش على الحرب، ولا يمكن أن تزهر أو تبقى في ظل السلام.

وليس أدل على ذلك، مواصلة المليشيات الحوثية هجماتها الوحشية على مدينة مأرب، وقصف مناطق المدنيين ومخيمات النازحين هناك، والتي كان آخرها قصف محطة حي الروضة بمأرب، وسقوط 21 قتيلا من المدنيين بينهم الطفلة ليان التي تفحم جثمانها نتيجة وحشية الحوثيين.

تلك الهجمات المستمرة من الحوثيين وعبر الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة والمفخخة، حتى في ظل تواجد الوفد العماني الوسيط لإحلال السلام، وفي ذلك تأكيد على عدم وجود أية نية او رغبة حوثية في السلام.

التحالف وضمانات السلام

ورغم هذه الحقيقة المسلم بها، وعدم رغبة الحوثيين في السلام، إلا أن المليشيات تتهم التحالف العربي بعدم منح أية ضمانات حقيقية لإحلال السلام.

وفي هذه المزاعم الكثير من المجافاة للواقع، خاصة وأن أبرز ضمانة قدمها التحالف العربي هو الاستعداد للسلام عبر فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة، كضمانات أساسية قبل الخوض في أية مفاوضات تعقب وقف إطلاق النار من التحالف والحوثيين بالتزامن.

وهي الضمانات التي حملها الوفد العماني إلى حكام صنعاء، ويبدو أنها لم تغرِ الحوثيين بالموافقة عليها بما فيه الكفاية، الأمر الذي قد يعيد طرح العديد من الخيارات الأخرى.

وهي الخيارات التي كان على التحالف العربي الاهتمام بها بشكل جدي منذ ما قبل ست سنوات، هي عمر الحرب التي تدخل فيها، غير أنه لم يحقق أهدافه التي تدخل بناء عليها.

وهو الأمر الذي يعيدنا للحديث عن دور التحالف وأدواته في هذه الحرب، والتساؤل حول التأخر في حسم الصراع عسكريا.

لماذا تأخر الحسم؟

رفض الحوثيين لجهود السلام يُرجعه كثير من المراقبين إلى سياسية النفس الطويل، التي ارتكزت واعتمدت عليها المليشيات الحوثية، مقابل تراخٍ واضح من التحالف والقوات الحكومية في حسم الأمور عسكريا.

ففي الشهور الأولى من الحرب، ساهمت الغارات الجوية في إضعاف القوة الحقيقية للحوثيين، وكانت الأوضاع سانحة لتحقيق رغبة الشرعية والتحالف على السواء في القضاء على الحوثيين.

غير أن إطالة أمد الحرب والتوقف في عملية التحرير التي لم تستكمل أعطت الحوثيين مصدرا للقوة ومنحتهم فرصة لتهريب الأسلحة رغم فرض التحالف حظرا جويا وبحريا على البلاد، بهدف منع وصول الدعم الإيراني للحوثيين.

لكن الدعم والخبراء كانوا يتدفقون على مناطق الحوثيين، حتى أصبحت المليشيات تتنفس الصعداء وتلتقط أنفاسها حتى استعادت قوتها وتسليحها، بل أنها تمكنت من الحصول على تقنيات حربية جديدة.

وهنا تكمن المعضلة، التي منحت الحوثيين شروطا عسكرية وسياسية جديدة، لإطالة أمد الحرب، ورفضهم لكل جهود السلام التي تعثرت وانصدمت برفض المليشيات التي أصبحت اليوم أقوى من قبل.

ومن الطبيعي أن يرفض القوي السلام، لأنه يرى أنه قادر على فرض ما يريد بالقوة، فلا داعي للسلام إذاً.. وهذه هي رؤية الحوثيين بالفعل.

لهذا يرى محللون أن نهاية الحرب لن تتم إلا إذا كان الحوثيون في أضعف مراحلهم، وأن يتم سلبهم من أسباب ونقاط قوتهم، وبدون ذلك فلن تنتهي الحرب، كأحد أهم الشروط لإحلال السلام.

مصير الصومال!

يخشى الكثير من المراقبين أن تتحول الحرب في اليمن إلى حرب منسية، بسبب تعنت الحوثيين، ونتيجة سأم العالم وملله من الرفض المتواصل وعدم نجاح جهوده السلمية.

كما لا يتمنى اليمنيون أن تتحول بلادهم إلى صومال أخرى، تركت فيها الحرب مستعرة طيلة ربع قرن وأكثر، قبل أن يلتحم الصوماليون ويتوحدون لإنقاذ ما تبقى من بلادهم.

وهذا الوضع يبدو أنه يتربص باليمن، في ظل صمت دولي على جرائم الحوثيين ووحشيتهم التي تجسدت قبل ست سنوات خلال اجتياحهم لعدن، وحاليا عبر محاولاتهم وهجماتهم على عدن.

وبرأي كثيرين فإن السلام يجب ألا يستجدى من الحوثيين، بل ينبغي أن ينتزع ويُفرض عليهم بالقوة، فلا سلام إلا بين الأقوياء، ولا يمنح سلام لضعيف.. وحتى لا تكون حرب اليمن منسية.