هكذا يستقبل الفقراء العيد في عدن(تقرير)

(عدن الغد)خاص:

تقرير/عبداللطيف سالمين:

يتكرر الأمر كثيرا، منتصف شهر رمضان يأتي العيد مجدداً على مواطني المدينة يؤكد فقرهم، ويذكرهم بمقدار عجزهم وقلة حيلتهم، وعوضا عن أن تكون أيام الاستعداد له مملوءة بالفرح، باتت فقط دقائق مريرة ترسم في قلوبهم مشقة الزمان وصعوبة الحرمان.

ومع بداية العشر الأواخر من كل رمضان تشهد أسواق بيع الملابس ومستلزمات العيد ازدحاماً شديداً واقبالا واسعا من جميع سكان عدن لشراء وبين كل عام وآخر يلاحظ نمو في معدل أسعار الشراء والبيع، ومع الأوضاع الاقتصادية الأخيرة التي شهدتها مدينة عدن أصبح الأمر في هذه السنة يشكل عبئاً مضاعف، جراء غلاء أسعار ثياب العيد ومستلزماته. 

هكذا يستقبل الفقراء العيد في عدن.

لحظات الاستعداد للعيد تمر بشكل مختلف على أولئك الذين فضلوا التعفف وأنفوا عن مد يدهم للغير، تمر بطيئة رتيبة، مملوءة بالانكسار وانهزام يصعب على الكلمات وصفه. تمر ثقيلة وتدهس معها قلوب الأطفال الذين هم بأمس الحاجة للحظات الفرح. 

وبينما الجميع يتأهب استعداداً لعيد الفطر ، اليوم الذي يعبر فيه الناس عن فرحتهم بملابسهم الجديدة، وتعم أجواء المرح.. هناك من يبكي وحيداً في منزله.. أب أعيته الحيلة عن إيجاد طريقة لتوفير كسوة العيد لاولاده، وأم تندب حظها الذي أوقع عائلتها في الفقر.

كيف سيكون العيد بالنسبة لمن بالكاد يجد قوت يومه؟ 

الغلاء يقتل فرحة العيد 

ارتفاع الأسعار يكاد يكون عاماً وشاملاً لجميع السلع، ولكن أسعار الملابس، لا سيما ألبسة الأطفال، قصتها مختلفة، حيث إن أسعارها أقرب إلى الخيال، والمؤكد أن لا أحد يشتري سوى المضطر هذا العام، حيث أكد جميع من استطلعت رأيهم أن عملية الشراء لا تتم في حال وجود إمكانية للتأجيل أو الإلغاء، لكن في حال كان لا بد منه، يضطرون للشراء متناسين ما كان يعرف بملابس العيد الجديدة، وقد أكد بعضهم أنهم لجأوا إلى اقتراض المال بهدف شراء ملابس لأبنائهم الذين ليس لديهم ملابس لهذا العيد.

المواطنين يشكون جنون أسعار الملابس

هكذا يبدو المشهد في ليلة 42 من شهر رمضان في عدن، المارة يتوافدون على الأسواق بغزارة، القلق حاضرٌ على وجوهِ الجميع، الشوارع شبه ممتلئة، في آخر الزقاق يفترش "احد الباعة " جزءاً من رصيف "شارع الطويل " في مديرية كريتر،  بالقرب منه يقف رجل يبدو عليها أنه في العقد الخامس من عمره، يحمل باحضانة طفل لم يكمل الثلاثة أعوام بعد، وقفت من بعيد أراقب وهو يحاول بيأس شديد إقناع البائع، أن يعفيه عن بقية المبلغ الذي يطالب به كقيمة للباس الذي ينوي شراءه لطفله، وبلا مبالاة يخبره بلهجة صارمة "معك خراج وإلا الله يفتح عليك". كنت قد اقتربت بالقدر الكافي كي أسمع هذه العبارة وأرى وقعها على الرجل ، التي بالكاد يحاول لملمة نفسه وإعادة اللباس لمكانه.

استاذنته بالحديث وسألته: "لمَ لا تبحث عن بائع آخر قد تجد عنده شيئا أفضل بسعر يناسب ميزانيتك".

التفت ناحيتي ورمقني بنظرة غاضبة وحزينة: "درت السوق لما وجعوني رجولي، الناس جننت، أسعار خيالية على ثياب عادية جدا، وما عاد في حد حتى يبايعك، العيد عيد العافية يا ابني، والله كريم".

ذهبت للمشي في أروقة السوق، استطلع عن الأسعار، ذهلت من مدى تغيُر الحال الذي باتت تعيشه المدينة مجبرة، أبجدية الباعة المتجولة ممسوخة بالكاد أفهمها، الجميع ينبسُ بالهراء، أحاديث سياسية تتخلل عملية البيع والشراء، نفس العبارات الفارغة المملة يهزج بها الباعة في الثانية آلاف المرات حتى تشعر بالاختناق.

وفي جولتي تلك في أسواق الشيخ عثمان، التقيت بعدد من المواطنين الذين أبدوا امتعاضهم من ارتفاع أسعار الملابس بشكلٍ ملحوظ.

أثناء جولتي كنت أفتشُ في وجوهِ الأطفال -الذين يمشون بجوار أهاليهم- عن بسمة وردية، علها تدبُ الحياة في أوصالي البائسة، لكن كدت أجن من هولِ الفاجعة، براءة الأطفال تكاد تكونُ معدومة، ملامحهم تتقلبُ ببؤس شديد يملاؤهُ الغضب.

حتى الأسواق الشعبية إصابها الجنون

بالعادة تزايد إقبال المواطنين، خاصة ممن لا يملكون القُدرة المالية، على شراء ملابس أولادهم من الأسواق الشعبية، التي تشهد ازدحاماً خلال تلك الأيام مع اقترب عيد الأضحى، لذا قررت الذهاب هناك ومعاينة الأسعار.

وصلت إلى سوق "الشرطة مول" بجانب المحلات يفترش الباعة أرضية الشارع بأكمله، بدأت بمعاينة الأسعار بداية من الباعة في الشارع، الأسعار باهظة الثمن، تحتاج لأكثر من عشرين ألف ريال كي تشتري بدلة شبابية واحدة، بالرغم من أن الملابس هناك رديئة معرضة للتمزق جراء مكوثها مكشوفة ومعرضة للشمس طيلة اليوم.

دخلت أحد المحلات، الملابس المعروضة عادية جدا، وليست بتلك الجودة كي يطالب أصحابها بكل تلك المبالغ الجنونية والتي تفوق ما وجدته بالخارج.

دخلت محلاً آخر، وبعد شدة وعناء التفت لي البائع، سألته عن الأسعار ووجدت أن البضاعة ذاتها في المحل الآخر ولكن بفارق سعر أكبر يصل إلى سبعة آلاف ريال!

أثناء ذلك قطع حديثنا أحد الشباب الذي كان بجانبنا يتفحص، بدقة في أرجاء المكان باحثا عما يسد به شهيته للشراء، وقال دون مقدمات: يبيعوا لنا البسة مقلدة على أنها صناعة أصلية، لا يوجد عليها ما يدل أنها من صنع تلك الدولة، وأحياناً لا يوجد ما يدل على مكان صناعتها وتباع بذات الأسعار للبضاعة الأصلية".