(تقرير).. ما هي فرص النجاح السانحة أمام المشاريع السياسية في الجنوب؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يتناول المشاريع السياسية في الجنوب وتنافسها في  ظل أجندة خارجية متصارعة

كيف يمكن لهذه المشاريع أن تنجح في وجود أجندة سياسية خارجية متصارعة؟

من يقرر مستقبل الجنوب.. الخارج أم الشعب أم المكونات السياسية؟

ما هي المشاريع الثلاثة التي تحملها المكونات السياسية في الجنوب؟

لماذا أصبحت الأجندة الخارجية هي المسيطرة على المشهد في ظل تراجع
المشاريع الوطنية؟

الجنوب.. إلى أين؟

تقرير / عبدالله جاحب:

في خضم الأحداث التي يعج بها جنوب اليمن، وحالة عدم الاستقرار الذي يضرب
المحافظات الجنوبية المحررة، التي تقف على مفترقات الطرق، تتخطف الجنوب
عدد من المشاريع السياسية التي تطرح على الطاولة للخروج بمشروع أمثل.

إن ضبابية المشهد السياسي في الجنوب وحجب الرؤية السياسية للجنوبيين في
تحديد خط مسارهم المستقبلي، يجعلهم في حالة عدم ثبات في التوافق على
المشروع السياسي الذي يتناسب مع طبيعة ووزن وحجم الجنوب السياسية.

عدم الاستقرار على مشروع سياسي واحد في الجنوب، وتصارع القوى السياسية
التي ترى نفسها ومشروعها الحل الأمثل للجنوب والجنوبيين يصعب ويعقد
المشهد السياسي ويجعل السفينة الجنوبية متخبطة في الوصول إلى شواطئ بر
الأمان وتبرز هناك ثلاث مشاريع سياسية ترى الأطراف السياسية انها تمثل
سفينة النجاة للجنوب وهي كالتالي:

مشروع الوحدة (الإيجابيات - السلبيات)

الوحدة اليمنية أحد المشاريع التي يقاتل بعض الأطراف السياسية من أجل
بقائها، وتثبيت حضورها في الجنوب، بينما يرى البعض الآخر بأنه الكابوس
الذي يجب استئصاله، وعدم عودته نهائياً إلى الجنوب.

الوحدة اليمنية، التي وقعت في الثاني والعشرين من أيار مايو1990م في عدن،
جاءت كنتيجة طبيعية للانهيار البطيء للاتحاد السوفياتي، فكان لا مجال
لإنقاذ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي انتهت عمليا في الثالث
عشر من كانون الثاني يناير 1986م إلا بالتوجه للوحدة مع الشمال.

كانت الوحدة قارب النجاة للجنوبيين وصراعاتهم التي أخذت في مرحلة معينة
طابعا مناطقيا، وانهت الوحدة سنوات طويلة من الصراعات بين الشمال
والجنوب، وكان لا يمكن ترسيم الحدود مع سلطنة عمان ولا مع المملكة
العربية السعودية دون الوحدة.

ليس صحيحا أن لا إيجابيات للوحدة، على الرغم من حجم السلبيات، فالوحدة
سمحت بوضع الأسس لدولة حديثة كان يمكن أن تستفيد من تجربة الجنوب حيث
كانت هناك إدارات تعمل بفعالية وفي ظل حد أدني من الانضباط.

لكن لابد من الاعتراف أن حجم السلبيات كان ضخماً، خصوصاً منذ العام
1994م، وفشل كل محاولات المصالحة مع الحزب الاشتراكي الذي كان شريكاً في
السلطة.

تراكمت السلبيات منذ حرب صيف 94، وتفوقت هذه السلبيات على الايجابيات على
الرغم من كل المحاولات في إصلاح الأمور.

وشارك الإخوان في تعميق وتوسيع تلك السلبيات التي كانت محصورة في تغيير
المجتمع وفرض قيود عليه وتهميش الجنوبيين في ظل الوحدة، وغياب التوازن
الذي كان يشكله الحزب الاشتراكي.

ان من سلبيات مشروع  الوحدة اليمنية هو تعميم  الفوضى المصحوبة بالفساد،
التي كانت مسوغا لكبار القيادات العسكرية الشمالية وغيرها من مشايخ
القبائل والأعيان للاستيلاء على الأراضي دون حسيب أو رقيب في عدن أو
حضرموت، وكان ذلك محرما في صنعاء عاصمة الوحدة.

فشلت معظم محاولات التنمية في عدن الذي كان يأمل بها الجنوبيين، بما في
ذلك تطوير الميناء، ولم تكن هناك أي استثمارات جدية مساعدة.

وفي هكذا ظروف وتقلبات ومتغيرات وأحداث سياسية وعسكرية تعصف بالجنوب، هل
أن مشروع الوحدة اليمنية هو المشروع السياسي الأمثل والأنسب للجنوب رغم
السلبيات التي صاحبت الوحدة، أم أن الوحدة مشروع سياسي لم يعد يقبله
الجنوب وأصبح مجربا وغير صالح للاستهلاك السياسي جنوبا؟.

مشروع الدولة الاتحادية

من المشاريع السياسية التي تطرح بقوة في جنوب اليمن، ويتبنى ذلك المشروع
السياسي الرئيس هادي، الذي يرى في ذلك الحل الأنسب والأمثل الذي يتلاءم
ويتناغم مع وضع اليمن الآن.

عادة ما يروق لرجال السياسة وصف الفيدرالية بأنها هندسة سياسية للجمع بين
متناقضين، حيث يمكن الحفاظ على بقاء الحكومات المحلية والدولة الاتحادية،
مع منح الأقاليم والمقاطعات صلاحيات شبه مستقلة.

ولذا، لا ينتج عن هذه "الهندسة" غير أمرين: إما أن تنهض الأقاليم وتعزز
قدراتها ومواردها وتتنافس في ما بينها، وبالتالي تنهض الدولة الاتحادية
كمحصلة نهائية لنهوض الأقاليم. أو تتعزز نزعة الاستقلالية، ويبدأ إقليم
أو أكثر بالتمرد والمطالبة بحق تقرير المصير، وهذا يعني تفكك الدولة
الاتحادية، خاصة حين يكون التقسيم الفيدرالي على إقليمين كما حدث في
باكستان، أو على ثلاثة أقاليم كما حدث في روديسيا التي انقسمت بأقاليمها
الثلاثة إلى ثلاث دول.

مزايا وعيوب

ومميزات النظام الفيدرالي أنه يعمل على تجديد روح المنافسة وضبط معايير
للكفاءة والاختيار دون اللجوء إلى القوة والسلاح، ويعزز حضور التجربة
الديمقراطية في أوسع نطاق بين فئات الشعب، ويدفع الحكومات المحلية
المنتخبة إلى تحمل جزء كبير من الأعباء الملقاة على عاتق الحكومة
المركزية، ويتيح الفرص أمام تعدد التجارب الاقتصادية والثقافية والسياسية
في كل إقليم.

لكن أهم عيوب النظام الفيدرالي حاجته الدائمة إلى دولة ذات وفرة مالية
كبيرة تضمن تنمية الأقاليم الفقيرة، حتى تصل بها إلى الحد الأدنى من
التنمية، ويحتاج إلى وفرة مال كنفقات تشغيلية لجميع مؤسسات الحكومات
المحلية بكل مكاتبها وفروعها، ويحتاج إلى إعادة بناء متناغم في منظومتي
القضاء والأمن في الأقاليم.

ويحتاج كذلك إلى دولة ذات قبضة عسكرية وأمنية قوية قادرة على ردع حركات
التمرد والانقسام في الأقاليم، كما فعلت الولايات المتحدة حين حركت جيشها
وأمنها في مواجهة ولاية فرجينيا الغربية التي طالبت بالاستقلال عام
1861م.

ويرى الكثير بأن ما يعيق هذا المشروع السياسي في الجنوب هو عملية تقسيم
البلاد إلى ستة أقاليم حسب ما جاء في الحوار الوطني والدستور وأعلن عنه
الرئيس هادي.

حيث إن هذا التقسيم سوف يخلق مزيداً من الصراعات السياسية الجديدة تضاف
إلى الصراعات السياسية الحالية في جنوب اليمن.

وهذا ما يجعل الجنوب في دوامة الفوضى والعنف وعدم الاستقرار السياسي، وهو
ما سيحول دون تحقيق تنمية تذكر في المستقبل القريب أو البعيد.

إن التقسيم إلى ستة أقاليم تقسيم يرى البعض بأنه خطير على الجنوب نظر لا
نه تقسيم يخلق صراعات سياسية وحدوية بين الأقاليم الستة خصوصاً وأن البعض
دون منافذ بحرية والبعض منها بقي دون أي موارد.

مشروع الانفصال

مشروع يصارع من أجل البقاء والاستمرار، ويتمسك دعاة الانفصال بهذا
المشروع، ويرون ذلك المشروع أفضل المشاريع السياسية التي تتناغم وتتوافق
مع الرقعة والبيئة الجغرافية السياسية في الجنوب.

مشروع الانفصال هو مشروع سياسي ليس وليد اليوم أو اللحظة هو مشروع قديم
بوجوه قيادية جديدة تسلمت الراية وترى في الانفصال قارب النجاة للجنوب،
والقشة التي تقصم كل المشاريع السياسية المطروحة على الطاولة بين الفرقاء
السياسيين.

يعيش الجنوبيون انقسامات بين مؤيد ومعارض للمشروع الانفصالي، ويدخل طرف
ثالث بين معارضي ومؤيدي الانفصال، بالموافقة على المشروع السياسي، ولكنهم
يرون أن توقيته غير مناسب، والظروف ليست ملائمة لإعلانه في الجنوب في
الوقت الراهن.

قد يكون مشروع الانفصال في الجنوب هو الأمثل والأنسب للجنوب والجنوبيين،
ولكنه يبقى مشروعا يفتقد لكل المقومات الأساسية التي تؤهله على أرض
الواقع الملموس.

وفي نفس الموضوع قالت كوثر الشاذلي نائب رئيس الائتلاف الوطني الجنوبي في
اليمن إنّ "الائتلاف لا يسعى إلى السلطة بل يرغب في أنّ يتاح المجال
للجميع للمشاركة في اليمن القادم".

وترى كوثر الشاذلي أنّ "طرح قضية الانفصال في الوقت الحالي لا يعد منطقيا
وأنّ اليمن الاتحادي وفق ما جاء في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني سيكفل
للجميع حقوقاً متساوية ويضمن معالجة القضايا الشائكة للقضية الجنوبية".

وأضافت الشاذلي أنّ القيادات التي تدّعي أنّها حاملة للمشروع الجنوبي
تسعى إلى الدخول في شراكة مع الشرعية وتحقيق "مكاسب سياسية"، حسب
تعبيرها.

الأجندة الخارجية

تتصارع في الجنوب أجندات خارجية لدول عديدة تتشابك مصالحها أحيانا،
وأحيانا تتنافر، في ظل غياب مشاريع وطنية حقيقية بإمكانها فرض نفسها على
الواقع السياسي والاجتماعي.

ويمكن القول إن هذه الدول أكانت كبيرة أم صغيرة تسعى إلى تجيير المشهد
السياسي لصالحها من خلال دعم المكونات السياسية بالمال لكسب ولائها
للحصول على مكاسب سياسية قريبة وبعيدة.

لقد اصبح الجنوب، وتحديدا عدن، ميدانا واسعا لصراع الاجندة السياسية
الخارجية لاسيما وقد وجدت هذه الاجندة مكونات على استعداد للعمل مع
الخارج لحماية نفسها من ناحية والحصول على المال لتسيير برامجها من ناحية
اخرى.

وهناك سؤال يتبادر الى الذهن: من يقرر مستقبل الجنوب؟ بالنظر لهذه
الاجندة المتصارعة ومشاريع المكونات السياسية فإن المتابع يريد معرفة من
يقرر مستقبل الجنوب هل هي الاجندة الخارجية ام الشعب ام المكونات
السياسية؟!. وفي الوقت الذي يرى المراقبون ان من يقرر مستقبل الجنوب هو
الخارج كون اليمن اصبحت تحت البند السابع فضلا عن كونها واقعة تحت اشراف
وادارة قوى اقليمية فان هناك من يرى ان القرار هو في يد اليمنيين انفسهم
اذا ما اخلصوا النوايا وصدقوا في تعاملاتهم مع بعضهم.

وبالنظر الى المشاورات السياسية الجارية في الرياض لتنفيذ اتفاق الرياض
بين الشرعية والمجلس الانتقالي فإنه يمكن القول ان القرار الخارجي ما
يزال مؤثرا في المشهد اليمني وان هذه المشاورات ستفضي الى شراكة بين
القوى المتصارعة، وبالتالي سيكون ذلك مقدمة لحلول نهائية لملف الجنوب
الذي تتقاذفه المشاريع، إذ إن الاتفاق ينص على حكومة شراكة، لكنه لم
يتحدث عن المشروع السياسي القادم للبلاد ولم تشترط قوى الحراك ممثلة
بالمجلس الانتقالي اية شروط حول حل القضية الجنوبية الامر الذي يجعل
الامور تتجه صوب المشروع الاتحادي او الدولة الاتحادية التي يبدو ان
الاطراف جميعا ستتفق عليها فيما بعد لنزع فتيل الصراع والدفع الى استقرار
البلد وتنميته.