(تقرير).. كيف سيبدو المشهد السياسي إذا فشل اتفاق الرياض؟

(عدن الغد)خاص:

قراءة استشرافية لما بعد اتفاق الرياض في حالة فشله وسط المستجدات
العسكرية والسياسية الأخيرة

كيف سيتعامل الانتقالي مع تعثر جهود تشكيل الحكومة وفشل الاتفاق؟

هل سيعود إلى الإدارة الذاتية ويتحمل مسئوليات صرف المرتبات وتوفير الخدمات؟

هل ستكون هناك مناطق سيطرة مطلقة للانتقالي؟

لماذا سيصبح التقسيم الحالي للجنوب أمراً واقعاً؟

هل ستعزز الشرعية قواتها وسيطرتها وتدير الحكومة من شبوة؟

الانتقالي.. أمام مفترق طرق!

القسم السياسي (عدن الغد):

يبدو المشهد على الأرض في جبهة أبين (جنوب اليمن) ترجمة واقعية لما يدور
في دهاليز مشاورات العاصمة السعودية حول تشكيل الحكومة الجديدة، بين
الشرعية والمجلس الانتقالي.

فمتى ما توافقت الأطراف هناك في الرياض على إجراءات تشكيل الحكومة، كانت
جبهة أبين أكثر هدوءً، غير أن الاختلاف على تفاصيل التشكيل الحكومي يقود
إلى اشتعال الجبهة وتجدد الاشتباكات فيها، وهو ما يؤكد أن ثمة شيئا غير
طبيعي.

وهذه الأجواء من عدم الاستقرار، سياسياً وعسكرياً، تكشف عن أن تشكيل
الحكومة اليمنية الجديدة يعتريه الكثير من المشكلات والعثرات، التي قد
تعصف باتفاق الرياض برمته، وليس فقط بمصير الحكومة الجديدة.

واقع جديد صنعه اتفاق الرياض

أسس اتفاق الرياض لتفاهماتٍ جديدة، وواقع مغاير لما كان قبل 5 نوفمبر
2019، وخلقت الأحداث والمواجهات التي أنتجت الاتفاق مشهداً عسكرياً
وسياسياً مختلفاً عما كان قبل أحداث أغسطس 2019.

حيث أضحت المحافظات الجنوبية تعيش تشظياً واضحاً وانقساماً ملموساً،
صنعته الأحداث العسكرية، جعلت الجنوب موزعاً على جزر منفصلة تتقاسمها
الأطراف السياسية وفق ما آلت إليه الأوضاع.

ووفق هذا الانقسام الموجع للجنوب، علقت الأطراف السياسية وحتى المواطنون
آمالهم على اتفاق الرياض، في لمّ شمل المحافظات الجنوبية التي توزعت بين
المتصارعين، وبين القوى الخارجية حتى.

فكان الأمل في أن يخرج اتفاق الرياض بصيغة توافقية تجمع الشتات، غير أنه
وبعد مرور عامٍ كامل من التوقيع على الاتفاق لم تنفذ بنوده الجوهرية
والحيوية، خاصةً فيما يتعلق بانسحاب قوات الانتقالي من المؤسسات التي
سيطرت عليها في عدن، أو في ما يخص تشكيل الحكومة اليمنية.

وهذا التعثر في عملية تنفيذ الاتفاق رسّخ إلى حدٍ بعيد الانقسام على
الأرض، فباتت محافظات الجنوب موزعة تحت سيطرة الأطراف المتصارعة، فيما
يشبه الحكومات المصغرة المنفصلة عن بعضها، ليس فقط على المستوى الجغرافي،
بل حتى على المستوى الاجتماعي الذي طغت عليه حالة من التمزق الخطير.

ويخشى مراقبون أن يستمر هذا الواقع الجديد، الذي يبدو أن اتفاق الرياض
عززه، حيث لم يكن هذا الاتفاق كما بدا أول الأمر أنه يسعى إلى إنهاء
الانقسام، وهي اتهامات للاتفاق صدرت من قبل متابعين للمشهد على الأرض، لا
يؤكدها سوى التأخير الذي استغرقته عملية التنفيذ والتي تجاوزت عاماً
كاملاً.

هل فشل الاتفاق؟

وفي حقيقة الأمر فإن اتفاق الرياض أصبح عقب التطورات العسكرية والسياسية
الأخيرة على المحك، حتى أن بعض السياسيين والمراقبين أعلنوا "وفاة
الاتفاق" سريرياً على الأقل، في ظل تطورات أبين العسكرية الأخيرة.

فمرور عام كامل، دون تحقيق أي تقدم فعلي أو حقيقي على المستوى السياسي
والعسكري، يوحي بأن اتفاق الرياض صعب التنفيذ، كأقل ما يمكن أن توصف به
عملية التعثر والعرقلة التي اعترت الاتفاق.

كما أن هذه الفترة- الطويلة في نظر الكثير- تعتبر إحدى المثالب التي تؤخذ
على رعاة الاتفاق، من خلال عدم قدرتهم على إجبار الطرفين المعنيين
بالاتفاق على الانصياع لبنوده وسرعة تنفيذها.

لهذا يذهب كثير من المراقبين إلى التأكيد على أن الاتفاق دخل مرحلة "موت
إكلينيكي", وربما تقود هذه المرحلة إلى فشله نهائياً في حالة استمراره
وفق هذه الآلية من عدم التنفيذ الفعلي.

وفي هذه الحالة، فإن فشل الاتفاق يعني البحث عن سيناريو جديد لإدارة
المناطق المحررة، بعيداً عن التفاهمات السابقة، فبعد مرحلة الحكومة
الشرعية من 2015 وحتى 2019، يبدو أن مرحلة اتفاق الرياض ستعقبها مرحلة
سياسية مغايرة تماماً.

الخيارات المتاحة أمام الانتقالي

لا يتوقع مراقبون أن تنتهي مرحلة اتفاق الرياض قريباً، فقد تطول وتستمر
بناءً على الرغبة الإقليمية والدولية في بقاء الوضع كما هو.

فبعد تحرير عدن والجنوب، كانت هناك عدة مراحل متداخلة مرت بها المنطقة،
الأولى سيطرة الحكومة الشرعية بالمطلق (2015 - 2017)، تلتها مرحلة الصراع
بين الشرعية والانتقالي (2017 - 2019)، وحالياً نعيش مرحلة اتفاق الرياض،
التي يبدو أنه لن تقف عند حاجز العام، وهي عمر الاتفاق حالياً.

وأبرز ملامح هذه المرحلة، هي (اللا دولة) إلا في جزر وأماكن محدودة من
المناطق المحررة، ومرحلة اللا دولة هذه، مجسدة بوضوح في عدن ومحافظات
الطوق التي تحيط بها.

لهذا يقترح مؤيدو المجلس الانتقالي التحول إلى مرحلة "الإمساك بزمام
الأمور" في ما يقع تحت سيطرته من محافظات.

بل أن الكثيرين ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حين نصحوا المجلس الانتقالي بترك
اتفاق الرياض وشأنه، والانسحاب من مشاورات الحكومة الجديدة، والشروع في
تشكيل حكومة جنوبية مستقلة، لا علاقة لها بالشرعية.

ويمكن لهذا الاقتراح إذا تحقق أن يثير الكثير من التساؤلات، حول قدرة
المجلس الانتقالي على الأخذ بزمام المبادرة، والإقدام على خطوة جريئة
كهذه، قد تخلط الأوراق السياسية والعسكرية في الجنوب بشكل كامل، وتكرس
لواقع يختلف حتى عن ذلك الواقع الذي رسخه اتفاق الرياض، قد لا يخلو من
مزيد من الصراعات والمآسي الجديدة، وفق مراقبين.

وواقعياً، فإن التأخير في تنفيذ اتفاق الرياض، قد يقود إلى مثل هذه
الخطوة التي يفكر بها المجلس الانتقالي كثيراً، ويدفع مؤيديه من
السياسيين إلى والإعلاميين إلى "جس نبض" الشارع، من خلال تسريبها والحديث
عنها عبر وسائل الإعلام، لمعرفة مدى تقبل المجتمع والمحيط، محلياً
وإقليمياً، قبل اتخاذ الخطوات التنفيذية الفعلية.

العودة إلى الإدارة الذاتية

ولعل من أبرز الخيارات المتاحة أمام المجلس الانتقالي الجنوبي، باعتباره
المسيطر الفعلي على محافظات عدن، لحج، الضالع، سقطرى، وأجزاء من أبين، هي
العودة إلى خيار "الإدارة الذاتية" للجنوب، والتي كان قد اتخذها أواخر
أبريل الماضي.

وهو الإجراء الذي اتخذه الانتقالي بعد المماطلة في تنفيذ اتفاق الرياض،
بحسب قياداته ومؤيديه، الذين هللوا للخطوة التي سرعان ما تراجع عنها
الانتقالي بعد ثلاثة أشهر من الإقدام عليها.

كان تبرير الانتقالي يكمن في أن الآلية الجديدة لتنفيذ اتفاق الرياض من
شأنها التسريع في تطبيق بقية البنود، غير أن شيئاً من ذلك لم يحدث، وهو
ما قد يُغري الانتقالي بالعودة إلى هذا الخيار، الذي يبدو ممكناً جداً في
ظل هذه الظروف الحالية.

وخطوة الإدارة الذاتية تعتبر إحدى الخطوات التي تقترب من آلية وأسلوب
الحكومة، لكنها لا ترتقي إليها، غير أنها أحد الأساليب التي يمكن
للانتقالي من خلالها أن يشغل الفراغ الذي تركته الحكومة الشرعية وغياب
شكل الدولة.

ورغم أن الانتقالي وقواته هو المسئول عن طرد الحكومة من عدن، وبيده يكمن
الحل بعودتها، إلا أن بإمكانه- بحسب مؤيديه- أن يضطلع بالمسئوليات التي
تتطلب منه القيام بها، خاصةً في الجوانب الخدمية والمعيشية.

وفي الوقت الذي يطالب أنصار الانتقالي بالإقدام على مثل هذه الخطوة، بل
وأبعد منها من خلال تشكيل حكومة جنوبية ذاتية تفرض على المنطقة واقعاً
جديداً، يختلف عما سبقه، ويُدخل الجنوب مرحلة مختلفة تماماً، إلا أن
مناهضي الانتقالي ومعارضيه يشككون في قدرة الانتقالي على القيام بذلك.

مسئوليات جسيمة

ومنطلق الطرح الذي يتبناه المشككون في قدرات المجلس الانتقالي الجنوبي،
أن هذا الأخير لم يقدم أي جديد يذكر خلال الشهور الثلاثة التي أعلن فيها
الإدارة الذاتية، ولم ينجح في توفير أي من احتياجات المواطنين.

ويشير منتقدو الانتقالي إلى أن ثمة صعوبة في النجاح، خاصةً وأن المجلس ما
زال متمسكاً بشماعة الحكومة اليمنية الشرعية، حتى وهي خارج إطار سيطرته،
وما زال يعلق عليها مشكلات انعدام الخدمات وتوقف صرف المرتبات.

وجميعها مسئوليات جسمية عجز عنها الانتقالي خلال فترة إعلان الإدارة
الذاتية، بحسب المشككين، بل أنهم يذهبون إلى أبعد من هذا، من خلال مساءلة
المجلس عن الأموال التي كانت تورد إلى حسابات الإدارة الذاتية في البنك
الأهلي، بدلاً من توريدها إلى البنك المركزي.

وتلك الأموال التي كانت عبارة عن إيرادات عدد من المكاتب التنفيذية في
مديريات عدن وبقية المحافظات الخاضعة لسيطرة الانتقالي، والبالغة مليارات
الريالات، وفقاً لتقارير مالية مؤكدة، إلا أن الانتقالي لم يستطع القيام
بواجباته الخدمية أو صرف المرتبات، بحسب معارضي الانتقالي.

وظلت الخدمات العامة، كالمياه والكهرباء والمرتبات منعدمة تقريباً، منذ
خروج الحكومة في أغسطس 2019، وحتى اليوم تمر بحالة من عدم الاستقرار، بل
أن خدمة الكهرباء ما زالت تنقطع في ظل شهور الشتاء، التي لم تعرف تردياً
في التيار الكهربائي إلا خلال فترة سيطرة الانتقالي.

قدرات الانتقالي

في المقابل، يؤكد مؤيدو الانتقالي أن هذا الأخير بإمكانه أن يخوض غمار
هذه الخطوة "الجريئة"، كما يصفونها، وأن يقوم بما هو أكثر من مجرد "إدارة
ذاتية"، وينتقل إلى ما هو أبعد منذ ذلك.

حيث يقترح أنصار المجلس أن يعلن عن "حكومة انتقالية مصغرة"، تغادر عباءة
اتفاق الرياض ومشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، وينفرد المجلس بقراره
الذاتي والسياسي.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن الانتقالي قادر بما لديه من كفاءات وقيادات أن
ينفذ هذه الخطوة، وأنها لن تكون شبيهة بخطوة الإدارة الذاتية، التي قد
تكون مجرد مناورة وضغط سياسي للتسريع بتنفيذ اتفاق الرياض، كما يقولون.

ورغم أنهم يعتبرون تشكيل حكومة انتقالية "هروباً إلى الأمام"، إلا أنها
لو تشكلت ستلتزم لجميع المواطنين بتوفير الاحتياجات والخدمات الأساسية،
من خلال إيرادات المكاتب التنفيذية المختلفة، الواقعة في مناطق سيطرة
الانتقالي.

ويستشهد مناصرو المجلس بما يحدث في محافظات شرعية عديدة، مثل شبوة ومأرب
ووداي حضرموت، والتي تعمل على إدارة مواردها بشكل ذاتي، وتوفير الخدمات
والاحتياجات الأساسية، وتحقيق التنمية التي يريدها المواطنون.

وبإمكان الانتقالي- وفق رؤية مؤيديه- أن يضطلع بمسئولياته في محافظات
عدن، لحج، الضالع، وسقطرى، بل والتفوق على شبوة ومأرب، من خلال سيطرته
على أكثر من محافظة، وليس مجرد محافظة وحيدة.

تكريس الانقسام

يؤكد متابعون للشئون المحلية، أن المشهد السياسي في حالة فشل اتفاق
الرياض سيكون أكثر انقساماً وتشظياً، من خلال تكريس الانعزال الداخلي
للمحافظات اليمنية، الخاضعة تحت سيطرة المكونات السياسية المتناحرة.

فبالنظر إلى خارطة المحافظات الجنوبية، وحتى بعض المحافظات الشمالية،
سنرى أن ثمة تفككاً في الوحدة الجغرافية للبلاد، ففي أقصى الشرق تقع
المهرة بانعزالية تامة عن محيطها، فيما تعيش حضرموت "صراع الانتماء" بين
الساحل والوادي، بينما تتميز شبوة بتنميتها وتطورها عن بقية جيرانها.

وفي المقابل، تدفع أبين ثمن كل هذا الصراع باحتضانها لجولات القتال
المتلاحقة، بينما تقع الضالع ولحج وعدن تحت سيطرة المجلس الانتقالي في ظل
تردٍ واضح للخدمات والاحتياجات.

وهذا هو المشهد الذي من المتوقع أن يستمر وأن يظل طويلاً في حالة فشل
اتفاق الرياض، وفشل رعاته في إجبار الأطراف الموقعة عليه بتنفيذه وتطبيق
بنوده.

وفي الوقت الذي لن يضير الحكومة الشرعية من تعزيز نفوذها وسيطرتها، في
شبوة ومأرب ووادي حضرموت، وتنمية تلك النواحي وتطويرها بالموارد التي
تستخرجها والخاضعة لإدارتها، بل وجعل شبوة مقراً حكومياً يتوسط تلك
الجهات الثلاث من معاقل الحكومة، سيبقى الانتقالي منعزلاً في قوقعته
الجنوبية، محاولاً النجاح في تجربته.

وبذلك يكون الجنوب مقسماً بشكل رسمي، ما بين جهتين، شرقية وأخرى غربية،
بينما تغرق كل من المهرة وسقطرى في الانعزالية التي تغري أطرافاً إقليمية
ودولية عديدة.

وهو مشهد مأساوي، بالنظر إلى مستقبل الخدمات التي ينتظرها الناس
والمواطنون من تشكيل الحكومة الجديدة، حيث لا يتمنى أحد منهم أن يسقط
اتفاق الرياض؛ باعتباره الأمل الباقي في عودة الحياة بكل طبيعتها إلى
الجنوب.