تحليل يرصد أسباب وعوامل ما يحدث في تعز من صراعات

(عدن الغد)خاص:

- هل انتقل الصراع بين الشرعية والأطراف المناوئة لها إلى تعز؟

- من هي الأطراف المتصارعة.. وهل هناك أجندات خارجية؟

- حزب الإصلاح.. هل هو السبب في تلك الصراعات؟

قوات طارق صالح.. كيف انخرطت في هذه الصراعات؟

- كيف ستكون المعركة في تعز.. وما هي فرص الشرعية؟

- لماذا تم اختيار هذا التوقيت للصراع في تعز؟

تعز.. بُعد آخر للصراع!

تقرير/ بديع سلطان:

تتوسع خارطة الصراعات داخل المناطق المحررة من اليمن، في متوالية توحي
بأنها لن تنتهي، على المدى المنظور، كما تؤكد أنها أحداثٌ دُبرت بليل،
ولم تكن عفوية.

صراعات متلاحقة تضرب جبهة الحكومة الشرعية التي تواجه أطرافاً يُتوقع أن
يكونوا في صفها، أو على الأقل محسوبون عليها، بما أنهم يُعلنون معاداتهم
للجبهة المضادة، والمتمثلة في مليشيا الحوثي.

مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة، كانت أولى حلقات تلك الصراعات التي
عصفت بالشرعية، والتي كانت قد خاضتها مع قوات المجلس الانتقالي.

وتكررت سلسلة الصراعات لتمتد حتى أبين وشبوة وسقطرى، ومؤخرًا إلى حضرموت
ولحج، قبل أن تصل خلال الأيام الماضية إلى مدينة تعز جنوب غرب اليمن.

فما يجري حالياً في مدينة التربة، جنوب تعز، يؤكد أن مدينة تعز التي
حاربت الحوثي طيلة السنوات الماضية، بجبهةٍ داخلية متماسكة، بدأت تعاني
من التصدع الداخلي، وشرعت الانقسامات بضرب صمودها.

وهي أحداث مرعبة يحاول البعض ربطها بالصراعات التي عصفت وما زالت تعصف
بالمناطق المحررة الأخرى، بل أن كثيرين ينظرون إلى أن ما يجري في مدينة
تعز، سواءً في المدينة ذاتها أو في منطقة الحجرية (التربة)، لا ينفك عما
يدور في غيرها من مدن ومحافظات يمنية أخرى غارقة في الصراعات.

كما أن وتيرتها المتسارعة ووصول تلك الأحداث إلى حدٍ مفزع من المستويات،
يشير إلى أن ثمة مخططا ممنهجا لجر أكثر من مدينة ومحافظة إلى مستنقعات
الصراع لأغراض سنحاول الكشف عنها في قادم السطور.

لماذا تعز؟

يعتبر كثير من المراقبين أن مدينة تعز كانت المهد الأول للثورة الشبابية
2011، التي بفضلها تخلص اليمنيون من نظامٍ سياسي وصفوه بالمستبد الفاسد،
استبدل بالحكومة الشرعية الحالية.

ويبدو أن هذا السبب هو الذي جعل من تعز جبهة قتال مشتعلة لم تُطفئ إلى
اليوم، ولم يتم تحريرها بالكامل، باستثناء بضعة شوارع داخل المدينة
الرئيسية، كما كان نصيبها وافراً من الدمار والحصار الذي كان مطلقاً طيلة
سنوات الحرب.

ويرى محللون أن مدينة تعز كانت أكبر الخاسرين من الحرب، فهي شمالاً تتحمل
تبعات ما نتج عن الثورة الشبابية في 2011، ويتم تحميلها مسئولية ما وصلت
إليه البلاد، وفق ادعاءات الشماليين.

بينما جنوباً، فهي المنبع الذي تدفقت منه جحافل الحوثيين وقوات صالح
حينها نحو عدن وبقية محافظات الجنوب، في تواطؤٍ فاضح من قبل التعزيين،
بحسب اتهامات الجنوبيين.

هذه الاتهامات التي لم تثبت ولم تتجاوز حدود الادعاء، يقول محللون إنها
ليست بجديدة، فالمواقف الوطنية التي تبنتها تعز طيلة تاريخها السياسي على
مستوى اليمن خلقت العديد من الأعداء، وصنعت مناهضين كثر لمشروع تعز
المدني الذي روّجت له.

وهذه هي الرؤية التي يعتنقها التعزيون ويريدون الآخرين التسليم بها، وبأن
مدينتهم ليست سوى مدينة محبة للسلام وللدولة بمفهومها الواسع، وليس
بمفهومها المناطقي الضيق.

ولعل هذه الرؤية التي يؤمن بها أبناء تعز وحدهم، هي من جعلت الآخرين
يتكالبون على المدينة، حد وصف التعزيين، فهي الآن تدفع ثمن مواقفها
السياسية والوطنية التي تنظر لمشروع اليمن الكبير، وتنبذ ما دونه من
مشاريع صغيرة.

ملامح المشهد في تعز

كانت تلك الصورة العامة، التي تُرجع الصراع الجاري حالياً في تعز إلى
مسببات وعوامل شاملة وعامة، كمن ينظر إلى اللوحة أو الصورة من خارج
البرواز.

غير أن المدقق في تفاصيل اللوحة سيرى أن ثمة العديد من الملامح الدقيقة
والصغيرة؛ التي أدى تجمعها إلى الوضع المتأزم اليوم في تعز.

وحتى نخرج من العموميات، علينا الانتقال إلى الجزئيات حتى ندرك صغائر
الصراع في تعز، والتي نتج عنها أحوال لا يريدها أحد لتعز أو غيرها من
المدن اليمنية الأخرى.

فهناك الكثير من النقاط التي قد تكون غير واضحة، وتحتاج إلى مزيد
الاقتراب منها حتى تتضح وترسم ملامح المشهد التعزي الذي يشغل بال الكثير
من المراقبين اليوم، ولا يقل أهمية عما يجري في عدن، أو حضرموت أو شبوة.

جذور الصراع التعزي

في المقابل، يعتقد كثيرون- منهم أبناء تعز- أن المدينة وقعت تحت سيطرة
فئة محدودة، تحكمت بمقدراتها وفشلت في خلق توافق يلم شمل الجميع في
المدينة، وهو ما تسبب بتشتت جهود مجابهة الانقلابيين الحوثيين الذين
يحاصرون المدينة ويقصفونها باستمرار.

وتتهم كثير من المكونات والأحزاب السياسية في تعز جماعة الإخوان المسلمين
بأنها تسببت في تشتيت وحدة قوات المقاومة المحلية في تعز، واستأثرت بكل
إمكانيات المدينة ووظفتها لمصلحتها، وعملت على إقصاء الآخرين.

فبعد تحرير مناطق واسعة من المدينة من قبضة الحوثيين، تقلد محسوبون على
حزب الإصلاح (الموالي للشرعية) أبرز المناصب وتولوا قيادة الألوية
العسكرية والأمنية، في الوقت الذي تركوا منصب محافظ المحافظة بعيدا عن
متناولهم، لإدراكهم أنه منصب غير ثابت، وكثير المسئوليات، بحسب آراء
مناهضين لجماعة الإخوان.

ويعلل هؤلاء أن كل ما سبق من أفعال هي من أوصلت تعز إلى ما هي عليه اليوم
من صراعات، وأدت إلى الحالة المتردية لكافة الخدمات في المدينة المحاصرة.

بينما يحاول الطرف الآخر من الإصلاحيين أن يبرئوا ساحة حزبهم من أي
استئثار بالسلطة كما يتهمهم معارضوهم، خاصةً وأنهم يزعمون قيامهم بالعديد
من الترتيبات العسكرية والمحلية داخل تعز، منحت المدينة الكثير من
الاستقرار والأمان خلال السنوات الماضية، رغم الحصار المطبق الذي عانته
من المليشيات الحوثية.

لكن اللافت في الأمر أن تعز ظلت طيلة السنوات الماضية بالفعل في وحدةٍ
مجتمعية متماسكة، حين كانت تقاتل الحوثيين، حتى أنها كسبت تعاطفا، ليس
فقط من اليمنيين، بل حتى من العالم أيضاً؛ بسبب التبعات الإنسانية للحصار
الحوثي على المدينة.

غير أن الناظر لحال تعز اليوم، وخاصةً عزلة الحجرية الواقعة فيها مدينة
التربة، والتي واجهت الحوثيين بشراسة منذ بداية الحرب وفرضت عليهم
انسحاباً بطعم الهزيمة، يرى أن الوضع تغير نحو الأسوأ، وأن الأخوة
المتكاتفين بالأمس، باتوا متصارعين اليوم.

وهو ما جعل البعض يرجح تدخل أطراف من خارج تعز؛ لتغيير الوضع المستقر في
المدنية وسحبها نحو مربعات الصراع الذي تكتوي بناره اليوم.

لماذا انتقلت الصراعات إلى تعز؟

كما أسلفنا، فإن الصراعات التي تعصف بجبهة الشرعية، تضرب الحكومة ذاتها
وأطرافا كان يفترض أن تكون في صفها لمواجهة مليشيات الحوثي، غير أن رقعة
الصراع داخل المناطق المحررة لا تتوقف عن التوسع.

ولم يكن التوسع هو وحده المخيف والمرعب، بل أن مشاركة أطراف أخرى وتدخلها
في الصراع هو ما يزيد من كمية الرعب المحدقة بمصير الجبهة المناوئة

للحوثيين.

وقد تكون الصراعات المشتعلة في الجنوب مثلاً ذات أهداف وغايات سياسية،
تسعى لتحقيق مشروع سياسي معين، واستعادة بعض المكونات دولة الجنوب وفك
ارتباطها عن اليمن.

غير أن ما يجري ويدور في تعز مثير للانتباه، ومثير أيضاً للتساؤل، حيث
يتبادر إلى الأذهان الحس الوطني لتعز وتمسكها بمشروع الدولة المدنية، فما
الذي يجعلها تناوئ الشرعية مثلاً، أو تعمل أطراف في تعز على الخروج عن
طوع الحكومة؟.

وحتى نستجلي مثل هذا الغموض في قضية الصراع داخل مدينة تعز، وفي التربة
تحديداً، علينا التعرف على الأطراف التي تتسيد مشهد الصراع هناك.

والبدء من حزب الإصلاح، الذي يسيطر على عدد من الوحدات والألوية العسكرية
والأمنية في التربة، مروراً بقوات طارق صالح التي كشفت تقارير عن تدخلها
في شئون المناطق الغربية والجنوبية من تعز، بتأييد من الناصريين وعدد من
الأحزاب اليسارية في التربة.

هذه الخارطة من التحالفات الحزبية والعسكرية لا يمكن أن تكون بعيدة عن
ارتباطات إقليمية ودولية، وهو ما سنعرض له لاحقاً، لكن ما يهم الآن هو
السبب الذي انتقلت بموجبه الصراعات إلى تعز.

يشير غير واحد من المحللين إلى أن ما يدور في التربة لا يمكن فصله عما
يدور في الجنوب، فقوات طارق صالح تحاول تأمين المنطقة المتاخمة لسيطرة
الانتقالي من جهة تعز، باعتبار أن هذه الأخيرة تسيطر عليها قوات موالية
للحكومة الشرعية.

وحتى يتم تأمين الجنوب الذي هو تحت سيطرة الانتقالي، فعلى حلفاء هذا
الأخير العمل على تحقيق هدف التأمين من الجهة الشمالية الغربية للجنوب،

وهو الأمر الذي يربطه المحللون بتحركات الانتقالي الأخيرة في محافظة لحج،
وسعيه للسيطرة على مناطق متاخمة لمحافظة تعز المجاورة، خاصةً تلك التي
بمحاذاة التربة وباقي الحجرية.

وحتى لو حاول البعض تحجيم الصراع في تعز بأنه صراع حزبي بين اليمين
الإصلاحي الذي يمثل الحكومة الشرعية، واليسار المتمثل في الناصريين
والبعثيين والاشتراكيين، إلا أن صفة الشمولية لا تنفك عنه؛ عطفاً على
مستجدات الأمور في لحج تحديداً.

ولهذا السبب يُرجح المتابعون عوامل انتقال الصراع من الجنوب إلى تعز،
وتأكيد الصلة المرتبطة بين ما يحدث هنا وما يدور هناك.

القوى الصاعدة.. كيف فاقمت الصراع؟

على الطرف الآخر، تقف قوات طارق صالح كأحد الأطراف المسئولة عن تفاقم
الصراع في تعز، خاصةً وأن هذه القوات وُجدت لأغراض بعيدة عن الشأن
التعزي، وتم تسليحها وإعادة ترتيبها لأجل العودة إلى صنعاء عبر بوابة
الحديدة والساحل الغربي.

غير أن مراقبين يعتقدون أن تدخل قوات طارق صالح في تعز، وتحديداً في
مدينة التربة، هو السبب الرئيسي في استجلاب الفوضى العسكرية والصراع إلى
تعز.

خاصةً وأن قوات صالح دعمت وبقوة أطرافا سياسية وحزبية مناوئة لحزب
الإصلاح، ومختلفة مع الحكومة الشرعية، وهي الناصري وقوى اليسار.

ومن هنا يُحمل كثير من المحللين قوات طارق المسئولية في تصدير الصراع إلى
تعز، والانحراف عن مهمتها الرئيسية التي أوكلت لها في تحرير الساحل
الغربي.

ما هي فرص الشرعية بالنجاة؟

الذي يحدث بالفعل هو أن الشرعية باتت المستهدفة في كل تلك المواجهات
الثنائية هنا أو هناك؛ ربما بسبب عجزها أو فسادها كما تُتهم، أو لضمها
جماعة الإخوان المسلمين، وفق انتقادات خصومها، أو حتى نظراً لفشلها في
إحداث أي تغيير عسكري أو خدمي أو تنموي طيلة سنوات الحرب.

ولا يستبعد بعض المحللين أن يكون تواجد حزب الإصلاح هو السبب الذي جعل من
الحكومة الشرعية هدفاً مباشراً للعديد من خصوم الحزب، خاصةً وأنه المسيطر
حالياً على تعز، وهو السبب الذي تحركت من أجله المظاهرات قبل أيام، في
مدينة التربة، وما أعقبها من أحداث ومواجهات عسكرية.

ولهذا يرى كثير من المراقبين، المروجين لوجهة نظر خصوم الشرعية، أن هذه
الاخيرة لن تحظى بمزيد من الفرص للنجاة ما دامت تحتفظ بعناصر إصلاحية في
قوام الحكومة وعلى رأس قادة الألوية والوحدات العسكرية والأمنية، وحتى في
السلطات المحلية بالمحافظات، مقابل إقصاء وتهميش خصوم الإصلاح.

في المقابل يعتقد موالو الإصلاح أن هناك أطرافاً خارجية وإقليمية تعمل
على دعم وتمويل أدواتها المحلية في تعز وغيرها، لإسقاط الحكومة الشرعية،
وهو ما سيستفيد منه الحوثي المتربص بالجميع على أبواب تعز والضالع وكرش
ومأرب.

ويتحدث موالو الإصلاح عن أن الدعم الإقليمي واضح وجلي، ويتجسد في تمويل
كتائب أبي العباس وقوات طارق صالح في غرب تعز والساحل الغربي لليمن،
مشيرين إلى أنه بدلاً من توجيه هذا الدعم نحو جبهات القتال مع الحوثي؛ تم
توجيهه نحو صدور رفاق المقاومة والمتارس في تعز.

لماذا الآن.. هل هو واقعٌ جديد؟

ومما يثير الجدل ومزيدا من الترابط في مجريات الأمور، هو التوقيت الذي
انفجرت فيه أحداث تعز، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعديد من الأحداث
السياسية والعسكرية المحيطة بتعز.

فجغرافياً، يؤكد محللون أن ما يحدث في تعز لا بد أن يكون له صلة وثيقة
بما يجري حالياً في لحج، بالإضافة إلى ربط كثير من المتابعين أحداث تعز
بما يدور في الرياض من مشاورات سياسية.

ويعتقد البعض أن مشاورات الرياض سترسم واقعاً جديداً للمشهد اليمني، وأن
بعض اللاعبين لن يقتنعوا بخارطة النفوذ والسيطرة التي سبقت مشاورات
الرياض، ويسعون حالياً إلى فرض أجندات جديدة تُبنى عليها مخرجات ونتائج
مشاورات الرياض.

ولهذا يرجح متابعون أن التحركات العسكرية الأخيرة في تعز تصب في هذا
الاتجاه، وأن اندلاعها في الوقت الحالي له الكثير من الدلالات ليس فقط
عسكرياً بل وحتى سياسياً.