صفحات من تاريخ عدن.. الإمبراطوريات التجارية في عدن (1-4)

رجل الأعمال توني بس وزوجته هيلدا

حفظ الصورة
عدن ((عدن الغد)) خاص:

بحث وترجمة - بلال غلام حسين:

Bilal41@hotmail.com

ابتداء من هذا الأسبوع وعلى مدى أربع حلقات متواصلة سوف نتطرق معاً لأحد أهم المواضيع من صفحات تاريخ عدن آلا وهو الإمبراطوريات التجارية الهامة التي تأسست في عدن وساهمت بشكل كبير برفع سمعة اقتصاد عدن ومينائها العريق على المستوى الدولي أبان الحقبة التاريخية الذهبية لعدن. 

 سوف نتحدث عن رجال أعمال وإمبراطوريات تجارية كانت لها بصمات واضحة وجليلة في تاريخ التجارة في عدن, رجال ساهموا في رفع مستواها وجعلوها في مصاف الدول المتقدمة تجاريا على مستوى العالم.  

 هؤلاء الرجال هم رجال أعمال بمعنى الكلمة, أخلصوا لعدن وأفنوا حياتهم من أجلها, فأعطتهم الكثير وجعلتهم أغنى الأغنياء في تلك الفترة.

  كثيرا منا وبالأخص الجيل الصاعد لم يسمعوا عن تاريخ هؤلاء, لذا سوف أستعرض لكم تاريخهم بقدر المستطاع وسوف أبدء هذا الموضوع الشيق والمميز بسرد تاريخ شخصية نادرة, شخصية لها بصمات جليلة ومعروفة بين رجالات تلك الفترة الذهبية الذين عايشوه عن قرب ويعرفون كل صغيرة وكبيرة عن حياته, تلك الشخصية هو صاحب الإمبراطورية التجارية العملاقة السيد أنتوني بس.

 

 ولد أنتوني بس في 26 يونيو 1877م, في مدينة كاركاسون في فرنسا, وأنتقلت عائلته لتعيش في مونبيليه حيث توفى والده وهو في السابعة من عمره. 

عاش أنتوني مع والدته وستة من أخوته الصغار, ولم يكن انتوني بس متفوقاً في دراسته مما جعله يلتحق بالخدمة العسكرية في سن الثامنة عشرة. 

 وعندما بلغ من العمر 22 عاما وبعد انتهاء الخدمة العسكرية, أقترض أنتوني بس مبلغاً من المال من صهره لدفع نفقات السفر لمساعدته في قبول الوظيفة المعروضة عليه من قبل شركة (( باردي وشركاه )) والمتخصصة في تجارة البن في عدن بعقد عمل مدته ثلاثة سنوات.

  وكانت تلك هي نفس الشركة التي عمل فيها أرثر رامبو لمدة عشرون عاما في وقت سابق في عدن.  أستقل أنتوني بس السفينة المتجهة إلى عدن من ميناء مرسيليا في 16 أبريل 1899م, لا يدري ماذا خبئا له القدر في عدن. 

 

عمل أنتوني بجدً وكد, حيث كان يستيقظ في الساعة الرابعة والنصف صباحا ويعمل حتى الساعة السادسة مساء دون توقف.  تعلم أنتوني كل شئ يتعلق بالقهوة وبتجارة القهوة, حتى أصبح خبيرا فيها.  بعد أنتهاء عقده مع شركة باردي التي لم تكن العلاقة بينهما على أحسن مايمكن, مما جعله يؤسس شركة خاصة به منافسة لشركة باردي. 

 البداية الأولى للمستر أنتوني بس كانت في الحديدة, وبالتحديد في بداية العام 1902م, عندما أقترض مبلغاً إضافياً من المال من صهره لتأسيس شركته. 

 عاد أنتوني بس إلى فرنسا في نفس العام للتفاوض مع بنك فرنسي للحصول على قرض مما مكنه لتأسيس شركته في عدن وكانت تلك هي البدايات الأولى لتأسيس إمبراطوريته التجارية في عدن والعالم.  بعد الحصول على القرض, سدد أنتوني الديون التي عليه لصهره, وأستدعى أخيه إيميل لمساعدته في تشغيل تجارته في الحديدة.

 

في العام 1907م, تزوج أنتوني بس من أمراءة ثرية أسمها, (( مارجريت هونتس )) ولكن هذا الزواج لم يُكتب له النجاح طويلاً, بعدها تزوج أنتوني على (( فلورنس هيلدا كراوتر )) في العام 1922م, ورزق منها خمسة أطفال وهم: ((بيتر, توني, أريان, جوي و مونا)). 

 كانت هيلدا هي سنده الوحيد في حياته وأستطاعت التأقلم على طريقة العيش الخاصة به, وهي الشخص الوحيد في حياته التي لم ينتقدها, حيث عاشا معا لبقية حياتهما. 

 في العام 1914م, بناء أنتوني بس مكتبه الرئيسي الجديد في شارع العيدروس في مدينة كريتر, حيث كان مركز العمليات التجارية الرئيسي حتى وفاته في العام 1951م, كان الطابق الأرضي من المبنى عباره عن مخازن ومستودعات, والطابق الأول عبارة عن مكاتب وسكن خاص بالموظفين.

 

في العام 1934م, أشترى أنتوني بس مصنع صابون متهدم في كريتر, حيث تم نقله الى المعلا في وقت لاحق من العام التالي, مع بناء مصنع جديد. 

 وفي العام 1937م, تم بناء مصنع جديد لأنتاج زيت جوز الهند, هذه المصانع مع منتجاتها خلقت فرص أخرى لبناء مصنعا أخر لصناعة الجلسرين في العام 1938م.  كان المستر أنتوني بس مقاول استثنائي, ومايسترو في أسلوب عمل الفن التجاري, حيث كان نشيطا في صناعة القوارب حيث أسس مصنعاً للقوارب الشراعية, وكان أول من وضع محركات الديزل في القوارب الشراعية وكان ذلك في العام 1936م. 

 وفي العام 1941م, فاز أنتوني على منافسيه بمقاولة أستيراد الأغنام من بربرة في موسم الرياح, بالإضافة إلى إمتلاكه أسطول من القوارب الشراعية والسفن, وخمس قاطرات ورصيف عائم.  كانت روح الريادة واضحة لذا توني بس, حيث أنه كان أول من أدخل المكيفات الهوائية في عدن, وأول من أمتلك سيارة, والأول من أدخل الكهرباء في عدن, وأول من أبتدع السباكة الحديثة, عندما أصبحت أنابيب المياه متوفرة في تلك الفترة في عدن, وهو أول من أدخل ثلاجات الفريزر في عدن, وأول من بناء سفينة صيد من الفولاذ من خلال شركة (عدن دوكيار المحدودة).

 

كان أنتوني بس ماهراً عل الصعيدين المحلي والعالمي من خلال فتح العديد من المشاريع التجارية, في عدن كانت شركة (بس وشركاه) تمتلك العديد من الوكالات الخاصة أمثال: (ثلاجات التجميد, والطباخات الكهربائية والغازية, والغسالات, والعديد من الأجهزة المنزلية الأخرى).  وكذلك كان وكيلاً لمكيفات كليفنتر وكارير, وراديوهات فيلبس. 

شملت وكالاته التجارية العديدة من وكالات السيارات أمثال: سيارات أوستن لانكيا, رينولت, جاجور, وسيارات هولدون ودودج.  ولخدمات الإصلاحات وتوفير قطع الغيار أسس جاراج خاص لذلك الغرض وسماه: (جاراج البس)  وكان موقعه في المعلا. 

 بلأضافة الى ذلك كان وكيلاً لمحركات جونسون وأيفينرود, وقطع الغيار للمحركات البحرية الأخرى.  كان أنتوني بس يملك العديد من العقارات في عدن منها: مبنى المكتب الرئيسي في طريق العيدروس في كريتر, مصنع الصابون في كريتر, جاراج البس في المعلا, فندق الهلال, مخازن في كريتر, ومساكن للموظفين في المعلا. 

 من ضمن أنجازاته, هو بنائه لصرح علمي عريق تخرج منه طابور طويل من المهندسين الأكفاء, ذلك الصرح هو كلية الهندسة الواقعة في المعلا, وشركة الحلال للشحن البحري المحدودة.  

 

كانت حياة عملاق التجارة مليئة بالمخاطر, لم يكن مهدداً بالقتل ولكن نظرا لحبه للسباحة في الأماكن الخطرة, حيث كان يحب السباحة بأنتظام قبالة خليج القرش في عدن الصغرى, على الرغم من ان ميائها مليئة بأسماك القرش, ولكنها تجعل السباحة أكثر إثارة بحسب قول المستر بس!!!  كان أنتوني بس أول من أسس شركة طيران في عدن وسميت بـ (الخطوط العربية) وكان ذلك في العام 1936م في عدن, وكانت الشركة تملك أسطول مكون من أربع طائرات. 

 كانت نظرته ترى بأن هناك حاجة قصوى إلى السرعة في توصيل البضائع بين عدن والمكلا, لأن السفر عن طريق القوارب كان بطيئا ومملاً.  وكانت أول طائرة أشترها أنتوني بس عقب تأسيس شركة طيران خطوط العربية هي طائرة بأربعة مقاعد طراز (مونوسبار أس. تي 25).   

وعقب إغلاق الشركة, احتفظ أنتوني لنفسه بالطائرة الوحيدة المتبقية التي كان يستخدمها في رحلاته القصيرة إلى مكيراس والضالع.  وفي أحد الأيام وعندما كان عائدا من أحدى رحلاته من مكيراس وكان ذلك في العام 1940م, تحطمت طائرته فور أقلاعها وأصيب أنتوني بأصابات بليغة في العمود الفقري كادت تؤدي بحياته, وتم نقله إلى أحدى المستشفيات في عدن, وبعدها تم نقله الى فرنسا حيث أمضى فترة نقاهة لعدة أشهر في مسكنه الخاص في برادو. 

 وفي صيف عام 1948م, أصيب السيد أنتوني بس بشلل تام, ولاستمرار العمل في الإمبراطورية الخاصة به عمل على أعداد الوثائق الضرورية لمساعدة خلفائه في إدارة إمبراطوريته التجارية الواسعة من بعده, وبعدها بثلاث سنوات توفي أنتوني بس في 2 يوليو 1951م, عن عمر يناهز 74 عاماً. 

 

وهكذا طويت صفحة ناصعة لصاحب أعظم إمبراطورية تجارية عالمية كانت بدايتها في عدن, كان توني بس, رجلاً فريد من نوعه, وكان يؤمن دائماً في عمله على المبدأ القائل: (( أقل الناس شهرةً, أقلهم مواجهاً للمشاكل )).  ويظهر لنا من خلال المبدأ, أنه حتى أقرب أصدقاء المستر بس لم يكونوا يعرفوا مكان مولده, وكانت حياته عبارة عن أساطير غامضة.  تفاصيل حياة السيد انتوني بس تحتاج إلى كتب عدة لسردها, ولكني أوجزت لكم أهم الإنجازات التي أسسها في حياته. 

 

أولى العمارات التي بُنيت في الشارع الرئيسي في المعلا وهي تابعة لرجل الأعمال أنتوني بس, حيث بناها كسكن لموظفيه

رجل الأعمال توني بس وزوجته هيلدا

صورة نادرة لأحدى سفن رجل العمال توني بس وهي ترسو في منطقة الحوض العائم والذي كان يملكه رجل الأعمال توني بس

صورة نادرة لأنتوني بس وزوجته هيلدا مع أحد ضباط البحرية الملكية البريطانية في مصنعه لصناعة القوارب في عدن

صورة نادرة لتوني بس مع طياره الخاص في الضالع عام 1940م

صورة نادرة لتوني بس وزوجته هيلدا مع رجال قبائل مكيراس عام 1940م

صورة نادرة لرجل الأعمال توني بس وزوجته هيلدا مع الطيار الخاص لرجل الأعمال في مكيراس

عمارة البس تتوسط العمارات الأخرى في الشارع الرئيسي في المعلا

أحدى بواخر السيد توني بس التجارية

أحدى مكاتب ومخازن رجل الأعمال توني بس في كريتر طريق العيدروس

 أولى سفن الصيد الفولادية التي صنعت في عدن بواسطة شركة عدن دوكيارد المحدودة والمملوكة لرجل الأعمال توني بس