قراءة في ما وراء الاستعراضات العسكرية الأخيرة.. هل تستعد القوات الحكومية وميليشيات الحوث ي لخوض جولة جديدة من القتال وإفشال الهدنة؟

(عدن الغد)خاص:

قراءة في ما وراء الاستعراضات العسكرية الأخيرة لمليشيات الحوثي والقوات الحكومية..

رغم جهود السلام.. لماذا يتم التسابق على استعراض القوى العسكرية؟

هل يستعد الطرفان لخوض جولة جديدة من القتال وإفشال الهدنة؟

ما الفرق بين عروض القوات الحكومية واستعراض المليشيات؟

في حالة إبرام تسوية سياسية.. ما مصير القوات العسكرية المتواجدة؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

في خضم العروض العسكرية التي أقامتها مليشيات الحوثي خلال الأسابيع الماضية، وفي غمرة التباهي باستعراض القوة، ظهر شيء في الضفة المقابلة لم يكن في حسبان المليشيات.

هذا الشيء، أدى إلى إحداث إرباك لدى الحوثيين، وأفقدهم الإحساس بأنهم القوة الوحيدة- أو هكذا يرون- على الساحة اليمنية، وألغى هذه الادعاءات التي لم تستمر طويلا، رغم التسليح الذي يتمتع به الحوثيون.

وتمثل ذلك في العروض العسكرية التي شهدتها قبل يومين محافظة مأرب، شرق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وهي عروض كشفت عن الكثير من القدرات التسلحية والعسكرية لم تكن معروفة من قبل.

لكن يبدو أن الاستعراضات الحوثية العسكرية المفرطة خلال الأسابيع الماضية، في صنعاء والحديدة وغيرها، أثارت حفيظة القائمين على الجيش اليمني، وارادوا أن يبعثوا برسالة ما إلى الحوثيين ومن يقف وراءهم.

ففي الوقت الذي كان يُعتقد أن التحالف العربي يمنع تسليح قوات الحكومة اليمنية امتثالا لقرارات مجلس الأمن الدولي بحظر تسليح المتصارعين في اليمن، كان الحوثيون ينعمون بالدعم العسكري الإيراني القادم عبر صحاري شرق اليمن والبحار الغربية للبلاد.

وهذا ما خلق اعتقادا لدى المليشيات، وحتى بعض المناهضين لهم من اليمنيين، بأن الحوثيين يمتلكون تسليحا وعتادا متفوقا على الجيش اليمني الحكومي، غير أن هذه الخرافة تلاشت سريعا، بمجرد العروض العسكرية الأخيرة في مأرب.

وكانت محافظة مأرب،  شهدت عرضا عسكريا مهيبا نظمته وزارة الدفاع ورئاسة هيئة الأركان العامة ووزارة الداخلية، احتفاءً بأعياد الثورة اليمنية المجيدة (26 سبتمبر، 14 اكتوبر، 30 نوفمبر)، بحضور عضو مجلس القيادة الرئاسي الشيخ سلطان العرادة، ورئيس مجلس الوزراء الدكتور معين عبدالملك.

> عمل وإعداد

لسنوات، أعتقد كثيرون أن القوات الحكومية تفتقر للتسليح الجيد الذي قد يُمكنها من أن تقف ندا للتصاعد اللافت في قوى الحوثيين، المدعومين من إيران عبر طرق التهريب، التي لم تنصاع القرارات الدولية في حظر توريد الأسلحة إلى اليمن.

وعطفا على ذلك، لفت كثير من المراقبين والكتاب السياسيين، عقب العرض العسكري الكبير الذي نفذته وحدات من الجيش والأمن، في مدينة مأرب احتفاء بذكرى ثورة 26 سبتمبر، إلى أن هناك عمل عسكري لا يمكن الاستهانة به، أو التقليل منه.

وهؤلاء المراقبين، يرون أن العرض العسكري المذهل للقوات اليمنية في محافظة مأرب يبرهن أن هناك عملا عسكريا وإعداديا جبّارا يجري على قدم وساق، بعيداً عن وسائل الإعلام، وبمنأى عن التهويل والتضخيم الإعلامي الذي تنتهجه المليشيات.

ويؤكد غير واحد من المتابعين، أن هناك من يعمل بجد، ويقف خلف كل هذا العمل العسكري الذي ظهر في قوام القوات الحكومية بمأرب، متوقعين أن ينعكس أثر ذلك على مستقبل اليمن سلما قبل الحرب، التي لا يتمناها أحد.

لكن ما يميز هذا الجهد والعمل الذي تقوم به القوات الحكومية، هو أنه مختلف تماما عن أسلوب الحوثيين، ففي الوقت الذي يتم العمل بصمت في صفوف القوات الحكومية، تعتمد المليشيات الانقلابية على التضخيم و"التطبيل" الإعلامي، البعيد عن الواقع.

> بروبجاندا دعائية

ينتهج الحوثيون نفس الأساليب الإيرانية، وآليات حزب الله اللبناني في الترويج الإعلامي، وتسليط الضوء بشكل مبالغ فيه، وتفجير القنابل الإعلامية، للحديث عن القوة العسكرية التي يمتلكونها، بينما في حقيقة الأمر ليس هناك ما يستحق أن يذكر في قواهم أو ما يمتلكونها.

وهو أسلوب مشاهد وملموس خلال صراعات طهران مع واشنطن في مياه الخليج العربي، أو صراعات حزب الله وإسرائيل على الحدود اللبنانية، ويعتمد على التصريحات الإعلامية و"البروبجاندا" والتضخيم، بينما لا يحدث أي شيء على الواقع.

وهذا ما درجت عليه مليشيات الحوثي، عندما تتحدث عن تسليحها وقوتها العسكرية، مقارنة بما تمتلكه القوات الحكومية، ولعل في المواجهات الأخيرة مع قوات الحكومية بمأرب أو تعز، أو مع ألوية العمالقة بشبوة ما يؤكد ذلك.

فمجرد وجود رغبة حقيقية في مواجهة الحوثيين، فإنه يتم سحق قوات المليشيات وهزيمتهم بكل سهولة، رغم ما تدعيه المليشيات من امتلاكها لقوة عسكرية متفوقة، لكنها غير قادرة على اختراق أسوار مأرب منذ سنوات، ولم تستطع تجاوز بضع أفراد مسلحين في جبهات تعز الغربية والشرقية.

ما يؤكد أن ما يقوم به الحوثيون ليس سوى "بروبجاندا" وتضخيم دعائي لا أكثر، تحاول من خلاله رفع معنويات أنصارها وتثبيتهم في ظل سخط شعبي عارم داخل مناطق سيطرة المليشيات في المحافظات الشمالية.

> قلب موازين القوى

سياسيون كثر، علقوا على العرض العسكري في مأرب، والذي كان مفاجئا لهم، وهذا ما يؤكد أن هناك عملا وجهدا يجري بصمت، على العكس تماما من نهج الحوثيين الدعائي العلني.

واعتبر غير واحد من الصحفيين والكتاب السياسيين أن العرض العسكري الكبير الذي شهدته محافظة مأرب، "قلب الموازين وغير حسابات ميليشيات الحوثي الانقلابية"، تسبب بـ"ليلة سوداء مظلمة على قيادات المليشيات الحوثية، وكل الزعامات السلالية الغارقة في أحلامها وادعاءاتها".

لكن أصحاب هذا الرأي يعتقدون أيضا أن قلب موازين القوى لم يحدث خلال العرض العسكري الحكومي قبل يومين، ولكنه تجسد خلال محاولات الحوثيين السيطرة على مأرب، فانتحروا على أسوارها، وهذا ما يؤكد نجاح القوات الحكومية في التصدي المليشيات.

رغم أن محاولات الحوثيين تلك، لم تشهد تدخلا حقيقيا من طيران التحالف العربي لحماية مأرب من تقدم المليشيات الانقلابية، إلا أن قوات مأرب الحكومية مسنودة بالقبائل أحبطت مشروع الحوثيين وكلفتهم كثيرا.

ولهذا كانت مأرب، حتى قبل سنوات خلال محاولات الحوثيين المتكررة لاحتلالها، تؤكد أن موازين القوى لصالحها وليس لصالح المليشيات التي عاشت على وقع أكذوبة ودعاية إعلامية مزيفة اخترعها وصدقتها.

> ما خفي أعظم

تعليقات المحللين السياسيين لم تقف عند هذا الحد، بل وصلت لدرجة وصف العروض العسكرية للقوات الحكومية، بأنها مجرد نماذج عسكرية بسيطة ورمزية، تخفي خلفها ما اطهو أعظم من العتاد والقدرة التسلحية.

البعض بالغ في توصيفه للقوات الحكومية خلال عرض مأرب، وأشار إلى أن الحوثيين لا قدرة لهم على مواجهة هذه القوات و"الطوفان العسكري"، غير أنهم طالبوا أيضا بالعمل على استخدامها لتحقيق السلام وليس فقط من اجل الحرب.

فيما رأى ناشطون أن محافظة مأرب أصبحت هي من تحدد مستقبل الحرب باليمن، إما المضي بالقتال باستخدام هذه القوات، أو الجنوح للسلام، في ظل حماية هذه القوات، وهو ما يجعل لمأرب ميزة تحديد هذا المصير.

لكن أبرز ما يمكن قراءته من وراء العروض العسكرية في مأرب هي أنها وضعت حدا للادعاء الحوثي بالتفوق العسكري، كما أنها عملت على إحداث توازن حقيقي في القوى بين الجانبين، وبشهادة قادة المليشيات الحوثية أنفسهم.

> سباق عسكري رغم الهدنة

يعتقد مراقبون أن كل هذا التسابق العسكري يأتي رغم جهود السلام، ومساعي تمديد وتوسيع الهدنة الأممية الحالية، وهو ما قد يحمل في طياته الكثير من المؤشرات السلبية، بالنسبة لمستقبل التسوية.

فمجرد التفكير بوجود رغبة لدى الطرفين في استعراض القوة، يتضمن تلميحا في استعداد الحوثيين أو الجانب الحكومي لخوض جولة جديدة من القتال والمعارك، وهو ما يعني فشل الهدنة واستئناف المعارك.

الأمر الذي يجعل جهود إبرام أية تسوية سياسية مصيرها إلى الفشل، وحتى وإن تمت هذه السنوية المرتقبة، فثمة إشكالية كبرى تتمثل في مصير القوات العسكرية المتواجدة والضخمة التي يمتلكها كل طرف، وتأثيراتها على استباب واستمرار السلام المنشود.

لكن في حقيقة الأمر يرى مراقبون أن كلا الطرفين، مليشيات الحوثي والقوات الحكومية، يحاولان الحصول على أكبر مكاسب ممكنة من التسوية السياسية القادمة، والهدنة المرتقبة التي ستشمل جانبا موسعا وبنوا أكبر من ذي قبل، ولن يحدث ذلك إلا بالتلويح بالقوة العسكرية.

وبعيدا عن المثالية، فإن ما يدفع السلام المرتقب والتسوية السياسة القادمة إلى الديمومة والاستدامة، هو وجود قوة عسكرية تحمي هذا السلام، وتضمن استمراريته، وبدون هذا الدرع المسلح لا يمكن ضمان سلام دائم ومتوازن.

فتوازن القوى يعني "سلام متوازن ومستدام"، لا ينقلب فيه القوي على حقوق الضعيف، وهو ما نراه في مناطق عديدة من العالم، ولا يتمناه أحد أن يراه هنا في اليمن.