اختبار أدوات القوة وصبر الخصوم في اليمن

يمر اليمن ربما بواحدة من أطول فترات الهدوء المشوبة بالحذر منذ بداية الحرب في العام 2015، في الوقت الذي تستمر فيه الهدنة التي طالما تم وصفها بالهشة على الرغم من إجهاض كل الجهود الإقليمية والدولية لمد عمرها لستة شهور جديدة، نتيجة مطالب وصفها الوسطاء الدوليون بالتعجيزية قدمها الحوثيون في اللحظات الأخيرة قبيل إعلان فشل تمديد الهدنة التي انتهت عمليا في الثاني من أكتوبر الماضي.

 

لم يعلن الحوثي أنه أصبح في حل من الهدنة المنتهية الذي كان هو المتسبب في فشل تمديدها، كما أنه في ذات الوقت لم يقم بأي عمل عسكري كبير يمكن أن يوصف بأنه أجهز على هذه الهدنة الافتراضية التي يبدو أنها لم تعد صامدة إلا لاعتبارات وتوازنات إقليمية ودولية وكذلك لما يبدو كتوازن قوة دقيق في اليمن أسفرت عنه سبع سنوات ونيف من الحرب والصراع السياسي.

 

لم يضيع الحوثيون كثيرا من وقتهم في انتظار تمديد الهدنة، حيث مازالوا يراهنون على أن سياسة الصبر الإستراتيجي التي يجيدون ممارستها والتي هي في الأساس امتداد لنهج “المطاولة” العقائدي الذي برع فيه أسلافهم، قادرة على تحقيق أهدافهم، مع الاستمرار في رفع وتيرة التصعيد أو التلويح به، على إيقاع المشهد الإقليمي والدولي المعقد الذي لم يعد يحتمل المزيد من الهجمات التي قد تستهدف ممرات الملاحة الدولية في البحر الأحمر أو إمدادات الطاقة العالمية، وخصوصا مع قدوم الشتاء الذي سيكون قارسا أكثر من أي عام مضى نتيجة لتداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية وآثارها السياسية والاقتصادية.

 

وفي ظل هذه المعطيات يعتقد الحوثيون أن هامش مناورتهم أكبر من أي وقت مضى، وهو ما شجعهم خلال الفترة الماضية على إرسال رسائل ملغومة للشرعية اليمنية والتحالف العربي، عبر استهداف موانئ تصدير النفط في المحافظات المحررة، أو حتى للمجتمع الدولي بأسره من خلال التلويح بمعركة بحرية قادمة على غرار حرب المسيرات التي شنتها الميليشيات المدعومة من إيران طوال السنوات الماضية.

 

يختبر الحوثيون كما هو بيّن، صبر الشرعية المعترف بها دوليا ممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، كما يضعون قدرة المجتمع الدولي في التعامل مع الأزمة اليمنية على المحك، في الوقت الذي يبدو أن هذه السياسة الحوثية المخاتلة قد تسقط في أي وقت تحت حوافر المصالح الإيرانية التي إذا رغبت في التصعيد وابتزاز العالم فلن تجد شرا من ذراعها اليمني المستعد لتقديم مصالح النظام في طهران على مصالح الكهف في “مران”!

 

وفي مقابل النهج الحوثي واضح المعالم، يشهد معسكر الشرعية اليمنية هدوءا نسبيا كذلك، بعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، لدرجة أن هذا الهدوء انعكس حتى على ردود الفعل المتوقعة إزاء الهجمات الحوثية المتتالية على موانئ تصدير النفط في حضرموت وشبوة والتي كان يعتقد البعض أنها ستكون ردة فعل صاخبة أو على قدر هذا التحدي الخطير الذي يهدد بضرب الاقتصاد في مناطق الشرعية في مقتل.

 

والهدوء الذي يخيم على معسكر الشرعية، قد يكون من وجهة نظري طبيعيا إلى حد ما بالنظر إلى التحول الكبير الذي أحدثته مشاورات الرياض اليمنية، حيث ما تزال خارطة التحالفات الجديدة غائمة بعض الشيء، في حين يبحث كل طرف من الأطراف المنضوية في مجلس القيادة الرئاسي عن أولوياته ويرسم حدود نفوذه داخل الشرعية ومؤسساتها ويختبر في ذات الوقت مواقف خصومه وحلفائه المفترضين وهو الأمر الذي عطل مسيرة التحولات الإيجابية أو حتى تلك السلبية التي كان يتوقع الكثيرون أن تتم بعد الإعلان عن المجلس الرئاسي.

 

وعند التوقف لوهلة عند هذا الصمت الرهيب الذي لازم مجلس القيادة الرئاسي، تحت وطأة الخوف من إحداث أي فوضى أو ارتباك في حال تم المضي قدما في سياسة التغيير والإصلاح، نجد أن هذا الخوف الذي عززته أحداث شبوة وما تلاها، تضافر مع رغبة بعض الأطراف المهيمنة على الشرعية في تجميد الشرعية للاستمرار في قضمها، في حين تتحين أطراف أخرى لإلقاء حجر وربما قنبلة في بركة هذا السكون الآسن الذي إن استمر سيفرغ مجلس الرئاسة من محتواه وسيجعله في نهاية المطاف أمام تحديات أكبر من قدرته على مقاومتها بجسد غائر وعقل مسكون بالمخاوف من مواجهة ما ليس منه بد!