تحليلات حرب روسيا واوكرانيا بين العاطفة والواقعية

حرب روسيا وأوكرانيا هي أكبر حدث عنيف تشهده أوربا منذ الحرب العالمية الثانية، التي حصدت ارواح عشرات الملايين من البشر، ودمرت ثلثي المدن والبلدات في أغلب دول القارة، وتأتي الحرب الدائرة اليوم لتحيي مآسي وأحزان، ظلت القارة الاستعمارية بعيدة عنها خمس وسبعون سنة.

رغم ان الحرب القائمة هي بين دولتين فقط، الا ان تأثيراتها شملت دول العالم كله، سواء من حيث انها خلقت انقساما واضحا في الأسرة الدولية، أو من حيث تأثيراتها على الأمن الغذائي للعديد من البلدان، كون روسيا وأوكرانيا من كبار مصدري الحبوب على مستوى العالم، وكثير من بلدان الشرق الأوسط تعتمد عليهما في استيراد هذه السلعة الحيوية.

نظرا لما تقدم، فهذه الحرب استحوذت على اهتمام الجميع، وانشغل العامة والساسة والمحللون بسير أحداثها، والمحللين العرب لم يكونوا استثناء من ذلك، الا ان كثير من المحللين العرب، يقعون في مشكلة الانجرار خلف العاطفة، فيعكسون آمالهم وأمنياتهم في تحليلاتهم، وهو مايمكن أن نطلق عليه بالتحليل الرغائبي، وأقصد بذلك أن يخضع المحلل في قراءاته وتحليلاته لما يريد هو ويتمنى، ما يؤدي الى فقدان عنصر الحيادية عند أي قراءة لهكذا حدث، فالمحلل الذي ينطلق من عاطفته ويخضع لها، ستكون استنتاجاته وخلاصاته معبرة عن أمنياته ورغباته الشخصية فقط.

المحللون العرب انطلقوا في تحليلاتهم لحرب روسيا واوكرانيا من غضبهم من السياسات العدائية لدول الغرب تجاه البلدان العربية، وأيضا من رغباتهم في أن تؤدي هذه الحرب الى أن توجه روسيا صفعة لأمريكا وحلفائها، على أمل أن تخلص الى ايجاد عالم ثنائي أو متعدد الأقطاب، ينهي حالة القطب الواحد السائدة، التي جعلت أمريكا وحلفائها مهيمنين على الدول العربية والعالم، لعل من شأن ذلك من وجهة نظرهم أن يخلق امكانية، لأن تكون للدول العربية سيادة على قراراتها، وأن تمنحها الحرية في اتباع سياسات وطنية مستقلة.

تلك الرغبة أو الأمنية بقدر ما انها مباحة، ولكنها غريبة شئ ما، لقد عاش العالم خمس وأربعين عاما في ثنائية الأقطاب، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، في 1945، الى عام 1990م، بوجود الاتحاد السوفيتي والمنظومة الشرقية قبل انهيارهما، مع وجود أمريكا وحلفائها الغربيين كقطب آخر، ولم تكن الدول العربية تملك قرارها الوطني، وكانت سياساتها تابعة لما يريده أحد القطبين، وكانت بلداننا مجرد ساحات لصراعات القطبين، أو انها تخوض حروب بالوكالة، وكم شهد الوطن العربي من اقتتال وحروب، تنفيذا لرغبات الاتحاد السوفيتي أو أمريكا.

جرائم أمريكا والغرب عامة لا ينكرها أحد، وهي موثقة تاريخيا ومشهودة في وقتنا الحالي، من خلال الاستعمار القديم وجرائمه، وكذلك مواقف هذه المنظومة من قضايا أمتنا في فلسطين والعراق، ومايجري اليوم في كثير من بلداننا، الا ان كل ذلك لا يجدي لأن تكون قاعدة لتحليل سياسي موضوعي، انما الاعتماد على النظرية الواقعية في قراءة لأحداث السياسية، هي وحدها من توصل المرء الى خلاصات واستنتاجات موضوعية وقريبة لما هو صحيح.

علينا أن نقرأ مجريات حرب روسيا واوكرانيا وغيرها من الأحداث بكثير من الموضوعية، وأن نضع أمنياتنا ورغباتنا جانبا، ونحاول أن نبحث أولا في مقدمات كل حدث، ومن ثم نضع المقارنات في الامكانيات والقوى والقدرات، وكل ما يحيط بهذه الحرب أو الحدث، لأن ذلك سيمكن المحلل من وضع تصوراته واحتمالاته لما بعد الحرب ونتائجها، وستكون أكثر قربا من الحقيقة ومصداقية، ومعها سيرسم مسارات التعامل مع هذه الخلاصات المتوقعة، بما يخدم مصلحة الدول العربية ان كان بشكل جماعي، أو من حيث أن يخدم دولة معينة بشكل منفرد، ولكن الأهم هو أن تكون استنتاجات وخلاصات أكثر موضوعية، لأن مسار العلاقات سيعتمد على النتائج المتوقعة.