أبرمتم عقودها وقوفا أو جلوس .. ليست تلك هي المسألة !

لربما بات من المهم تأكيد المؤكد في كل مرة وإعادة الحديث مجددا كلما دعت الحاجة إلى إفاقة البعض وتذكيره بمفاهيم ومحطات سبق وأن تعاطى معها بوعي وحساب محدد قبل أن يعود لاحقا محاولا التعاطي معها بحساب ووعي مختلف، جاعلا من نفسه بعد ذلك ضحية الجهل بالواقع، وأضحوكة التناقضات على مسرح الإتفاقات التي لاترحم .

لايبدو أنه كان من غير السهل معرفة أن قيادة التحالف قد نظرت يومها لإتفاق الرياض بوصفه وسيلة جيدة لإحتواء مطالب الشارع الجنوبي الغاضب، وخلافات القوى السياسية المتزايدة هناك؛ على الأقل خلال تلك الفترة كأسباب موضوعية تجلت آنذاك للدفع سبيلا نحو بروز واقع مختلف .

في حين كان الهدف الفعلي لدى مهندسي ورعاة الإتفاق من وراء إيجاده واقعا يكمن في إبتداع قيادة التحالف إحدى أهم آليات إدارة المشهد السياسي لدى مناطق سيطرتها بشكل منفرد نوعا ما، والأهم حينما يصنع ذلك التطور المفصلي واقع ثنائية مبررات إطالة أمد الصراع باليمن، وأكثرها إقناعها للرأيين الداخلي والخارجي بعد واقع إنقلاب الحوثيين وإستمرار إعتداءاتهم العسكرية المبرر الفعلي لقيام الحرب، ولتدخل الخارج، ومن ثم لأطالة أمد الصراع .

وبالفعل، تمكنت عملية تعويم الإتفاق المدروسة تلك تحت "عنوان إستمرار تعثر عملية التنفيذ لكامل بنود الإتفاق المبرم" من تحقيق هدف الرعاة على مدى الثلاثة الأعوام الأخيرة وفق المرسوم له ودون ذهاب المشهد قط نحو مسارات أخرى ليست مرغوبة في نظر قيادة التحالف .

حاليا، ستجد أن العقد السياسي الجديد المتمثل بتوافق الأطراف السياسية الموالية للتحالف حول تشكيل مجلس قيادة رئاسي يجمعها قد أصبح عمليا يعيش واقع التعويم ذاته الذي عاشه إتفاق الرياض ولازال .
المفارقة كذلك، هي أن بند إعادة هيكلة القوات العسكرية ( مسمار جحا ) ظل محور تعويم الإتفاقين، وسبب تعليقهما في كل مرة، ولكن ماهي دلالة ذلك؟

دلالة ذلك ستكتشفها ربما حين تعلم أن مختلف التشكيلات العسكرية التابعة لكل طرف من أطراف الإتفاقات تلك ظلت ولازالت تتلقى تمويلها وكامل دعمها اللوجستي من جهة واحدة، وأن تلك الجهة المشتركة والمسؤولة لم تزل تبدي عجزا مستغربا تجاه إنفاذ ذلك البند بخلاف القدرة التي ابدتها أثناء تمرير خطوة الهيكلة السياسية، ودمج جميع الأطراف المتباينة في كيان سياسي رئاسي موحد .

على العموم، وفيما يتعلق بأطراف الداخل المعنية فكلا الإتفاقان ليسا ترفا سياسيا يمكن إستبدالهما بخيارات أخرى أو حتى مجرد التفكير بالتراجع عنهما كليا ..

ولعل مابقي متاحا هنا لدى تلك الأطراف هو فقط إستمرار تعاطيها مع مصفوفة إتفاقاتها المبرمة كإستحقاقات مرحلية لامفر من السير فيها، مع إمكانية سعي كل طرف خلالها في منحى التوظيف السياسي وتحقيق أكبر قدر من المكاسب الخاصة المتاحة له رفقة كل بند يتم فرضه واقعا، ودائما بإنتظار ما سيتقرر لاحقا في غرف مداولات المتحكمين بملف الصراع، إتصالا بما ستفضي إليه تفاهمات الخارج ذو العلاقة .

وحتى ذلك الحين ستبقى أطراف الإتفاقات تلك حبيسة الدور الهامشي المشار إليه والذي منح لها غالبا في حدود التمتع بفسحة ممارسة المناورة السياسية فيما بينها ..
غير أنه سيبقى من غير المسموح تحت أي ظرف تجاوز تلك الأدوار المحلية لنص الرغبة المتحكمة أو حياد أحدها عن خط الغاية التي حددها رعاة الإتفاقات تلك .

جيد، ولربما بات الأمر أكثر وضوحا الأن، ولكن لماذا يتم تعويم ماهو في متناول اليد أصلا؟

أهداف تعويم تلك الاتفاقات مقترنة عادة بتحولات المشهد شمالا لكنها تبقى مرتبطة إجمالا بغايات إطالة أمد الصراع والرغبة من وراء إدارة ملف أزمة اليمن بتلك الطريقة، ولذلك كان من الطبيعي مشاهدة تلك الإتفاقات طيلة الفترة الماضية وهي تمضي بوجهين، وجه التعويم الخاص بكيفية إدارة ديناميكية أطراف الإتفاقات المبرمة، ووجه المزامنة الخاص بكيفية إدارة التحولات المتناظرة على ضفتي المشهد، أي التزامن إتساقا مع ديناميكية الطرف الأخر الواقع خارج قيد تلك الإتفاقات .

سنجد أن كلا الوجهين في محصلة إدارتهما لايعدوان كونهما مجرد أهداف تصب في مجرى إطالة أمد الصراع، مجرى الغاية التي لايهم فيها تأدية الدور واقفا أو جالسا بقدر أهمية تقمص الشخصية، تنفيذ المطلوب، وتحقيق المراد ؛ نعم، تحقيق مراد المتحكمين بقرار الصراع في اليمن هي المسألة، بل وكل المسألة .