تعز على حالها والهدنة في الجيب:

آخر إبداعات السياسة الدولية نحو الحرب في اليمن، تمثل في الهدنة حتى ولو من دون مضامين حقيقية في حياة اليمنيين.
طالت الحرب، وتمزقت البلد، وظهرت أمراض في بلدنا كنا قد نسينا حتى اسمها. انتشر الجوع، والفقر فضلاً عن الكوارث الطبيعية التي تأخذ بين فترة، وأخرى نصيبها في النيل من حياة اليمنيين.
ترى هل يجوز لنا معرفة من المستفيد من هذا الإبداع الدولي؟ هل الشرعية؟ أم انقلاب الحوثينازي؟ أم من؟ 
القارئ الحصيف يُدرك أن كل مشكلات اليمن أساسها، و منطلقها واحد وهو الانقلاب الذي غيّب الدولة، وداس على القانون، وجيّر البلد لعصابة فارسية الأصل، وإن اختبأت تحت العباءة اليمنية العربية زيفاً، وبهتاناً.
إذا ما الجدوى من الهدنة التي ستدخل فترتها الرابعة طالما أن مضامينها المتصلة مباشرة بحياة المواطن في كثير من بقاع البلد لم تتحقق؟
يعرف الجميع أن الانقلاب الحوثينازي على الدولة هو المستفيد الأوحد من الهدنة، وإن يلحظ المراقبون رفض الحوثينازي لتمديدها، ومغالاته في الرفض، وتشدده في ذلك بل وإظهار استعداده لبدء الحرب التي بالأصل لم تتوقف.
في جولات المبعوث الدولي، والأمريكي من أجل تمديد الهدنة، ولفترة أطول تظهر بين الأسطر حركة خفية للحبر المُسال مضمونها ترويض المجتمع الدولي للشرعية، والشعب اليمني خاصة في المناطق المحررة وهماً؛ من أجل القبول المهين للهدنة، وتمديدها لفترات متلاحقة. هذا الأمر نقوله لأن ما يحدث أمامنا يُفصح عن ذلك، فلو استعرضنا ثمرة الهدنة لستة أشهر مضت لوجدنا أن ما تحقق الآتي:
آلاف الاختراقات من قبل الحوثي للهدنة.
مئات القتلى، والجرحى في جيش الشرعية، والمواطنين في المناطق المحررة.
تجهيز الانقلاب الحوثينازي المستمر لعصابته، ومن يغرر تحت رايتها لمعركة فاصلة.
الزج بالأطفال، والمراهقين وقوداً في معركة نصرة الحوثينازي.
تماهي، وتغاضي المجتمع الدولي مع كل ممارسات الانقلاب، رغم خطورة هذه الممارسات وفداحتها على السلم في البلد.
السكوت عن تهريب الأسلحة المستمر عبر البحر، والبر، والجو أيضاً؛ الذي سيفتح رحلاته بشكل أوسع.
شرعنة الانقلاب ليكن هو السلطة الرسمية خطوة فخطوة؛ ذلك عبر الاتصالات السياسية، والحوارات التي تدور فوق الطاولة، وما أكثرها تحت الطاولة.
عدم تنفيذ الهدنة في شقها الخاص بتعز، وعدم توقف إشعال المعارك خاصة في جبهة مأرب، وتعز.
الحوارات التي تجري بين الممثل الدولي مع الحوثينازي وإن أظهرت ثمة صعوبات فإنها في حقيقة الأمر ليست إلا مغالطات القصد من وراءها جعل الشرعية ترضخ لتمديد الهدنة، ولو بأدنى الشروط.
خلاصة القول هو أن المراد من الهدنة استنزاف مقدرات الشرعية السياسية، والاقتصادية، النفسية الاجتماعية، وحشد هذه الموارد إيجابياً لصالح القوى غير الشرعية الناشئة سواء في الشمال، أو في أي مكان في البلد، وجعل البلد يبحث عن فرصة للسلام حتى ولو كانت النتيجة مستقبل مشوهة، وغير آمن لفترات طويلة.
نُشير هنا إلى أن الهدنة في فترتها الرابعة رغم كل التهويل في إظهار صعوبة تحقيقها إلا أنها ستعلن منتصف هذه الليلة، وإن تأخرت فبعد 24 ساعة سيلبس الجميع قميصها المخرق، وغير الآمن.
كل ما رأيتم، أو سمعتم، أو قرأتم إعلان الأمم المتحدة، والدول المتحكمة في قرارها يعظم خطر عدم تمديد الهدنة، أعرفوا جميعاً أن الموافقة عليها من قبل الحوثي وبشروطه قد حدثت، ويبقى فقط هو قبول الشرعية، ومن يواليها بها وبأدنى الشروط.
العجيب أن المجتمع الدولي يضغط في اتجاه تحمل الشرعية صرف الرواتب، وفتح الموانئ، والمطارات ليتنعم الحوثي بانقلابه، والموارد التي يجبيها تصبح مغانم خاصة لعصابته.
والهدنة سارية، أو كما يُقال في الجيب، وتبقى تعز أو اليمن على حالها لا يهم لمن هم وراء ما يحدث.
بؤساً لهذا المسار، ولمن يتبناه، ويقبل به.
اكاديمي وسياسي يمني