القبول بالآخر السبيل الأوحد لاخراج اليمن من الأزمات والحروب

ان الاختلاف مسألة فطرية وحاجة طبيعية، ولا يجوز بأي حال من الأحوال قمعه أو حتى تجاهله، كونه حقيقة واقعة بين الناس الى أن يرث الله الأرض وماعليها، ومرد ذلك الى اختلاف مصادر المعلومات والثقافة، واختلاف التجارب الشخصية، واختلاف البيئات التعليمية والنشئة، ما يجعل كل فرد يقيم كل حدث أو ظاهرة من منظوره هو، ويضع الحلول للمشكلات بما يتناسب ومالديه من مفاهيم.

ان الاختلاف بين الناس لا يقف عند القضايا الدنيوية فحسب، انما يتجاوزها الى الأديان والشرائع السماوية، وللاختلاف تأصيل شرعي في القرآن الكريم الذي لم يحرمه، اذ تحدثت عدد من الآيات حول ذلك، قال تعالى:( وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)، وقال أيضا: ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَىٰ الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).

اذا كان الاختلاف جائز في القضايا والمسائل الدينية، ففي القضايا الدنيوية يكون أكثر حاجة بل ضرورة، ويجب أن يحرم ويجرم عدم القبول بالاختلاف، لأن من نتائج ذلك حدوث التصادم والتطاحن والدمار، انما تأخذ الحياة مسالك السلامة والسعادة للناس، متى آمن الجميع بحق الاختلاف ومشروعيته، وان القبول بالاخر المختلف هو التكامل والتشابك، بأن تتقارب جميع الأفكار والرؤى لتصل الى قواسم مشتركة، يمكن البناء عليها صروح تتسع كل التنوعات والتباينات، ليعيش الجميع في سلام ووئام.

ان الحرب الدائرة منذ ثمان سنوات، لم تسلم منها منطقة في اليمن الا ونالت نصيبها من الدمار والآلام والأوجاع والأحزان، كل ذلك بسبب عدم الايمان بحق الاختلاف، وغياب روح الانفتاح بين المختلفين فكريا وسياسيا على بعضهم البعض، فحضرت روح الاقصاء والالغاء بدلا من أن يتفهم كل طرف للطرف الآخر ويقبله كما هو، وأن يكون الحوار هو الخيار الأوحد لحل المشكلات وتقريب وجهات النظر، لأن القبول ببعض يؤسس لعلاقة من التكامل والتعايش، انطلاقا من قاعدة الكل شركاء في هذا الوطن، وان كل منا يحمل رؤيته التي يعتقد بصحتها لاخراج الوطن من محنته.

عندما يحسن كل طرف الظن في الأطراف الأخرى المختلفة معه، ويتوقف عن شيطنتها او الحشد والشحن ضدها، وتكون طاولات الحوار هي ساحات التنافس وحل المشاكل، بدلا من اللجؤ للعنف وحمل السلاح في وجه الآخر، عندها فقط سيكون الجميع قد بدأوا السير في طريق علاج كل أمراض الوطن، وسيجعلون من اختلافهم تنوع يزيدهم قوة وعنفوان، وسيصلون معا الى عيش مشترك، يمكنهم من بناء وطن يضم الجميع يسوده السلام والأمان، وتقوده مؤسسات تفرض العدالة والمساواة لكل أبناءه.