وجع الرحيل

 

يوما ما سنرحل ، ولربما أسبقكم إلى حتفي. هناك..! لن أشعر بمدى حبّ الناس لي ، مدى تأثرهم بحادثة رحيلي ! 
لا أعلم من سيذرف الدموع ، ومن سيكتب الرثاء من الأصدقاء ، مع أنه لن ينفعني - حينها - شيئا ممّا قد يُقال، سوى دعاء صادق بالرحمة والمغفرة. 
هناك شعور غريب ينتابني ، شعور الرهبة من الموت ، وأنا أرى الموت يحاصرني من كل مكان ، مع أنّه الحقيقة الصادقة التي لا يحمل الزيف ولا النفاق! 
ربما أثار فضولي للكتابة عن يوم رحيلي ؛ ما أراه من كثرة الراحلين ممن كان هنا معكم اليوم ،  وفجأة - ودون سابق إنذار - يرحل دون وداع!
قلت لنفسي لعلّ هذه مواساتي الوحيدة في دنيا الفنا أن أقول بلساني ما سأعجز عنه غدا .. شعور المواساة ، أن ترى نفسك خارج دائرة الوجود ، معرضا للزوال ، وقد تلاشيت ، فتصبح حادثة الرحيل عند من عرفك يومًا ، مع من التقت طرقكم في متاهة الحياة ومعتركاتها ، يصبح وقع الرحيل مؤلمٌ ولو قليلًا عند من يتذكرك ، وكأني أجد منهم من يواسي نفسه بالترحم علي ، ومنهم من يكتب عن شيء في نفسه ؛ لقاء هذا الراحل مما فاته عن قوله في حياته ، فيكون شعور الفقد موجع ، وخبر الرحيل صادم ، يرتجف له القلب ، يُحزن من رأى  قربًا ، أو معزة مُضْمَرة.
أعلم جيدًا أن وقع الحدث سيكون مؤلمًا لحظيًا ، سرعان ما يمر على خبر آخر ، فيه فرح فينسى ، وهذه طبيعة البشر ! 
إلّا أن عزائي الوحيد ، ومواساتي أن أرحل نقيًا من دنياكم ، دون أن يكون في قلب أحدكم عليّ شيءٌ من الغيض ، أو القسوة ، جرّاء ما سبّبتُه لكم من تصرفٍ أغضبكم ، أو سلوكٍ أزعجكم ؛ فأرحل خفيفًا كما أتيت!
ولأن أرحل مظلومًا خيرٌ لي من أن أرحلَ ظالمًا ، مملوءٌ بالمظالم.
ما أجمله من شعور  أن يختِمَ الله مسيرتي بقلبٍ نقي لا يحمل شيئًا من خُبث. حينها ربما تجدُ روحي الطمأنينة التي هي مبتغى كلّ حيٍ مكتوبٌ عليه الفناء! 
أفكر كيف أن رهبة الشعور بالموت تجعل إحساس المرء يقظًا ، وبوحه صادقًا لا يخالطه زيفٌ أو نفاق! 
ثم في لحظةِ ما أنا سارحٌ بتفكيري ، أتخيل صدمة الرحيل ، ووجع الفقد ، تخنقني عبرتي ، وتسيل أدمعي على خدي ، فلا مواساة الناس تخفف عني ، ولا كتاباتهم تسعدني،  ولا عويل الأهل ينقذني، ولا صراخ الأحبة يعيدني ، وأنا الذي أصبحتُ مفارق الجميع ، تاركًا كلّ شيءٍ خلفي ، لا ألتفت إلى شيء ، ولا أحمل معي ما كنت لا أفارقه!
أجدُ كل شيءٍ - في لحظات الفراق وما بعد الرحيل - كذبٌ وزيف! .. وأنّ ما كنت ألهث وراءه مصيدة! 
عند نزع الروح ومفارقتها الجسد ، سيقول الناس عني ، كان رجلًا شهمًا ، كريمًا معطاء . ويقول آخر : كيف لي أنْ أترك تفقده وقد كان على تواصل بي ، فيا ليتني لم أتركه وحيدا .. وقائلٌ يقولُ: لقد كان نعم الصديق ، وخير الأصحاب ، فما أشد حزني على فراقه ، ولكنني لن أنساه ما حييت . وآخر يقول: لم التقِ به ولكنني عرفته عن بعد فلم أجد منه إلا كل جميل ، فما أشد فاجعتنا به .. بينما في الواقع ، كلمات المدح لا تنفع إن لم تكن في وقتها ، والحزن لن يُصححَ ما قد فات ، ولن يعيد ما مضى. 
كل شيء قد شهدته في حياتي ، فلا أعبئُ بما قد يأتي بعد فوات الأوان. 
رحيلي لن يكون مؤلمًا للبعض، وسأصبح في خبر  كان ، فإن كان لي أولاد فسيكبرون وينسون ، ولا أدري هل سيبقى لي عندهم من ترحّمٍ ودعوة بظهر غيب تطهرني مما حملته معي من آثام، إلا أن الشيء الذي يدمي قلبي ، ويهدّ قواي ، أن لي أمًا ستحزن بما للحزن من معنى ، سينهكها ما بقيت روحها في جسدها ، ستظل تدمع عينها كلما فرح الأقربون . جلّ وقتها لن أغيب عنها ، وهي التي لم تنسنِ وأنا قريبٌ منها ، فكيف تنسى إذا رحلت إلى البعيد. 
أملي الوحيد بالحياة من أجلها فقط ، لا أريد أن أموت ؛ حتى لا تحزن. أريد البقاء أكثر في محيطها ، أريد مزيدًا من الأمنيات ؛ كي تسعد . 
لا أطيق فكرة الرحيل وأنا الوحيد الذي لا أحدَ لي في دنياي سواها ، هكذا قُدّر لي العيش وبها رضيت به. 
تالله ما العيش إلا ألمٌ لو لم تكن ليَ أمٌّ.. ما أنا في هذه الحياة إلا شخصٌ يعيش في أرض الله وغايته إسعاد أمه ، وأن ترى النور دائما ، ولي أمنيةٌ لا أريد سواها ، أن لا تجعل - يا الله - الوجع يتسربُ إلى قلب أمي ، ولا الدمع إلى عينيها ، وكما أفرحتني بحياة فيها أمي ، فأسعدها بحياة ليس فيها فقد أو خسارة!
#وجع_الرحيل