عبقرية المشهور .. الخطيب المؤثر (9)

من النعم الكبيرة على العبد الحريص على  تطوير نفسه السعة في الأفق ، والعمق في النظر والنفوذ إلى أعماق الحقائق ، والحرص على طلب العلوم، وتنوع الثقافة، وتعدد القراءة ، وكثرة المحاورات وتعدد المجالسات لأهل العلم وأرباب الحكمة، قال ابن خلدون رحمه الله  : (على قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها) وكذلك جعل وقت للعزلة و التأمل والتفكير  ، وتبقى هذه أمور نظرية في نظرنا ، لكن تعالوا معي لندخل في العالم التطبيقي العملي  للحبيب المشهور رحمه الله  ، الذي صقلته التجارب والخبرات ليكون  أشبه بجامعة سيارة ، ومسجد متنقل ، وكأنه يغوص ليخترق حُجب التاريخ ، للوصول إلى ذروة نجاحاته.

     لقد استغل مواهبه ونمّاها ،  وطور من معارفه فارتقى بها،   وتزكت نفسه بمجالسة رجال الذوق  ولم  يقبع في زاوية ،  أو وظيفة خاصة،   ولم يرض أن يكون على هامش الحياة ، يعيش على الأمنيات ، بل كانت طموحاته لها بدايات إجرائية  تدعوه للتغيير  والتطوير  أن ضع بصماتك ، لأن العالم قائم على التغيير والحركة والديناميكية  لا على السكون، وأن ثمن التأخير  سيدفعه الشخص إما عاجلا وإما آجلا .

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
    إن السفينة لا تجري على اليبس

إني رأيت وقوفُ الماء يُفسده 
  إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب

والأسد لولا فراق الأرض ما افترست 
 والسهم لولا فراق القوس لم يصب

  لذلك كانت حياته قائمة على أهداف عالية ، من ذلك تطوير  قدراته الخطابية والتي مارسها قرابة خمسين عاما، فكان  منذ صغره مولعا بقصص المؤثرين ، ولقد أخبرتني أنه منذ صغره  كان يتابع خطب الرئيس  عبدالناصر عبر الإذاعة و التي كان يستمع إليها الوطن العربي كافة في ذلك الزمان  ، فعرف رحمه الله أن أسلوب الكلام، وطريقة الإلقاء تزيد من قيمة أي مادة تحملها  .

ولقد  طوّر حبيبنا من ملكاته الخطابية، من ذلك جعل  أفعاله أبلغ من أقواله ، فصنع لنفسه أرضية قيمية وأخلاقية،  لذلك أعطى كثيرا من وقته للاستماع ،   والنفع والانتفاع ، يشارك أحبابه آمالهم ومخاوفهم وعواطفهم ، فكان واضحاً  وسهلا ممتنعا ، من يسمعه يدرك وضوح رسالته وصدق قضيته.

  ولقد رزقه الله القدرة على البلاغة لإيصال فكرته وتبليغ دعوته ، وكأنه خبير في لغة الجسد ومقامات الصوت ، فكان في خطاباته يؤثر في الآذان والعيون ، ويصل بروحانيته إلى صميم  القلوب .

    كان رحمه الله خطيبا قويا يستمد قوته من ألفاظه التي يستخدمها، ونبرات صوته الواضحة لمن يسمعها و طريقة سرده للمعلومات من مصادرها  ، وقدرته البصرية والتي تمثل حركات جسده  لمن يشاهدها.

    عندما رُشح ليكون خطيب الجمعة في افتتاح جامع الصالح بمدينة صنعاء، كانت وفود كبيرة حاضرة ، وكان يتوق لهذه المهمة عدد  من العلماء الذين لهم قدرة قوية على الخطابة ،  ولقد طُلب منه كتابة خطبته قبل إلقائها فكتبها لهم  واثقا في قدراته ، متكئاً على صدقه وإخلاصه.    

    لقد مارس الخطابة منذ بداياته، وكان يملك  القدرة  على وضع  إطار لمحاضراته ،  والموهبة على الارتجال والاسترسال .

      تشرفت بمرافقته قبل عشرين سنة وقد طُلب منه محاضرة في دولة عربية ،  حضرها فئة نخبوية كانوا متعددي الرؤى والاتجاهات  والمذاهب والطرق والأفكار فكان عنوان محاضرته (الإسلام بين الإحباط الجاثم والخطر القادم)  تجاوز  بها الاختلافات الضيقة التي كانوا يحملونها  وأرسى لهم قواعد ( القواسم المشتركة) فكانت مضامينها  وجدانية تخاطب المشاعر والأحاسيس  ، وجزء منها منها كان عقليا يخاطب القناعات والاهتمامات  فقد قال لهم  (العقل السليم  في القلب السليم) وإن (الإنسان قبل ألبنيان) فهفت القلوب لسماع كلامه .


وللحديث بقية

هاشم بن عبدالله الحامد