جرائم شائعة ومتجددة على وسائل التواصل الاجتماعية

جريمة النصب والاحتيال كأحد أبرز الجرائم الشائعة والمتجددة التي تسيطر على مساحة واسعة من المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الإجتماعي بمختلف مسمياتها التقنية، وتحدث بشكل مستمر على اختلاف الفاعلين والضحايا وطرق الخداع الحديثة والقديمة التي يستخدمونها لإيقاع الضحية ، وهي من الجرائم التي تحدّث عنها الكثير من أهل المعرفة وحذروا من الوقوع فيها ولكن مازال كابوسها يهدد جميع المجتمعات العربية والغربية، ومع تقدم التكنولوجيا الحديثة تزداد ضحايا هذه الجريمة بمعدلات ونسب كبيرة تحصد بالسجل الإجرامي العالمي وبشكل يومي كونها تعتبر من الجرائم العابرة للحدود ويسهل من خلال ذلك إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا بدول مختلفة فقد يكون الفاعل في دولة والضحية في دولة أخرى، وغالباً ما يقع في هذه الجريمة من ضحايا هم الأشخاص الذين يبحثون عن الثراء السريع.

فقد عرّفها البعض على إنها : عملية خداع تستخدم كوسيلة للحصول على ميزة غير نزيهة من شخص آخر وغالباً ما تكون هذه الميزة على شكل أموال، فهي جريمة لها طابع ذهني يستخدم الجاني فيها الذكاء والحيلة والعقل في تنويع وسائل الخداع وأخفاء وتشويه الحقيقة في ذهن الضحية، فيمكن أن نعرف جريمة النصب والاحتيال بمفهوم أخر بأنها : فعل غير مشروع يقوم به شخص عادي أو جهة اعتبارية معينة بقصد الحصول على أموال شخص أخر أو منفعة مادية بطرق احتيالية عديدة.

ومن أبرز الطرق الإحتيالية التي يستخدمها الفاعلين في وقتنا الحاضر لإيقاع الضحية هي : إنشاء مواقع رقمية مؤقتة أو وهمية لغرض استغلال أموال بعض المشتركين فيها سوى عن طريق البيع والشراء أو الإستثمار الرقمي أو التوظيف أو الهجرة للخارج أو إقامة بعض الحملات الخيرية ، ومن خلال ذلك يتم نشر إعلانات تجارية وعروض مغرية عبر مختلف وسائل التواصل الإجتماعي وإتخاذ أسماء وصفات كاذبة وغير صحيحة في الواقع والاستعانة بأشخاص آخرين من دول أخرى لتسهيل عملية النصب والاحتيال ، وإبراز عقود وكالة أو شراكة مع أحد رجال الأعمال المشهورين أو المواقع التسويقية المعروفة ونشر علامات تجارية معتمدة لغرض الحصول على ثقة الضحية وهي في حقيقتها وثائق وبيانات مزورة وغير صحيحة ، بالإضافة إلى تمكين الضحية من الحصول على أرقام وإثباتات بشكل موثوق بها حول المبلغ المراد استغلاله لكسب ثقة الضحية واستغلال أشخاص آخرين عبره ، وإثارة شهية الضحية لجمع الكثير من الأموال  في وقت قصير وإقناعه بالفائدة الربحية القادمة من أجل أن تقوم الضحية بالترويج لهذه العملية المخادعة وإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا في هذا المستنقع.

ومن أشهر الشخصيات الإحتيالية في عمليات النصب والاحتيال في العالم : تشارلز بونزي يعد من أكبر المحتالين في التاريخ الأمريكي والذي ألقي القبض عليه عام 1920م بتهمة الاحتيال على آلاف الأشخاص ، حيث قام بونزي بعمليات النصب والاحتيال عبر نظام استثماري هرمي يتمثل في الوعود بكسب أرباح مالية كبيرة ويتم تمويل هذا الربح من أموال مستثمرين جدد حتى وصل الحال إلى انفجار فقاعة المضاربة بتلك الأموال غير المشروعة، وأيضاً فرانك أباغنيل الذي يعد من أشهر المحتالين في العالم حتى أن قصته تحولت إلى فيلم أنتج في عام 2002م ، حيث قام أباغنيل بالكثير من عمليات النصب والاحتيال وقام بتزوير أوراقاً للعمل كطيار للتنقل بين العديد من دول العالم عبر شركات الطيران بدون دفع أي مقابل مالي وأخرى كطبيب وأستاذ جامعي لأجل أن يتقاضى مبالغ مالية كبيرة رغم أنه لم يحظ بأي تدريب في أي من هذه المجالات.

وعلى ذلك فإن المشرع اليمني رغم عدم تعديله لبعض النصوص القانونية وعدم إصداره قانون خاص بالجرائم الإلكترونية الحديثة كسائر الدول المتقدمة ، إلا أنه لم يغفل إطلاقاً عن تلك الأفعال غير المشروعة وأورد عقوبتها نصاً بالمادة (310) من قانون العقوبات اليمني بشكل واضح بقوله : (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات أو بالغرامة من توصل بغير حق إلى الحصول على فائدة مادية لنفسه أو لغيره وذلك بالاستعانة بطرق احتيالية (نصب) أو أتخذ اسم كاذب أو صفه غير صحيحة) ، وإضافة إلى النصوص الواردة في قانون الجرائم والعقوبات هناك أحكام يتوجب إصدارها في مسار مثل هذه القضايا المنظورة أمام المحاكم كالتعويضات المالية وعقوبات مادية ومعنوية أخرى حسب ما تراه عدالة المحكمة.

ومن المعالجات والحلول للحد من توسع هذه الجريمة وتزايد أعداد ضحاياها نوجز ذكر بعضها في الآتي : 

- فرض رقابة صارمة على جميع التجار والبنوك والمصارف الخاصة للتأكد من سلامة تعاملاتهم النقدية من قبل الجهات الحكومية المختصة.

- وضع قيود على جميع العملاء في سندات إرسال الحوالة عبر البنك أو المصرف لأي جهة يتم التعامل المالي معاها وذلك لإيضاح كافة البيانات وغرض التحويل ونوع نشاط الجهة المرسلة لها تلك المبالغ.

- يجب على جميع الأطراف المشاركين في عمليات التعامل المالي لأي نشاط سوى كان داخلي أو خارجي التأكيد من سلامة الجهة المتعامل معها والمعلومات والبيانات المطروحة لديهم وذلك عبر مصادر مؤكدة ورسمية من خلال الإتصال والتواصل والبحث عن نشاط مثل هذه الجهات قبل البدء في التعامل معهم.

- عدم الإنجراف وراء بعض العروض والأعلانات المغرية والوهمية والتي يتم نشرها عبر مواقع التواصل الإجتماعي والشاشات التلفزيونية والتطبيقات المختلفة بهدف زيادة أعداد الضحايا من عمليات نصب واحتيال تقف خلفها.

- على مكاتب التجارة والصناعة والغرف التجارية مراقبة الأنشطة التجارية والإعلانات والعروض التجارية ونحو ذلك في نطاق عملها المحدد بالتعاون مع الجهات المختصة للحد من ارتكاب مثل هذه التصرفات غير المشروعة.

- على الدولة تفعيل وتطبيق أحكام القانون المنصوص عليها وفقاً لقانون الجرائم والعقوبات والقوانين الأخرى والتشديد على مرتكبي مثل هذه الجرائم - جريمة النصب والاحتيال - للحد من ارتكابها من قبل أي جهات أو أفراد بالمجتمع.