"الهيئة الحقوقية" ومسيرة النضال السلمي في حضرموت

لم ينل المجتمع الحضرمي صفة الحضارية الا بعد أن توفرت له القواعد الحاكمة ليكون مجتمعا حضاريا، وهو المشروع الذي أسست له أجيال سابقة برزت أفعالها في مختلف نواحي الحياة، ولمسها وعايشها كل شعوب الأرض، وكانت الوسطية في جميع الأحوال هي الغالبة على الحضرمي، فهو انسان غير متطرف في مواقفه وآراءه، ولا لينا الى حد التفريط في مايجب أن يكون، متخذا من السلمية والحوار سبيلا لحل الخلافات والمشاكل، غير مترددا عن استخدام العنف والقوة عندما يستدعي الأمر ذلك.

وتأسيسا على الوعي والسلوك الحضاري، عرفت حضرموت النضال السلمي منذ وقت مبكر، وشهد تاريخ حضرموت حركات احتجاجية سلمية عديدة، وأحدث بنضاله السلمي تغييرات كبيرة وعميقة في مراحل سابقة، وعلى سبيل المثال حادثة القصر الشهيرة، عندما هب الشعب مدافعا عن سيادته الوطنية، التي أنتهكت من قبل رأس الحكم في السلطنة القعيطية، بتعيين شخصية غير حضرمية في منصب سكرتير الدولة (رئيس وزراء)، في ظل وجود شخصيات وطنية حضرمية قادرة وجديرة بالمنصب، وسقط في ذلك اليوم 27 نوفمبر 1950 نحو 28 شهيدا وعشرات الجرحى، بعد أن فتحت قوات حماية القصر السلطاني النيران على المواطنين العزّل، ولم تذهب تلك التضحيات الباهظة هباء، فخضع السلطان ومن خلفه المستشار البريطاني لارادة الشعب، وتم تعيين شخصية وطنية حضرمية في هذا المنصب الرفيع. وفي موقف آخر تمكن فيه شعب حضرموت من تحقيق متغير عميق آخر، هو حادثة اسقاط المكلا بيد الجبهة القومية، دون قطرة دم أو أي نوع من العنف، وهناك كثير من الحوادث والمواقف، التي جعلت من حضرموت رائدة النضال السلمي، على مستوى المنطقة والاقليم عامة.

اليوم وحضرموت تعيش أوضاع أقل مايقال عنها بأنها مأساوية، فهي أحوج ماتكون الى استدعاء ماضيها الناصع في النضال السلمي، واستلهام تلك التجارب القيمة في تحقيق المطالب، والخروج من النفق الذي وجدت نفسها فيه، وأجد في "الهيئة الحقوقية الحضرمية"، الوسيلة المثلى لاستعادة تلك التجارب المحترمة، ووصل حاضر حضرموت بماضيها المشرف في النضال السلمي، كونها جسم تشكل من عدد من ممثلي من النقابات العمالية، ومنظمات المجتمع المدني والقانونيين، الى جانب ممثلين عن القوى والأحزاب السياسية، المؤمنين بالنضال السلمي وأهميته.

الهيئة الحقوقية الحضرمية التي تم الاعلان عنها نهاية نوفمبر العام الماضي، هي بمثابة جبهة عريضة تضم مختلف القوى النقابية والاتحادات والمنظمات والأحزاب، تتبنى عدد من القضايا والمطالب الحيوية والمشروعة للشعب الحضرمي، وتوافق معلنوها على اعتماد النضال السلمي للوصول لأهدافهم، لعلمهم ان النضال السلمي هو أكثر ايلاما للحكومة والسلطات، وان أي قوة مهما كانت ستعجز عن الوقوف في وجه النضال السلمي، بل ان أي قمع للمشاركين في أنشطة احتجاجية سلمية ستكون مدانة من العالم أجمع، وستعجل بسقوط أي سلطة تتعنت أو تقمع المواطنين السلميين، لاسيما وان الهيئة قد تلقت مؤشرات ايجابية، على تفاعل المواطنين بمختلف انتماءاتهم وفئاتهم، مع دعواتها للفعاليات التي أعلنت عنها منذ الاسبوع الأول، قبل أن تتوقف لأسباب غير مبررة ولا مفهومة.

المطلوب فقط أن يتم اعادة ترتيب أوضاع الهيئة، وأن تتخذ من داخلها قيادة موحدة، شريطة أن يكون على رأسها شخصية مستقلة ومحايدة عن الولاءات الحزبية والمكوناتية، وأن يضم الى جانبه قيادات همها الأول والأخير تحقيق مطالب المواطنين المشروعة، وأن يلتف الجميع حول هذه القيادة، وأن ترتكز في أنشطتها وفعالياتها على قوة النقابات، كونها القوة التي أثبتت تأثيرها في كثير من الأحداث في العالم، بالاشتراك ودعم من جميع المنظمات والاتحادات، وباقي القوى والأحزاب السياسية، مع الابتعاد عن أي مؤثرات سياسية، وأن يكون هناك ميثاق شرف وعهد وطني بأن يكون كل من ينتمي للهيئة مخلصة لأهدافها المعلنة، وأن يفصل بين ميوله وانتماءاته السياسية والحزبية وهذا العمل الوطني الشعبي، وأن يكون مكرسا جهده وفعله لصالح حضرموت وأهلها، وهكذا سيكون للهيئة الحقوقية الحضرمية، شرف احياء الموروث العظيم في النضال السلمي والحفاظ عليه، وعكس الوجه الحضاري للمجتمع الحضرمي.