أرجوكم كفاية "خذلان"

 

سأبلغ اليوم ٣٢ عاماً، فأنا من مواليد ٩ يناير ١٩٦٨ كما هو مدوّن في السيرة الذاتية المرفقة في خانة المعلومات في هذه الصفحة؛ و بإعادة قراءة الرقم المذكور في المبتدأ يتضح أنني ضعيف في الحساب، أو لعلني أتذاكى، كما يفعل كثيرون، و لا أريد الاعتراف بأن العمر يمضي سريعاً.
في الواقع إنّ العمر يمر أسرع مما نتوقع، مع أن معلمتي الفاضلة في السنة الأخيرة من مرحلة الثانوية العامة - عندما كنتُ أدرس في ثانوية ١٤ أكتوبر بالمعلا - كانت ترى قدراتي بشكل مختلف، فهي، أي معلمتي الفاضلة الأستاذة نادرة، كانت تعتقد أن الطالبين فضل الكعبي و سامي الكاف سيكون لهما مستقبل باهر و شأن عظيم، لأن هذين الطالبين من وجهة نظرها أذكى طالبين مرّا عليها، و لا أظن أنها تتذكر هذه الحكاية كما لا أظن أن أحداً من زملاء الدراسة يتذكر مثل هذه الحكاية التي هي في نهاية المطاف لا تهم أحداً بمن فيهم كاتب المنشور ولا يفكر أحدكم و يسأل أين هو هذا المستقبل الباهر أو الشأن العظيم، فكل ما يهمني الآن أن لا ينتهي بي المطاف نهاية مشابهة لنهاية الناقد اليمني الكبير الصديق محمد ناجي أحمد؛ أن يتم خذلانك و تركك تموت، ثم تنهال عليك بعد ذلك المراثي من كل حدب وصوب كأنها مطر يهطل فجأة من السماء بلا توقف. (أكتب ما أكتب و المطر يهطل، على نحو متقطع، على عدن: مسقط الرأس و مسكن الروح).
الخذلان أسوأ من الموت؛ في الواقع لا يوجد مقارنة بينهما، فالميت لا يشعر بشيء، أما المخذول فإنه يعيش أسوأ مشاعر يمكن أن يحس بها في حياته، خصوصاً اذا كان الخذلان من أقرب الناس إليه. 
نحن نعيش في مجتمع قائم على الخذلان المستمر و إن حاولنا التظاهر بخلاف هذا؛ ليس على مستوى الأفراد وحسب بل و ناحية المجتمع باعتباره وطناً حاضناً لجميع الناس لا يفرّق بينهم لأي سبب من الأسباب. 
لن أقول الجميع؛ لكن الغالبية في هذا المجتمع لا تقوم بما عليها القيام به من واجبات وإلتزامات؛ سواء تعلق الأمر بأداء الواجبات والإلتزامات المنوط بها في نطاق وظائفها التي تشغلها في مؤسسات الدولة و في غير مؤسسات الدولة، بشكل عام، أو في سياق علاقاتها الإنسانية، بشكل خاص. (ولا أريد الحديث الآن عن ما أتعرض له من معاملة لا إنسانية في ما يتعلق بمعاملة خاصة بعائلتي أتممت كل إجراءاتها القانونية بحسب ما طُلب مني، فأنا عاجز إلى الآن عن اتمامها في مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية الخاصة بالأجانب في اليمن رغم تدخل مسؤولين كبار في الدولة لاتمامها، فما زال لدي من الصبر ما يكفي ليسير الأمر في سياقه المفترض). 
كل مؤسسات الدولة بشكل خاص و مؤسسات المجتمع بشكل عام، تحتاج منا، قبل الاستناد إلى كفاءات تلتزم بتنفيذ قوانينها و لوائحها، تحتاج منا أكثر ما تحتاج إلى التعامل مع الآخرين بروح إنسانية في المقام الأول؛ فأي إنسان و كل إنسان هو كتلة من المشاعر و الأحاسيس. 
لو قام كل فرد بما عليه القيام به لتضاءلت مساحة الخذلان التي نعيشها في هذا المجتمع و ما الحرب إلا تداعيات من الأخطاء المتراكمة خلال عقود و قرون فائتة؛ و لسوف نشهد علاقات إنسانية أقل وحشة مما نشهدها اليوم، بل وسنجد أنفسنا وجدنا طريقة ما للعيش المشترك (وهذا هو بالضبط ما يسعى #يمنيزم إليه من خلال تسليط الضوء على ما نعيشه و جعله قضية للنقاش لجميع اليمنيين إن أرادوا و أمتلكوا رغبة حقيقية للقيام بما يتوجب عليهم القيام به ليعيشوا بسلام). 
أرجوكم كفاية "خذلان".