إذاعة عدن وأحمد عمر بن سلمان

لعبت إذاعة عدن دورا بارزا في نشر الوعي والفن والثقافة وهيأت أجواء مشجعة لكثير من المواهب، وكانت الملاذ المحفز لبروز إبداعتهم ونمو مواهبهم ، في الجنوب والمحيط المجاور له، وقد جذب صوتها المتميز جمهور كبير انبهر ببثها وما حمله من أطباق شهية ومختلفة الاشكال والتي تنسجم وتتوافق مع تنوع أذواق متابعيها ، حيث قدمت الثقافة والفن والموسيقى والدراما ، بنكهات جاذبة ، كما عرضت برامج توعوية للمجتنع والأسرة والطفل أسهمت من خلالها في بلورة كثير من القضايا الهادفة بصورة شيقة وتضمنت بعض النصائح والارشادات في جوانب مختلفة كالتربية والتعليم والصحة والأمن وغير ذلك، ولم تبخل في عرض بعض الفعاليات السياسية والدينية وبشكل حي ومباشر، كما تخلل بعض ساعات بثها برامج قيمة وممتعة شُكّلت في قوالب متنوعة منها الثقافي والعلمي والديني ، وقد أسهم في صنع مادتها الهادفة والمفيدة والمسلية أحيانا كادرا إذاعيا، متمرس بعضه بثقافة ونهل إلى جانب ذلك من الخبرات المتراكمة لمبدعين سابقين، وقد أسهم في بعض البرامج كادر مبدع من خارج الإذاعة وجد القبول والتشجيع في كنفها.

وكان المرحوم بإذنه تعالى الأستاذ أحمد عمر بن سلمان، والذي فاضت روحه لخالقها يوم الثلاثاء الماضي،  من أبرز المساهمين من خارج الإذاعة ، فقد صاغ قالب برامجي علمي خاص ذاع صيته بين جمهور كبير من المستمعين ، وهو برنامج العلم والإنسان ، والذي كان يعده ويقدمه لما يقارب من نصف قرن، فكان البرنامج العلمي الفريد بتميزه وبقالبه البسيط والممتع والذي أضفت عليه نبرة صوته المتميزة التي جمعت نقاء الصوت ووداعته، نكهة جميلة، وقد فتح ببرنامجه هذا نافذة واسعة يطل منها المتعلم والأمي معا لقطف معلومة علمية بمفهوم سهل ومصطلحات بسيطة وطابع شيق.

 لقد تميز الفقيد بروح النشاط والتواضع فكسب محبة جميع من عرفه، وكان قد قدم برنامج كلمتين اثنين وهو برنامج ينتقد بعض السلبيات بعبارات قليلة ومفردات سهلة واسلوب جميل، ولكنه لم يستمر طويلا، رغم متابعة وإعجاب جمهور واسع لذلك البرنامج الحيوي في ذلك الزمان ، وربما كان الحمل ثقيل عليه وخاصة أن لديه كثير من المهام خارج إطار الإذاعة، فهو كان يعمل مترجما باللغة الانجليزية في وزارة الخارجية ويساهم في بعض الأماكن الأخرى، وبذلك كان مثال للمبدع والمجاهد في مواصلة عمله رغم تقدمه في السن.

لقد تساقط العديد من المبدعين والكوادر في إذاعة وتلفزيون عدن بصورة خاصة والإعلام بشكل عام خلال خريف الحرب الطويل، ولم يكن أحدهم ينتظر تكريم من الدولة ، رغم أن العديد منهم قدم عطاء متميز يستحق أكثر من التكريم ، ومع ذلك كانت كل تطلعاتهم وكل ما طمعوا به أن يمضوا بقية حياتهم في استقرار معيشي ، يستلمون رواتبهم كاملة وبنفس قيمتها التي قدرت بمقياس ضامن لحياة معيشية كريمة ، ولكن خريف الحرب الطويل لم يكفل لهم ذلك ، فقد واجهوا إعصار انهيار العملة والتي سلبت جزء كبير من قيمة رواتبهم ، وخلقت لهم مشاق وأعباء كثيرة ، فمنهم من سقط وهو يبحث عن تغطية لتكاليف علاجه، ربنا يتغمد زميلنا أحمد عمر بن سلمان بواسع رحمته وينهي خريف الحرب الطويل ، ونتمنى أن تكون انتصارات قوات العمالقة الجنوبية البطلة وبمشاركة أبناء شبوة بشرى خير وفاتحة لنهاية الحرب بكاملها.