أزمة الهوية والنظام السياسي

 لقد ساعد النظام السياسي  على تعميق أزمة الهوية الوطنية عبر سياساته الخاطئة التي خضعت لتأثير الانتماءات الضيقة القبلية والطائفية والعشائرية واستئثار بعض الفئات بالسلطة وممارسة الاستبداد السياسي بدل من معالجة الأزمة وإرساء قواعد المواطنة المتساوية . 

إنَّ ما يمِّيز قوى سياسية واجتماعية وثقافية محدودة على الدولة قد مارست دورها في تحطيم الروابط الاجتماعية بين الناس وإحياء ولاءات الماضي الطائفية والقبلية والعشوائية وتفشِّي ظاهرة الفساد ونهب الثروات . فالسلطة في اليمن هي القوة التي تتولَّى توزع المنافع المادية والمراتب الاجتماعية على وفق منظورها الخاص, وعلى هذا الأساس نجد أنَّ النظام السياسي في اليمن قد عمل على سياسية إذكاء الصراعات بين القبائل والقوى الاجتماعية بهدف بقاء النُخب السلطوية في الحكم للاستئثار بالسلطة وتسخيرها لمصالحها الخاصة  على حساب مصلحة الشعب . 

 إن سياسة النُخبة الحاكمة في اليمن كانت هي نفسها أحد أهم المعوقات أمام ترسيم الهوية الوطنية التي تعترف بالثقافات والهويات المتعِّددة في داخل جسدها الواحد ، بل اعتمدت على إتباع أُسلوب الإلغاء والتهميش للأخر وأسِّست سياسة  التعامل المتحيِّز لنوعٍ من الهويات ، لذلك فإنَّ فشل الدولة في واجباتها وسياساتها هو في الأساس فشل في تعزيز الانتماء الوطني, ومن ثُمَّ تظهر الصراعات السياسية والعنف, الأمر الذي يُؤدِّي, بالضرورة, إلى البحث عن الهويات السابقة ليحتمي في ظلها الناس والدفاع عن هوياتهم كما يقول أمين المعلوف  في كتابه (الهويات القاتلة) ( ). 

وعليه فأنَّ اليمن بهذا الخصوص معَّرض للمخاطر والانقسام الداخلي نتيجة  المخزون الكبير في العصبيات المختلفة وغياب الهُوية الوطنية، لذلك فإنَّ أي مشروع وطنيٍّ غير قابلٍ للنمو بالنظر إلى الواقع المعاش اليوم بوصفه بيئةً غير قابلةً لإنجاحه، بسب غياب الإدراك الواقعي والعلمي لحجم هذه المخاطر لدى النُخب السلطوية والسياسية بمختلف اتجاهاتها الفكرية الذين وصل بهم الأمر إلى حِّد إلغائهم التام لتلك الحقائق وإنكارهم لها ، بل وتجريم الحديث عنها كما حدث مع قضية الجنوب.

لم تستطع  الدولة في احتواء الأزمات في المجتمع  وإحداث استقرارٍ سياسيٍّ ، وقد وصلت هذه الأزمات إلى توسيع دائرة الحروب لتشمل مختلف مناطق اليمن عام 2015م ، فاستمرار أمد هذه الحرب  تبدو ملامحها في الواقع  واضحة كما هيئت لها القوى المستبدة  في الداخل والخارج على حدًّ سواء ، وهذا الوضع هو حصيلة لما خلفته النظم الاستبداد والثقافة الاستقوائية ومصادرة حقوق الأخرين والفساد المستمر للسلطات طوال المراحل السابقة التي أنتجت ثقافة الاستبدادي والغلبة والولاءات الفردية والعصبيات ، والنَّهب المنظَّم للثروات وفي مقدمتها ثقافة الاستبداد الهمجي الذي عمد إلى إلغاء كل ما يتصل بهوية الجنوب وقد تجسد هذا الإلغاء على صعيد الواقع والفكر ، فعلى صعيد الواقع تمَّ التدمير الممنهج  لمؤسسات الدولة في الجنوب ، وعلى صعيد الفكر تمَّ إنكار الحديث عن الجنوب، عبر استبداله بالحديث عن اليمن الواحد وواحدية الثورة بمفاهيم صماء ، بهدف  إخفاء صوت الحقِّ القائم على أساس الهويتين للشعبين والدولتين ، إلا أن ما جرى في الواقع هو اختفى الوحدة وبقي الحديث عن وحدةٍ زائفةٍ مجردة من مضامينها ، كان ومازال المراد من ذلك كله  هو إخفاء مطامع قوى محدودة بذاتها .  لقد اتجهت هذه الذهنية نحو ادخال اليمن شماله وجنوبه في نفق مظلم مخيف كما يتجَّلى في المشهد اليوم وعدم التفهُّم للخصائص الرئيسية لهما التي تتصف بالتنوع الثقافي والاجتماعي والطائفي في هُويات انتماءاتها المختلفة.