ما بين ملكوت الجوهر وغواية المظهر

حينما نقول إن حياتنا أصبحت في غالبها «مظاهر»، فإننا لا نبالغ إطلاقاً، إذ نحن في زمن بات «الجوهر» آخر ما يفكر فيه الناس.

كثير من الناس «ينخدعون» بالمظهر، فينجرفون وراء «مظاهر خداعة» لا تعكس الواقع إطلاقاً، لأن الواقع في أساسه تكشفه كثير من العوامل، أهمها التعامل والقرب والتدقيق في السمات والصفات.

هذا الكلام ينطبق على كثير من الأمور في حياتنا، في كل شيء سنجد معادلة «المظهر والجوهر»، في الأعمال وفي الحياة الاجتماعية وفي الممارسات اليومية، وحتى في عمليات اقتناء وشراء الأمور.

يعجبنا شيء من شكله الخارجي، فنتهافت عليه، لكن عندما نجربه ونقترب منه أكثر، تكتشف بأن الجوهر ضعيف جداً، وأن المضامين هزيلة، وقد يكون هذا الشيء الجميل خارجياً «أجوفَ» من الداخل.

مثل ذاك المثل الذي يقول بأنك حين ترى شخصاً يعلو صراخه، وله في كل محفل وتجمع حضور بضوضائه وإزعاجه، فإنك مجرد الاقتراب منه، وسبر أغواره عن كثب، غالباً ما ستكتشف بأنه «خاو» من الداخل، وهنا حاله كحال «الطبل» الذي بالضرب عليه يصدر أصواتا عالية، لكن داخله أجوف فارغ.

قد ينطبق التشبيه على كثير من الأمور، على السيارات كمثال قريب للناس، الإعجاب بسيارة شكلها جميل، لكن تصنيعها في مصنع ليس بجودة صناعة السيارات المعروفة بجودتها، بالتالي أنت تحصل على الشكل، لكنك ستفتقر عاجلاً آم آجلاً الأداء والجودة.

لكن الأخطر في هذا كله، تطبيق المعادلة على البشر، إذ كثير منا يقع ضحية الإعجاب بالمظهر، ضحية الحكم على الشكل، في وقت حين تقترب أكثر من الشخص، وتكتشف تفاصيل أكثر عنه، قد ينتهي بك المطاف إلى «صدمة» موجعة، إزاءها قد تتخذ قراراً حاسماً بالابتعاد عن هذا الشخص، أو قطع علاقتك نهائيا به، وإلغائه من حياتك، أو قد تستمر في علاقتك معه بأسلوب الذي يتجرع السم، حاله محال المعجب بوردة من نوع «المحمدي» لكنه ممسك بساقها المليء بالأشواك، بالتالي الدم يقطر من يديه.

بالأمس فقط أرسل لي أحد الأصدقاء الكرام قصة إنسانية جميلة، معنية بأحد القضاة وكيف تعامل مع أحد المدعى عليهم بإنسانية ورحمة، والأهم بضمير حي ونزاهة، لتبين القصة كيف أن الظروف أحياناً تقود الشخص ليكون ضحية ظلم أشخاص آخرين، والشاهد في القصة كان القاضي نفسه، وكيف أن المظهر يشير لقسوة الحكم وغلظته، لكن الجوهر كشف عن إنسانية وطيبة وضمير ورفض لظلم البشر حتى لو كان القانون يحكم بذلك، لكن هناك شيء اسمه روح القانون.

ليست القصة أعلاه هي المغزى، لكنني أشير لردي على صاحبي مرسل القصة، إذ رددت عليه بأن هذه القصص الرائعة بمضامينها الإنسانية والأخلاقية سببها إيمان الشخص نفسه بالعدالة والإنصاف والحق، ورفضه الخطأ وانتهاج الأساليب الخاطئة، وهو ما يعيدني مجددا لمعادلة الـ«المظهر والجوهر»، إذ للأسف صادفت كثيراً في هذه الحياة، في مواقع عمل أو وسط اجتماعي من الناس نوعيات تقدم نفسها لكل بصورة «مثالية» جميلة، بعضهم لا تسقط عن لسانه جملة «قال الله وقال الرسول» لكن أفعاله وتصرفاته لا تمت للدين بصلة، كل التناقضات تجدها فيه، يحدثك عن الصدق وهو كاذب، يحدثك عن العدالة والإنصاف، وهو ظالم وفاسد. وقس على ذلك كثيراً من الناس في المجتمع.

لا تنخدعوا بالشكل الظاهر، ولا يغركم كيف يقدم بعض البشر أنفسهم للمجتمع، إذ كم من البشر كنا نحبهم ونحترمهم «من بعيد»، لكن حينما «نقترب منهم» نصدم صدمة ما بعدها صدمة، لأن الواقع يكشف لك «المظاهر الخداعة والزائفة»