مكاشفات جنوبية

335

إن المرحلة توجب مكاشفة وتشخيص للذات السياسية الجنوبية لضرورة المكاشفة جنوبيا ولان تقييم أعدائها بلغ حدّا وصل السخرية نقرأها ونسمعها لم يصدروها عن استشارة "العوبلي" مشعوذ "رداع" بل عن مكاتب متابعة واستشارة "شمالية أمنية وإعلامية وسياسية...الخ" بعضها ترصد الحالة كما هي، والكثير منها تبث معها فتن وتنكأ بها جراحات ، ورغم ذلك فرصد التاريخ السياسي وتقييم القوى الجنوبية وعلاقاتها ضرورة جنوبية ، وكذا سعة الاستيعاب السياسي بينها باستقراء أحداث ماضية للعظة ولاحقة للتصحيح بينها،  وكيفية الاستيعاب في الماضي وآثاره ، والتوجّهات الحالية وعمق التصحيح الفعلي من عدمه في الثقافة السياسية الجنوبية باستحضار بداياتها وفحص الراهن السياسي ومقارنته واستقراؤه بها، ومدى الاستيعابية السياسية التي أحدثتها فيه التجارب، وما إذا كان اضطراب العلاقة بين قوى المشروع الجنوبي الحالية نابع عن خوف عليه او انه صدى وامتداد لتلك الثقافة التي نشأت على خلفية انقسامية سياسية تاريخيا تكثّفت فصارت اقصائية سياسية عبر حاضنتين: حاضنة عشائرية انقسامية شمولية معتزّة بانقساميتها لم تنتج رغم وحدة صفتها "مشيخات ،سلطنات" صيغة توحيدية قابلة للحياة فصدق فيها قول "انجرا ميس": "ان عدن تنتج تجّار ناجحين لكنها تنتج حكام فاشلين"،مع ان عدن أول مدينه في الجزيرة احتضنت تعددية كان غالبها امتدادا لصراعات الرؤى التي اجتاحت الشرق العربي لكن انشدادها بالخلفية الانقسامية كان أكثر ضررا فمنع ذلك تطور أداؤها وجاءت ظروف الاستقلال وحالة تلك القوى كحالتها اليوم مشدودة بمصالح انقسامية اقصائية متحزبة لم تشخّص الواقع وتقبله الا كما تحدده  شعاراتها ويوائم تحالفاتها، كل يلغي الآخر ويدعي عدم خيانة شعب الجنوب وأهدافه فتآكلت وكانت النتيجة الوصول الى "باب اليمن"!! .

 

 مع فارق ان الاحتلال البريطاني سلّم إدارة وجيش وامن كانت لاصقا لمشروع الاستقلال وخطيئته تجاه الجنوب انه لم يؤسس طيلة وجوده جامعة ترسي عقلا سياسيا علميا يتسلّم البلاد ويديرها ويعالج واقعها فانعكس ذلك في تجربة الاستقلال اقصائية سياسية عندما تسلّم البلاد عقل نصف متعلم في غالبه وشاركه عقل أمي فتصارع في التجربة موروث انقسامي متسلّحا بنظرية خلت علميتها من معالجات لواقع التجربة فأخذوا منها واحديه وشمولية سياسية وأمنية وحزبية واعلامية00الخ شكّلت في الوعي السياسي سلوكا وممارسات يمكن رصدها الآن في اقصائية مقيتة ترتكز على مقولة"اما ان اعمل إنا وتحالفاتي كل شئ والا فان العمل لا يمثل الجنوب"!! ، ورصدها في الشللية السياسية ، في ضيق او عدم استيعاب الاخر وتقليل دوره ، في عدم الثقة، الشك، التخوين، الاتهام بالتفريط000الخ

إن الخطورة أن لا يتم تنقية ثقافتنا السياسية من شوائبها وإصلاح الاعوجاج البنيوي فيها وتنبعث نبوءة "انجرا ميس" مرة أخرى وتعاد جدولتها بالاحتماء بالتصالح والتسامح الذي وحّد الصف الجنوبي لكن  قضايا القضية الجنوبية السياسية والاجتماعية تتطلب رؤية ومعالجات تستقرى حقيقة وعمق تضاريسها، والخوف ان  تُُُعاد جدولة تلك الثقافة بالاحتماء والحرص على الحراك وأهداف الجنوب او الخوف إن توصلنا بعض القوى الى باب اليمن وهي ذات نغمة الاقصاء قبل الاستقلال وما بعده التي أوصلت الجنوب الى باب اليمن!!.

 

والخطورة أن تتقولب تلك الثقافة دون نقد وتمحيص عبر الهياكل والقسمات العامة لنظريات العلوم الإنسانية وتعاد صلاحيتها  منتجا علميا!! ، فهذه النظريات كالشعوب تتحد في القسمات العامة وتتنوع لدرجة الاختلاف في المميزات الخاصة وكذلك قضاياها وطرق معالجتها لها هياكل وقسمات تتحد مع غيرها،ولها تفاصيل ومؤثرات وعلاقات مختلفة، فالقضية الجنوبية في خصوصيتها ليست كالفلسطينية وظروف سلمية الحراك ليست كظرف سلمية ثورة الهند او جنوب إفريقيا او تونس ،والرمز إن كان ضروريا لالتفاف وتعاضد الجماهير لا نريد ان نشرعن  به اختلالا في ثقافتنا السياسية لا نريد ان نشرعن به التوريث، ولا نريده "روبرت موجابي" يرعى الاستبداد عبر الصوت الواحد نريده ان يستوعب "مانديلا"و "غاندي"الذي جمّع تنوّع وانقسامية الهند العرقي والثقافي والديني ،رمز تعايش ونافس وهزم  الآخر السياسي  ورضي ان يهزمه الاخر 0 قد يحتج البعض بالاحتلال والحجة مردودة فتأسيس الاستبداد والشمولية او تأسيس التنوع والقبول بالأخر يتخلّق في ذات المراحل .

 لقد اتحد "غاندي و علي جناح"ضد الاحتلال رغم اختلاف وتضاد رؤيتهما لما بعد الاستقلال كانت لغاندي رؤية وحدوية لشبه القارة الهندية المستقلة بينما "جناح "له رؤية انفصالية للمسلمين بعد الاستقلال ورغم ذلك اوجدا  صيغة للعمل معا ضد الاحتلال 0هكذا سلاح السلمية ان أرادت لها قواها الانتصار يتطلّب ان يجلس أصحاب القضية الواحدة على طاولة واحدة ويتفقوا على إدارة التنوّع  وحتى مع المختلف يتوافقوا معه لانه شريك في الوطن ولكي لا يصبح سلاحا بيد العدو    

 

* خاص عدن الغد -كاتب وناشط في  الحراك الجنوبي