الحرب في اليمن على المفترق .. ما هو الممكن وما هو المستحيل؟

يجد كثير من المراقبين السياسيين أنه بات من الممكن الآن الحديث عن فرصة “غير محددة” لوقف إطلاق النار وإعلان هدنة مقيدة بنجاح اتفاق سياسي حول تطبيق قرار مجلس الامن 2216.

ومع ذلك لم يتأكد حتى اللحظة إن كان هناك مشروع اتفاق تم الحديث حوله مسبقاً قبل اطلاق مفاوضات جنيف ٢، لكنه ومن زاوية أخرى، بات من الواضح أن دول التحالف العربي خاصة المملكة السعودية تقع تحت ضغوطات امريكية متزايدة لحثها على تفعيل العملية السياسية في اليمن، ويشاع أن الادارة الامريكية لديها من الخوف حول تداعيات الحرب ونتائجها ما يجعلها أكثر عزماً على ممارسة هذه الضغوط على حلفائها في المنطقة لإنهاء الحرب الدائرة، خاصة وأن المجموعات الإرهابية تنتعش وتتناسل وتتنقل بديناميكية عالية دون معالجات ناجعة لهذا الأمر حيث أظهر منطق الاحداث أن الحروب الداخلية هي البيئة الخصبة لتطور تلك المجموعات وتنامي قدراتها. 

ومع ذلك لا توجد، حتى اللحظة، مقاربة سياسية حقيقية لإنهاء الأزمة وتطبيع الأوضاع، فقوات صالح والحوثيين ما تزال تسيطر على كل شيء في اليمن الشمالي وما تزال تمتلك وحدات عسكرية كثيرة للجيش التابع للرئيس السابق، بالاضافة إلى قوى ميليشاوية، وهناك “موالاة” مصنفة بالمخزون البشري الإحتياطي في بعض المناطق القبلية المنتشرة على الهضبة الشمالية، يقابل ذلك مناطق الجنوب المحررة التي تسيطر عليها المقاومة الجنوبية وقوات السلطة الشرعية مسنودة بتواجد لافت لقوات بعض دول التحالف، بالرغم أن تلك المناطق باتت ملغمة بمجموعات القاعدة التي تشكل لغزًا محيراً في ولاءاتها وسياساتها خاصة وأنها تتحرك في أوقات مختارة بعناية فائقة، لخلط كثير من الاوراق.

هي اليمن إذاً تعلن عن تعقيداتها المتجذرة في التاريخ في زمن الحرب وفي زمن السلم.

 لقد أثبت الإقليم ومعه العالم غير مرة أنهم لا يمتلكون رؤية حقيقية واقعية حول مستقبل اليمن السياسي، أو كيفية المساعدة في صياغة عقد قابل للحياة المستدامة في اليمن الجغرافي الذي يتدافع الآن بجهاته الرئيسة الشمال والجنوب، وبتنويعاته الديموغرافية على الهضاب والصحاري والتهايم ومدن السواحل والسهول الفسيحة، فاليمن جغرافيا تاريخية مثل الشام والخليج وبلاد المغرب،  تمتد من مرتفعات “الدرع العربي” حتى المضارب العمانية وتتوغل في الامتدادات الجنوبية لصحراء الربع الخالي وتشرف على بحار متعامدة، وعليها كتل بشرية متنوعة، وتعاقبت على رواسيها ورمالها ممالك ودويلات سادت ثم بادت، وترسخت فيها هويات ثقافية وسياسية مختلفة…

وفي التاريخ الحديث اندمجت جمهوريتان في مشروع غلبت عليه العاطفة القومية والرومانسية السياسية، بعملية صادمة وسريعة وأنجبتا مخلوقاً “لا أرضي”، أي لم تحتمله حقائق الواقع منذ مستهله، ثم فشل بعد ذلك القادة المنتصرون في حرب ٩٤ في وضع معالجات دائمة تروض الأمر الواقع القسري وتوازن بينه وبين المتطلبات العصرية، حتى أحالوا البلد بما حمل من أثقال إلى زاوية مهملة تهيم عشواء في هوامش العالم الفقير بصورة غير متصالحة مع ذاتها ومع خارجها فتمدد الفقر والتخلف مثلما وجد الإرهاب منذ نشأته القوية بيئة ووظيفة تتنوع في كل مرحلة، وفي نهاية المطاف اكتمل مشهد الشقاء بانفجار الصراع الطائفي/ السياسي المر بعد أن تمت التهيئة له منذ عقدين خلت.

السلطة الشرعية حين تتحدث عن السلام فهي لا تمتلك رؤية حقيقية مع أنها ربما تدرك “كلمة السر” في كل هذا المشهد، وما هي الخلفيات الحقيقية للصراعات الأساسية، لكنها مقيدة بسلاسل من المرجعيات والمبادرات ومخرجات الحوارات التي لا تضمن بقاء السِلم أسبوعاً واحداً.. وكذلك تحالف الحوثي/ صالح حين يتحدثون عن ضرورة وقف ما يسمونه بالعدوان فانهم لا يُظهرون أي نوايا حقيقية عدا اتّباع “حمية” حربية متشددة في المدن والقرى لا تنبئ بأن هناك خيارات سلمية قادمة.

هناك أسئلة كثيرة ولا توجد إجابات شافية!  فاذا تم وقف اطلاق النار، ماهي القوة التي تفصل بين المتحاربين في جبهات واسعة وما/ من هو الجيش الرسمي الذي يتسلم الأسلحة الثقيلة ؟ وما مصير المقاومات الشعبية في الشمال والجنوب ؟ وكذلك ما مصير جيش صالح ومليشيات الحوثي؟ وكيف يتم معالجة وضع الاحزاب والحركات التي تمتلك قواعد عقائدية طائفية من الجهتين؟.. ومن يقنع المقاومة الجنوبية، التي اشتد عودها، باستمرار الوحدة تحت هيمنة ذات القوى التي تناوبت في الحروب على الجنوب عام ١٩٩٤ و٢٠١٥؟… الخ، أسئلة انشطارية يتفرغ من كل سؤال ألفٌ.

ومع كل ذلك لا يجب إحباط أي جهود بناءة لإحياء العملية السياسية السلمية ووقف العمليات العسكرية، ولكن مع كل شيء يجب لفت الانتباه إلى أن مشاكل اليمن قد خرجت من كل المخابئ التاريخية والجغرافية والدينية إلى السطوح، وبات من الضروري أن تكون هناك مبادرات دولية واقليمية عادلها لمعالجات مستدامة تتجاوز الوجبات السريعة خاصة إذا ما تم الاتفاق أولاً على قرار مجلس الأمن وآلية تنفيذ بنوده .

لقد أثبتت التجارب أن محاولة تطويع الواقع بشكل شمولي خدمة لمصالح خارجية مهما كانت جهتها وصفتها، أو وفقاً ل”فيتو” قوى داخلية أو لتوجهات أيديولوجية أو طائفية، أمر خطر ويستحيل نجاحه، لأن هذا سيضع البلد مرة أخرى أمام كوارث لا تنتهي.

اليمن بحاجة إلى “ممكن” واحد وهو: هدنة عميقة وحوارات شاملة وحراك إقليمي مشترك ومشاركة دولية فاعلة وقبل كل ذلك فهم وإدراك لمشاكله جنوبا وشمالا ووضع معالجات نهائية بأفق واقعي يقبل بها كل الأطراف.