امنحوا الجنوب قُبلةَ الحياة !

منذ خمسين عام نبحث عن العقل ولم نجده، ونجدُنا الان في طريقنا للتيقّن من اننا ما نزال نمعن في اضاعته. فما ان تكون هناك موجة للاختلاف حتى يهلل الناس ويسعون لتعظيمها وتصعيدها، كلٌّ بطريقته. يتم فلسفتها وتأطيرها لتصبح جديرة بالصراخ، فتطير رياحها وينتشر صخبها وتصبح أهزوجة تُحيي حفلات الزار السياسي. ثم يبدأ الاصطفاف لأجلها وتهل علينا البيانات السياسية، فنحن افضل شعوب الارض في إصدار البيانات السياسية ذات المصطلحات الخرسانية التي لا روح فيها بل لها طعم النصال المسمومة. وهكذا تتصلب الحالة ثم تستعصي ويستعر الصراع.

 

وباتجاه معاكس، ان كانت هناك موجة للتوحّد وتقليص مساحة الفُرقة، يُستنفر المجتهدون ويتأهبون للإبحار في محيط الشكوك والوسوسة واستقراء النوايا واجترار مصطلحات تاريخنا الأبي المتخَم بكل أصناف التكفير السياسي. وهو امر سهل ومتاح جداً ولدينا منه مخزون ثقافي خصب فننهب الفكرة الحسنة أو نحرقها أو نضعها تحت دواليب الشاحنات المحملة بترسانة من التبلّد العقيم. ما يزال البعض مع الأسف يفكر بان الوطنية لا تتعدى مقاييسه وبيده الملك والعصمة، بل يذهب البعض الى الاعتقاد بان الوطنية رديفة لاسمائهم او جزء من متعلقاتهم او بغال للإيجار يقتاتون من مهورها.

 

الوطن بدون بيانات سياسية شبه يومية، وبدون عشرات المجالس والجبهات، وبدون هذا الركام الهائل من الغثاثة والمكابرة هو الوطن الحقيقي الذي يجب ان يكون بإرادة ابنائه. 

 

هو الوطن الذي لن يعاني أبناؤه مجددا من مرض اللزومية المحدِّدة لوطنية كل فرد، فمن اجل ان تكون وطنيا لا عليك ولا عليك ان تنتمي للأصنام السياسية او الجبهات او المجالس، بل ان تنتمي لوطن حر بعقلية حرة وإرادة حرة. 

 

الجنوب يدرك انه خال تماماً من غاندي ونيلسون مانديلا أومارتين لوثر كنج، وخال من أي كسر عشري نانوسكوبي من أولئك العظام بل لديه انيمياء قيادية موغلة في القدم. ومدرك  بانه يعيش في ألفية جديدة، ولهذا فانه لن يدع ذاته لمن يجعل من قضيته مهمةً بيروقراطية او يختزلها في مكوّن يصنعه ذات مساء ويتم تسجيله باسمه حصريا في الشهر العقاري. والجنوب ليس طفل للتسوّل او مذياع للخطب او شاشة لتألُّق من لا أَلَق له. الجنوب ارض وشعب لطالما بحث عن نفسه وعن عنوانه في مجلدات الضياع التي كتبها كلاسيكيو الثورات الاولى منذ نعومة طيشهم. وقد حان الوقت الان لان يبحث الجنوب عن نفسه في عقول المفكرين ورواد الفكر من هذا الزمن الجديد وان يمنح نفسه قُبلةَ الحياة الحقيقية.

 

على الجنوب ان يتجدد دون طيش آخر ودون نحيب آخر ودون ان يرفع عقيرته في وجه الحاضر.. بل عليه ان يتعافى فورا وان يطوِّر باستمرار منهج الوفاق الوطني ويعمّق فكرة المصالحة الوطنية التاريخية، وان لا يهبها لمن يجعلوا منها فقرة مضيئة في خطاباتهم التي يعيدون اجترارها كأصوات حجر الرحى التي لن تتغير مهما تغير طحينها.  

 

 لنا دروس من الشعوب التي انتصرت وخرجت من محنتها ونفهم كيف بدأت بأبجديات بديهية تتركز في البحث عن القواسم المشتركة بين أفرادها ونخبها لتوحد هدفهم وتجمع طاقاتهم وتجدد لغتهم  وتضع خارطة طريقها بشكل شفاف وواضح، وتتعلم كيف تخاطب العالم وكيف تداوي جروحها. ولم نر شعبا واحدا انتصر وهو هشيماً تذروه ماكنات الصراعات ومحترفو الأزمات.

 

الذين سعوا منذ جاهلية عهدهم السياسي لتوحيد (الشمال والجنوب) لم يجربو قط السعي لتوحيد الجنوب بشكل حقيقي دون ان يكون ملحق لإرادتهم، فكان الحزب الحاكم هو ملخَّص الجنوب وهو دولته، حين يتوحد الحزب يتوحد الشعب وحين يتكسَّر يتكسَّر الشعب.

 

ولهذا لا يجب ان يعود ذلك التاريخ  لان المنطق يحتم ان يتوحد الجنوب في اطار تنوعه وفي اطار مرجعياته الأخلاقية والثقافية والحقوقية وفي اطار الاستحقاقات الوطنية الكبرى الماثلة أمامه وبفرضيات المستقبل الجديد، وليس فقط بالمعنى المجرد لوحدة (قادته العظام) إنْ توحدوا توحد وإنْ تفرقوا ترنّح. ان اقبلوا يعانق او ادبروا يفارق.

 

وعلى (القادة ) ان يعترفوا بانه لولا تضحيات الشباب ونضالاتهم اليومية لأصيبوا (بداء ابي لهب) في مخابئهم وعزلتهم في الخارج، فالموت أمهلهم لان الشباب زرعوا من دمائهم أملا جديدا يحيون من اجله وإلا لتولاهم قانطين منسيين. لذا عليهم ان لا يجحدوا دماءً أريقت من اجل وطن وليس من اجلهم.

 

والآن انْتبِهوا معي قرّائي الأعزاء لهذا :

لقد حان الوقت وحان جداً لتغيير مفهوم القائد في هذه المرحلة، مرحلة استعادة الدولة، وهي صعبة ومعقدة وخطيرة للغاية وبحاجة الى تآلف وتحالف وإجماع الأغلبية، بحيث يصبح القائد ممثِّلاً للإجماع ومكلَّفاً منه ومحدَّداً بسياسات منهجية مدروسة لإدارة الفعل والنضال بأشكاله من اجل الحرية. لذلك لا يستطيع احد داخليا أوخارجيا ان ينكره او يتنكر له.. وحينما يتجلى القائد في سلوكه المتميز وقدراته الرائعة ومنطقه وأدائه الذي يجبر الداخل والخارج على احترامه يصبح حينها ذا رمزية تتشكل في الوعي الشعبي وقيمة معنوية وجماهيرية واسعة تصب جميعها في مجرى التحرير الحقيقي. ولن يكون هناك قائد على الصور او الشاشات دون إجماع حقيقي خاصة والجنوب لديه تاريخ من الصراعات العنيفة.

 

لذا يجب مواصلة السعي لإيجاد صيغة وطنية بأهداف واضحة ومنهج جامع وتفويض مَن يمثل الجنوب،  وكيف، في هذه المرحلة. ومن هنا يصبح التمثيل واضحا ويستحيل وجود شتات او تفريخ او سلق تيارات يمكن استخدامها لتزوير شرعية الجنوب مثلما رأينا في الفترة السابقة، لان عمليات تزوير الإرادة ستستمر ان لم يحسم الجنوبيون أمرهم هذا.

 

الجنوب كسَرَ حاجز الخوف وكسَرَ صناعة الثنيّات المقنِّنة  لتأهيل الفرد او الجماعة للوطنية الجنوبية وعليه ان يجد العقل اولاً كي لا يضع مصائره في مهب الأهواء أو الهواة او في مهوى الشُّيَّبِ الجامدين.