تقرير: ما تفاصيل شحنة القمح المجانية التي تبرعت بها بولندا لإغاثة الشعب اليمني؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يتناول ردود الأفعال الرسمية والشعبية تجاه قضية شحنة القمح المجانية التي لم تصل إلى اليمن..

لماذا هددت بولندا بسحب القمح المجاني.. وما دور الحكومة اليمنية في ذلك؟

كيف وصل الأمر بفساد حكومة معين إلى إهمال تبرعات العالم لإنقاذ اليمن من الجوع؟

هل وصل العجز بحكومة معين لدرجة عدم القدرة على نقل شحنة مجانية من القمح؟

تعهدات الحكومة بمعالجة الوضع المعيشي في اليمن.. هل كانت مجرد شعارات فارغة؟

كيف باتت الحكومة غير آبهة بظروف اليمنيين رغم حاجتهم الماسة للمساعدات؟

(عدن الغد) القسم السياسي:

تأثرت اليمن كغيرها من بلدان العالم بالحرب الروسية الأوكرانية، التي ألقت بظلالها معيشية واقتصاديا على الأمن الغذائي العالمي، باعتبار الدولتين الأكبر على الإطلاق في تصدير الحبوب، غير أن الوضع في اليمن كان مختلفا عن أي أوضاع في العالم، ذلك أن البلاد تمر بحرب مستعرة دمرت الأخضر واليابس، ورهنت حاضر ومستقبل البلاد للمعونات والمساعدات وما يجود به الأصدقاء والأشقاء من شحنات الإغاثة.

ولم يكن ينقص اليمن سوى هذه الكارثة والحرب بين موسكو وكييف حتى تكتمل المعاناة والمأساة، وهذا ما دفع العالم بكل دوله إلى إدخال اليمن واعتمادها ضمن قائمة البلدان المستحقة لاتفاقيات الحبوب العالمية، والتي اعتمدتها الدول المصدرة للحبوب، وفي هذا الإطار نالت اليمن حصتها من القمح الذي يمثل قوتا رئيسيا لملايين اليمنيين.

كان الأمر يسير بشكل طبيعي حتى بادرت بولندا هي الأخرى باعتماد شحنة قمح مجانية لليمن قوامها 40 ألف طن، وبقيمة 14 مليون دولار، كتبرع من وارسو إلى اليمن باعتبار بلادنا من البلدان الفقيرة والمتضررة من انقطاع الحبوب التي كانت تصدرها أوكرانيا إلى الدول النامية ومنها اليمن، وشكل الأمل بارقة أمل إضافية لليمنيين المكتوين بالحرب في الداخل والحرب في شرق أوروبا، خاصة بعد أن عجزت كبريات المنظمات الأممية وبرنامج الغذاء العالمي على الإيفاء بكافة التزاماتهم الإنسانية تجاه اليمن.

غير أن بارقة الأمل هذه، والمقدمة من الحكومة البولندية، يبدو أنها لم تعجب الحكومة المحلية، التي لم تستطع بالتكفل بتكاليف نقل الشحنة المجانية من بولندا إلى ميناء عدن وتفريغها ثم توزيعها على الفقراء والبسطاء والمكتوبين بنار الحرب، خاصة أن هذه التكلفة لن تتجاوز 2 مليون دولار فقط، وهو مبلغ ضئيل مقارنة بالعائد الإنساني والمعيشي المجزي المتمثل بسد جوع وعوز اليمنيين.

هذا العجز الحكومي عن التكفل بنقل الشحنة المجانية إلى اليمن، كشف الكثير من عورات الحكومة، وفضح حديثها المفلس عن أي تدخل في مجال معالجة الأوضاع المعيشية والاقتصادية، وأظهرتها في موقف الكاذب، حين تحدثت عند توليها المسئولية عن أن مهمتها الأولى والرئيسية ستكون معيشية واقتصادية في المقام الأول، غير أنها أثبتت فشلها في هذه الأولوية التي وضعتها لنفسها، وكان فشلا بامتياز.

كما كشف تضارب العمل الحكومي وعدم وجود تنسيق حقيقي بين مسئوليها ووزرائها الذين باتوا يطالبون الحكومة بتحركات كان من الواجب تنفيذها بأنفسهم، تماما كما فعل وزير الصناعة والتجارة اليمني حين حذر الحكومة من قيام الجانب البولندي بسحب المنحة المجانية من القمح، بعد العجز عن نقلها إلى اليمن، ما يؤكد أن هؤلاء الوزراء والحكومة برمتها غير قادرة على عمل شيء.

ورغم أن الوزير المعني بالصناعي والتجارة ونقل مثل هذا القوت الضروري وتوفيرها للشعب قدم مقترحا بقيام المؤسسة الاقتصادية اليمنية بنقل الشحنة المجانية من القمح، تجنبا لضياع جهود سفيرة اليمن لدى بولندا الدكتورة ميرفت مجلي، إلا أن الاقتراح هذا لم يلقَ هو الآخر أي آذان مصغية، ما يهدد بضياع فرصة مجانية لإطعام اليمنيين الجائعين، خاصة أن 2 مليون دولار لا تمثل مبلغا كبيرا إذا قورنت بما يتم نهبه والسطو عليه من ملايين يتقاسمها لوبي السلطة.

> ردود أفعال قاسية

ضجت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الموقف الحكومي تجاه فرصة تنقذ الملايين من الجوع، في ظل أن اليمن تعيش أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم، فبعض الناشطين ورواد مواقع التواصل اتهموا رئيس الحكومة اليمنية الدكتور معين عبدالملك بالتقاعس عن توريد ونقل شحنة القمح المجانية، كونه لن يحصل على أي مكسب مادي منها، لهذا تعامل معها ببرود ولم يجتهد في تحويلها إلى اليمن.

وقالوا إن معين تعمد تجاهل كل المراسلات الحكومية والمطالبات الرسمية المختلفة له لدفع تكاليف نقلها أو تكليف أية جهة للقيام بذلك، بعد أن رفض الجانب البولندي القبول بتمرير فضيحة صفقته المخجلة للإنسانية، القاضية بالتعاقد مع تاجر يمني لإيصال نصف الشحنة مقابل تقاسم قيمة النصف الآخر منها.

الناشطون والمراقبون اتهموا الحكومة ورئيسها بامتلاك عقليات مجردة من الوطنية والإنسانية، ما يجعل ادعاءات معين بأنه جاء ليحل المشاكل المعيشية والاقتصادية، أو أنه يبحث عن أية فرصة ممكنة لتقديم أي مساعدة متاحة لتخفيف معاناة شعبه الأكثر مجاعة بالعالم، غير أن شيئا من ذلك لم يحدث، رغم أن هذه الفرصة هي الأنسب لإثبات ادعاءاته التي أكد أنها مجرد أقوال.

مراقبون آخرون، تحدثوا عن تاريخ الحكومة المليء بالفشل، والذي أدى إلى رفض جميع الجهات التي استعانت بها الحكومة ورئيسها لنقل القمح المجاني إلى اليمن بطريقة مجانية دون أن تكلفتها دولارا واحدا، فكثير من المؤسسات والشركات المحلية والبيوت التجارية العريقة تجنبت التعامل مع الحكومة، ورفضت حتى الإغراءات التي قدمتها للبعض منهم بالتهام نصف قيمة الشحنة البالغ تكلفتها 14 مليون دولار، كما حدث مع مجموعة شركات هائل سعيد أنعم عبر صوامع الغلال، والتاجر حسن جيد.

هذا اليقين بفشل الحكومة، وتهرب الشركات والمؤسسات المحلية من التعامل معها تكرر مع المجتمعين الإقليمي والدولي، الذي وصل هو الآخر إلى قناعة بأن هذه الحكومة لم تعد صالحة، بحسب مراقبين، وذلك من خلال تسرب هذه الفضيحة إلى الإعلام الرسمي للتحالف العربي والمملكة العربية السعودية، التي كانت تعرف بأنها الداعم الرئيسي والأول لرئيس الحكومة اليمنية، ما يوحي بالعديد من المؤشرات التي تتحدث عن قرب إقالة الدكتور معين وإحداث تغييرات في الحكومة.

المراقبون حذروا من ممارسات الحكومة اليمنية وعجزها عن توفير أبسط احتياجات وتكاليف نقل مساعدات الدول والمنظمات التي تجود بدعمها وتسارع بإغاثة الشعب اليمني، خاصة أن مثل هذا التقاعس سيؤدي إلى صرف تلك الدول والمنظمات نظرها عن تقديم مزيد من الدعم لليمن؛ بسبب غياب الثقة؛ عطفا على عدم تفاعل الحكومة الجهة الممثلة لليمنيين مع مساعدات العالم لبلادنا، وهو أمر وارد وقد يضاعف من الأزمة الإنسانية في اليمن.

وبالتالي، فإن ما تقوم به الحكومة يؤثر على مستقبل اليمن ووضعه الإنساني والمعيشي، بسبب فقدان الثقة بالحكومة من قبل المنظمات الدولية والدول المانحة، وما هو أشد وطأة فقدان الثقة بالحكومة من قبل الكيانات الاقتصادية والبيوت التجارية المحلية التي لم تستجب لمطالب الحكومة بنقل الشحنة المجانية، حتى رغم الإغراءات غير القانونية التي منحتها الحكومة لهم، والمتمثلة بإعطائهم نصف قيمة شحنة القمح.

وفقدان الثقة هذا له تبعات خطيرة على مستقبل اليمن وشعبها، الذي يحتاج لمساعدات وإغاثة بسبب تأثيرات وتداعيات الحرب الدائرة منذ تسع سنوات متواصلة، وهو ما لا تدركه الحكومة الحالية، والتي باتت تصنف بأنها أسوأ حكومة مرت في تاريخ اليمن على الإطلاق.

> حكومة يجب ألا تستمر

تبرعات بولندا وغيرها من الدول والمنظمات المانحة، لإغاثة الشعب اليمني قد لا تتكرر في المستقبل، في ظل وجود مثل هذه الحكومة التي لا تأبه لاحتياجات رعاياها، ولا تهتم بسد رمق جوعهم الذي بات يمثل أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وكما هددت بولندا بسحب القمح المجاني، بسبب موقف الحكومة اليمنية وعدم تفاعلها، فإن الأمر مرشح للتكرار مع أي منظمة أو دولة مانحة أخرى، وهو أمر وارد إذا استمرت ممارسات الحكومة على حالها.

وهي ممارسات تنم على حجم توغل الفساد في منظومة الحكومة اليمنية حتى وصل إلى درجة عدم الاهتمام بوضع اليمنيين المعيشي، وإهمال تبرعات العالم الذي سارع إلى إنقاذ بلادنا من الجوع، غير أن العجز الحكومي لم يكن في حسبان العالم كله، خاصة أن تكلفة نقل شحنة القمح المجانية ليست بالمكلف إطلاقا، وكان يجب عليها أن توفر هذه التكلفة مهما بلغ حجمها، كأحد المسئوليات الملقاة على عاتقها.

وإلا ما دور أي حكومة في العالم إذا لم تستطع توفير مثل هذه الأولويات البديهية من مهامها، وفي حالة عجزها فمن الواجب أن يتم الاستغناء عن هذه الحكومة وإقالتها، فاستمرارها على هذه الهيئة والطريقة لا ينبغي أن يتواصل، فكما تسببت بهذه الفضيحة، يمكن لها أن تتكرر مستقبلا بحوادث أسوأ بكثير من هذه، والضحية الأولى في النهاية هم البسطاء من أبناء هذا الشعب المسكين.