علي ناصر يتحدث عن زيارة امير الكويت إلى عدن وقصة وديعة الخمس ميلون دولار (13)

(( عدن الغد)) خاص.

إعداد / د. الخضر عبدالله :

تحدث الرئيس علي ناصر في العدد الماضي حول دور الكويتيين في حل النزعات والصراعات سواء في الوطن العربي او القرن الافريقي ..و العدد هذا يحكي الرئيس ناصر عن تفاصيل زيارة  امير الكويت جابر الصباح الى عدن، وتطرق ايضا غلى الاتفاقية الثلاثية بين عدن واديس ابابا وطرابلس  .. و فقال مسترسلا في حديثه :"  ذكرنا في السابق عن دور الكويت وشعبها في دعم اخوانهم اليمنيين خاصة في عدن ، وقد حان الوقت الذي كان على أمير الكويت أن يكون في عدن. كان ذلك في فبراير 1981م. كان الجو لا يزال لطيفاً، ولمّا يبدأ صيف عدن القائظ جداً. أقيم للأمير الشيخ جابر استقبال رسمي وشعبي حافل، وبدا أنه سعيد بزيارته اليمن الديمقراطية. هي أول زيارة يقوم بها أمير كويتي، وقد جرت في وقت كنا بدأنا فيه بإرساء التفاهم الأخوي مع بقية دول المنطقة بفضل الجهود التي قامت بها الكويت. وكنا على الدوام نرى أن الكويت تمثّل أفضل جسر أو منطلق لمدّ العلاقات مع بقية دول الخليج والجزيرة، لما بيننا من علاقات مميزة، ومشاعر خاصة نكنها تجاه الكويت وحكومتها وشعبها الشقيق. وعرفاناً بهذا الدور، وتقديراً له ولإسهاماته في توطيد العلاقات بين الشعبين الشقيقين اليمني والكويتي، قلّدتُ الشيخ جابر الأحمد الصباح أمير الكويت، وسام الثورة «14 أكتوبر»، وهو أعلى وسام في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
سحر الساحل الذهبي

ويردف الرئيس ناصر مسترسلا وقال :"  و خارج نطاق الزيارة الرسمية، رتبنا للأمير برنامج زيارات وجولة حرة شملت عدداً من المناطق في عدن. بدا سموه مشدوداً إلى الساحل الذهبي لعدن، وشعر بانجذاب كبير نحو رماله الذهبية ومياه البحر الزرقاء الشفافة، وكانت الجبال السوداء المحيطة به، المتشحة بلون الصخور البركانية، تمنحه جمالاً فائقاً إلى حدّ جعل الأمير المأخوذ بهذا المنظر الساحر يقرر إنشاء طريق عدن الدائري، ليربط المدينة بشواطئها الجميلة الساحرة. والساحل الذهبي يبدو محشوراً داخل سلسلة جبلية، ولا يمكن الوصول إليه إلا عبر طريق وجسر ضيقين قديمين، ويبدو أن الأمير لاحظ ذلك ونحن في الطريق إليه، فلمعت في رأسه الفكرة، ولم يصارحني بها إلا في اللحظات الأخيرة ونحن في طريقنا إلى المطار لوداعه.
سألني الأمير: لماذا لا تقيمون طريقاً دائرياً حول عدن؟!
فأجبته بأنّ ذلك لا يأتي ضمن أولويات الخطة في وقتنا الحاضر.
فرد قائلاً: نحن سنتكفل بتمويل المشروع.
وبرغم ذلك فقد قلت له: شكراً جزيلاً...
وألح الأمير عليّ: ما رأيك لو تعلن في المطار رغبتنا في تمويل المشروع؟!
أجبته: من الصعب عليّ أن أعلن ذلك في حضورك، فأنت صاحب الفكرة وأنت ضيفنا، وأنت الذي ستموّل المشروع، ويجب ألّا يفهم المودعون أنني أقوم بإحراج سموك.
ابتسم الأمير وقال: ولكنكم لم تطرحوا علينا أي مشروع مثلما فعل إخوانكم في صنعاء، فقد طلبوا منا أن نمول لهم بعض المشاريع، ونحن وافقنا على ذلك.
ابتسمت بدوري وقلت له: سموكم، ضيفنا، وقد اتخذنا قراراً بألّا نطرح عليكم أي مشاريع. 
وشكرته على المساعدات التي قدمتها الكويت منذ الاستقلال وحتى زيارته. في مطار عدن أعلن الشيخ جابر قرار إنشاء طريق عدن الدائري بنفسه على الصحفيين. وعقب عودته إلى الكويت بدأت الدراسات لإقامة المشروع، لكنه فيما بعد تعثر نظراً لارتفاع كلفته. وأخيراً، كان الاتفاق على تمويل المرحلة الأولى منه بإنشاء طريق إلى جولد مور عبر نفق يشق في الجبل الواقع في حيّ الروضة (القلوعة)، وتحول التمويل للمشروع من هبة إلى قرض بلا فائدة يمنح من الصندوق الكويتي للتنمية.
أعرب الأمير عن سروره لزيارة عدن، وقال إن زيارته كانت ناجحة جداً وإن محادثاته معي كانت طيبة ومثمرة وستظهر نتائجها في المستقبل لمصلحة الشعبين والبلدين الشقيقين، وكانت الكويت قد قدمت عدداً من المشاريع في مجال الصحة والتربية والزراعة والطرقات وبناء مطار الريان بحضرموت، وأقامت وحدة سكنية بالمنصورة، وقدمت خمسين مليون دولار وديعة لمدة عشر سنوات.
الاتفاقية الثلاثية

وحول الاتفاقية الثلاثية بين عدن واديس أباب وطرابلس يقول الرئيس ناصر متحدثا :" مرة أخرى أبدت دول المنطقة تخوفها من سياسة اليمن الديمقراطية!! واستمر الخوف في الارتفاع حين وقّعت في عدن في أغسطس 1981م الاتفاقية الثلاثية اليمنية - الليبية - الإثيوبية. وأبدت دول المنطقة تخوفها من هذه المعاهدة.
وفيما أكدت صحيفة «الخليج» الظبيانية في 21/8/1981م أهمية لقاء القمة الثلاثي بيني وبين العقيد معمر القذافي والرئيس الإثيوبي منغستو، قالت الصحيفة إن هذه القمة تعنينا لأن اليمن الديمقراطية جزءٌ من منطقتنا، والجماهيرية الليبية إحدى دول الصمود والتصدي، وإثيوبيا تملك ناصية القرن الإفريقي... وهو موقع مؤثر في أمن المنطقة...
أما الصحفي مصطفى أبو لبدة مدير تحرير صحيفة «السياسة الكويتية»، فقد جاء إليّ وفي جعبته أسئلة قلقة. وأشار في أحد أسئلته تلك إلى تأزم الوضع في المنطقة وإلى أن توقيع اتفاقية عدن الثلاثية قد يزيد من حدة التوتر فيها. وقد نشرت «السياسة» حوارها معي في يوميتها الصادرة في 21/8/1981 م، وكان جوابي عن سؤال الصحيفة هو الآتي:
«واقع الحال أن مفتاح الإجابة عن هذا السؤال يكمن في الاستهلال الذي تكرمت به عندما أشرت إلى ما يجري من رفع سريع لدرجة حرارة النفط في منطقة شبه الجزيرة والخليج...
إن توقيع معاهدة الصداقة مع الاتحاد السوفياتي ومع إثيوبيا وليبيا لا يمكن أن يكون خطراً على أمن المنطقة، كما يزعمون، لأن الاتحاد السوفياتي لم يسبق أن احتل جزءاً من أراضينا ولم يهدد باحتلال أي جزء في المنطقة، وأنا واثق أنك ستؤيدني إذا قلت لك إن المزاعم التي انتشرت مؤخراً حول ما يسمى الخطر السوفياتي على دول المنطقة ليست جديدة علينا، فقد سمعناها جميعاً منذ الخمسينيات والستينيات قبل إقدامنا على توقيع معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفياتي، وقبل لقاء قمة عدن الثلاثية بين بلادنا وليبيا وإثيوبيا، ولا أبالغ في القول إنه في الوقت الذي كانت الدوائر الغربية تهدد باحتلال منابع النفط في المنطقة وتشكل قوات التدخل السريع المعدة لهذا الغرض، كان هناك من يتبرع مجاناً بالحديث عما يُسمى الخطر السوفياتي، لذلك فإننا لم نستغرب إطلاقاً أن تنشر غيوم الفزع والقلق عند بعض المتواطئين مع أميركا في أعقاب معاهدة الصداقة والتعاون مع الاتحاد السوفياتي، وكذا عقب عقد اتفاقية عدن الثلاثية مع كل من إثيوبيا وليبيا».
الخوف من علاقة السوفييت

ويواصل الرئيس ناصر حديثه قلائلا :" في الواقع، برز الخوف من علاقتنا بالسوفيات لدى دول المنطقة في وقت مبكر. ففي اللقاء الأول الذي جرى بيني وبين سمو ولي العهد الكويتي جابر الأحمد الصباح في مدينة الكويت في شهر مايو 1974م، برز هذا القلق، وأبرز ولي العهد قلقه حيال علاقات اليمن الديمقراطية المتنامية بالاتحاد السوفياتي. وقال في ما يشبه النصيحة أو التحذير: «لسنا معكم إذا ارتميتم في أحضان السوفيات، ولسنا مع حكام صنعاء إذا ارتموا في أحضان السعودية والأميركان!».
كانت الكويت، تتبع سياسة مرنة ومتوازنة في المنطقة، ومع الشرق والغرب، وترى أن هذه السياسة تصنع لها الاستقرار وتحافظ على استقلالها. فكانت أول دولة في المنطقة تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع الاتحاد السوفياتي ومع بلدان أوروبا الشرقية. وتلتها الإمارات العربية المتحدة ومن بعدهما جاءت السعودية وقطر والبحرين. ولقد أثبت ذلك ضرورة العمل من أجل الاستقرار والتوازن في هذه المنطقة من العالم. وكان للسياسة الواقعية التي اتبعناها في الثمانينيات أثرها البالغ ودورها الكبير في إحداث انفراج في العلاقات مع دول المنطقة، الأمر الذي ساعد السوفيات على إقامة علاقات دبلوماسية مع دول المنطقة كلها لأول مرة في التاريخ.

المياه مقابل الجزر

واستعرض الرئيس ناصر حول العلاقات الشخصية والرسمية مع قادة دولة الكويت فاوضح وقال :" ارتبطت بعلاقات شخصية ورسمية وودية بعدد من قادة دولة الكويت ورجالاتها، وعلى رأسهم الأمير الشيخ جابر الصباح، وقد تركوا جميعاً في نفسي أطيب الأثر، وكانت ثقتهم بي وبسياستنا كبيرة. ذات يوم طلب مني الأمير جابر خلال أحد لقاءاتنا المتكررة التوسط لدى العراق لمدّ الكويت بالمياه التي تذهب هدراً إلى شطّ العرب!
سافرت إلى العراق، وناقشت الموضوع مع الرئيس العراقي أحمد حسن البكر، ومع نائبه صدام حسين الذي كان يتصرف منذ ذلك الوقت كرئيس فعلي للعراق، والذي قال: «سنعطيهم الماء، لكن مقابل تسهيلات يمنحونها لنا في جزيرتي بوبيان ووربه». وبالطبع رفضت الكويت هذه المقايضة، وماتت الفكرة في مهدها برغم حاجة الكويت الماسة إلى المياه، إذ إنها تنفق أموالاً طائلة على تكرير مياه البحر.ولعل هذه الحادثة التي رويتها تختصر منهجية السياسة العراقية تجاه الكويت. مع أن الفائدة كانت ستعود بالنفع على الشعبين الشقيقين في الكويت والعراق."( للحديث بقية )
....