تقرير: هل أصبح الوعي المجتمعي بالهوية اليمنية سلاحا لمناهضة الهوية الحوثية؟

(عدن الغد)خاص:

تقرير يسلط الضوء على تجريف الحوثيين للهوية اليمنية والتضييق على الحريات في صنعاء وفرض هوية موازية..

أيهما ينتصر هوية الإيمان بالتاريخ والأزياء الشعبية أم الهوية "الإيمانية" للبندقية؟!

كيف استقبلت النساء قوانين الملالي الإيراني في اليمن؟

هل تشهد شوارع صنعاء مظاهرات ثورية نسائية كشوارع طهران؟

هل أدى الفراغ السياسي في صنعاء للتفكير خارج الصندوق؟

ماذا بعد يا صنعاء؟!!

(عدن الغد) القسم السياسي:

تجريف الحوثيين للهوية اليمنية على كل المستويات شكل صحوة وعي لدى كافة شرائح الشعب اليمني لاستنهاض تاريخهم والتمسك بالموروث الحضاري والثقافي، إذ عمل الحوثيون في السنوات الأخيرة على ترسيخ هوية موازية للهوية اليمنية في صنعاء وباقي المناطق يسمونها زورا "الهوية الإيمانية" والتي تخدم مشروعهم الطائفي السلالي في استعباد الناس وفرض القيود والتضييق على الحريات بمبررات ضحلة ومرويات كاذبة إضافة إلى محاولة إلهاء المواطن عن حقوقه الأساسية.

ولا يعتبر تجريف الحوثيين للهوية اليمنية وليد اللحظة ولا يعد عملا يتم مصادفة، بل إن صنيعهم ينطلق من استراتيجية استلهمت تقاليد أسلاف لهم عملوا على إعادة تشكيل الشخصية اليمنية، وفقا لمحددات تحاول أن تجعل تلك الشخصية مستلبة إزاء شخصيات الأئمة السياسيين والقادة الدينيين، وفقا لخطط وتكتيكات مدروسة ومزمنة.

الحوثيون ومن خلال من استنساخ الهوية المزورة والتي تأخذ طابعا أقرب إلى "الشخصية الفارسية" وإلى تصورات المخيال الإيراني عن سمات المؤمنين وطبائعهم والمتابع لما يقوم به الحوثيون اليوم يجد أنهم يعملون بشكل مكثف على إعادة إنتاج استراتيجيات محددة تساعدهم على تكييف الهوية اليمنية وإعادة تشكيل الشخصية اليمانية وفقا لمحددات الشخصية الإيمائية المزعومة.

> ترند الهوية اليمنية

أطلقت ناشطات يمنيات حملة على مواقع التواصل من خلال نشر صور لهن بالأزياء الشعبية التقليدية، التي تعكس الهوية اليمنية القديمة واللباس الخاص بالجدّات، في عدد من المدن، أبرزها صنعاء وتعز.

لم تقتصر الحملة على النساء وملابسهن بل اتسعت رقعة الحملة إلى الرجال والحديث عن الفكر والموروث والهوية اليمنية بشكل عام.

وفي خضم الصراع والفقر والجوع تظهر مليشيا الحوثي الإرهابية بقرارات على عكس ما يتوقعه المواطن في مناطق سيطرتها، إذ إن المواطن منتظر قرارات تفرج عن حقوقه الضائعة لكنهم أقروا عبر اجتماع ضم مسؤولين في صنعاء ضوابط تفصيل العباءات النسائية في مناطق سيطرتهم.

الاجتماع الذي عقد في المركز الثقافي بصنعاء، ضم مسؤولين مدنيين وأمنيين رفيعين في حكومة مليشيات الحوثي الإرهابية من بينهم وكيل وزارة الداخلية وأمين العاصمة ومدير أمن الأمانة ووكيل وزارة الثقافة، إضافة إلى مالكي محال بيع وخياطة العباءات النسائية.

المسؤولون الحوثيون أبلغوا مالكي محال خياطة وبيع العباءات النسائية بالضوابط التي أُقرت من قبلهم فيما يخص شكل العباية، وحذروهم من عدم الالتزام بتلك الضوابط.

وألزم الحوثيون، أصحاب المحال ببيع العباءات الفضفاضة ذات الخمار فقط، وأن تكون ألوانها سادة، بينما منعوا "المزهنقة ذات الألوان، أو المخصرة أو القصيرة".

الناشطة وداد البدوي قالت "إن حملة الهوية اليمنية هي رد من النساء على فرض نوع معين من اللبس، ولون معين، وحركة معينة من الخروج أو الدخول ضمن آلية معينة، فالقيود التي تفرض على النساء ليست لها علاقة بالهوية، هذه القيود هي قيود ذكورية".

وأشارت البدوي بالقول: "يتحدث البعض بأنهم يطبقون الدين لكن هذا غير وارد في الدين وهم أساسا لا يمتون للدين بصلة، فكان رد النساء ردا وطنيا من واقع الإرث التاريخي الذي تفتخر به اليمن والنساء بشكل خاص، اللاتي هن جزء لا يتجزأ من هذا الموروث العريق، الألوان والملابس والتنوع أيضا، هذا التنوع هو من يعبر عن اليمن، الألوان المختلفة هي صورة اليمن، وهذا التنوع هو ثقافة اليمن وهويته، عمر اليمن ما كانت لونا واحدا أو رأيا واحدا، أو أن واحدا يفرض علينا أن يكون هو الوحيد المتحكم بقرار النساء والرجال والبلد بشكل عام، وهذا كله مرفوض، ولن يستمر".

وتضيف البدوي "كانت رسالة النساء من خلال هذه الحملة تعبر عن نضج كبير للنساء بالمسائل الوطنية، وتعبر عن وعي النساء، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن النساء يستطعن أن يقلن الكلمة المناسبة في الوقت المناسب، حتى وهن يعانين من الحصار والتقييد والمنع لكثير من الأمور في الحياة".

ودعت إلى اقتناص اللحظة والوقوف في صف النساء ورفض كل هذه القيود، ما لم فإن النساء لن تنسى لهم هذا الخذلان، هذا الخذلان كبير وسيسجل، وستحاسب النساء الأحزاب والتيارات المختلفة والحكومة عندما يأتي الوقت المناسب، لأن النساء لن يذهبن إلى صناديق الاقتراع في المستقبل للتصويت لمن خذلها اليوم.

وجاءت قرارات جماعة الحوثي في إطار التضييق على الحريات العامة والتي دشنتها الجماعة بإصدار قرارات تعسفية ضد المرأة أبرزها منعها من السفر دون موافقة رسمية من أقاربها الرجال.

> ردود فعل

إجراءات الحوثيين لاقت ردودا كثيرة فكل شخص عبر بطريقة رفض سلوك هذه الجماعة الإرهابية حيث جدد المتحدث الرسمي باسم قوات المقاومة الوطنية حراس الجمهورية، العميد صادق دويد، التأكيد أن الحرب التي يخوضها الشعب اليمني ضد مليشيا الحوثي المدعومة إيرانيًا، هي حرب هوية في المقام الأول؛ المواطنة المتساوية ضد خرافة الولاية.

وقال دويد "إن الهوية ليس زيًّا يتنطع الكهنوت بلبسه، بل تاريخ ونسيج وموروث حضاري اعتدت عليه المليشيات الحوثية".

دويد أشار إلى أن الكهنوت الحوثي يستهدف الهوية اليمنية بمفهومها الواسع وليس مجرد الزي؛ "بل تاريخ يعملون على طمسه ونسيج اجتماعي يمزقونه وموروث حضاري يجرفونه وحداثة سياسية- جمهورية وديمقراطية وحريات- يصادرونها وتمسك اليمنيين بهويتهم مدعاة للفخر ورفضًا قاطعًا للفكر العنصري".

أما الناشط عبد الرحيم الفتيح فأكد أن الهوية اليمنية ليست زيا يتفق في لبسه الإماميون أنفسهم، فهي ليست مظهرا يوحدنا من الخارج، بل إنها موجودات وكائنات حسية ومنطقية أعمق توحدنا من الداخل حد التشابه.

وأضاف الفتيح أن: "الهوية روح الانتماء الذي شكلته الأغنية وسطره الشعر اليمني وتضوع به الفضاء عبر أصوات كان لها رائحة البخور ومذاق البن بل وأكثر من ذلك، الهوية هي ما سيأتي، أما الماضي، أي ماضي، لأي بلد لا يلبث أن يُصبح هاوية".

"لتكن جمهوريتنا المنشودة هي الهوية التي نريد والقُداس الأعظم والزي الأكثر إبهارا". حد وصفه.

> الهوية السلالية

ويمكن- بالقليل من الاستقراء المنهجي لهذا التاريخ القديم والحديث- ملاحظة أن كل هذه الصراعات والاضطرابات والحروب التي تعيشها اليمن اليوم، وعاشتها طوال تاريخها القديم والوسيط، تعود جوهريًا إلى أزمة عويصة، وإشكالات مزمنة في مسألة "الهوية" التي تتمثل عمليًا بوجود عدد من الهويات الفئوية، كانت دائمًا تعتلج في صميم الواقع اليمني، وتفرض نفسها بدرجات متفاوتة من النفوذ على حساب الهوية القومية الجامعة.

وبالتالي لا مفر لأي مقاربة منهجية جدية للإشكالات والأزمات اليمنية الراهنة، من الأخذ بالاعتبار معضلة الهوية هذه قبل أي شيء آخر، ومن بين هويات لا وطنية كثيرة قديمة وحديثة.

وبشكل أكثر إشكالًا لدينا في الشمال جماعة كهنوتية حاكمة تزعم أحقية إلهية في السلطة، استنادًا على هوية عنصرية سلالية مقدسة، تكرس في الوعي العام أن الهوية الأهم والأكثر أولوية للشعب اليمني هي "الهوية الإيمانية" كهوية شمولية ديماغوجية متناقضة تمامًا مع "الهوية الوطنية"، وتصوراتها وسلوكياتها وأولوياتها المفترضة!

لا يمكن حل هذه الإشكالات الهوياتية بشكل عسكري، وإن كان الخيار العسكري ضروريًا لمعالجة تلك الهويات الفئوية، التي تفرض استحقاقاتها العنصرية المزعومة بالعنف والسلاح؛ لكن في الأخير، الهوية ليست بنية مادية يمكن نسفها، بل مسألة ذهنية، ورغم ارتباط الهوية بالتاريخ والجغرافيا، واللغة والأبعاد الثقافية والسياسية.. فهي بمفهومها الأكثر تجريدًا، قيمة نسبية، تتعلق بالوعي والشعور الجمعي بالانتماء إلى كيان واحد مشترك.